news-details

قراءة تأويلية: الواقع، التأريخ والتخييل في رواية "بدلة إنكليزية وبقرة يهودية" (2-2)| د. رياض كامل

الفضاء الروائي

تدور معظم أحداث الرواية، كما ذكر أعلاه، في مدينة يافا التي كانت تعتبر أهم مدينة في فلسطين وأكبرها عددا. يتعرف القارئ على المدينة ومعالمها؛ أسماء بعض شوارعها، دور السينما والمسرح، حاراتها وبيوتها ومقاهيها، بحرها وشاطئها، بياراتها وأسماء بعض عائلاتها، وأهم احتفالاتها، خاصة موسم النبي روبين وإقامة "مدينة الخيام" حتى لتبدو يافا مدينة عريقة تضاهي في شكلها وفي جوهرها أي مدينة غربية عريقة.

يرى القارئ أن الروائية ترمي من خلال هذه التفاصيل الدقيقة إلى إثبات نقيض ما تقوله الدعاية الصهيونية: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، والإثبات على ذلك أن هذه الجملة، بالذات، قد جعلتها الروائية عنوانا فرعيا لأحد الفصول. (ص171) من هنا فإننا نرى أن أهم ما تتناوله هذه الرواية هو فقدان المكان/ البيت/ الوطن، وما يجرّ ذلك من تأثير على الإنسان.

لم يكن احتفاء الروائية بالمكان عفويا، على الصعيد الخاص والعام، فقد عاد والدها إلى يافا سنة 1968 للبحث عن بيته، فلم تفتح له "سيدة" البيت الجديدة الباب، ولم تسمح له بالدخول، فعاد أدراجه حزينا دامعا، وظل هذا المشهد يرافق الابنة سعاد التي أصرت على البحث عن البيت رغم مرور عشرات السنين، لكنها عادت بخفي حنين ولم تهتد إليه، فعمدت إلى استعادته كما تستعيد بناء البيوت الفلسطينية التراثية القديمة، ولو عبر الخيال. تصر سعاد العامري على الكتابة عن هذه التجربة المؤلمة. والكتابة، كل كتابة، لها دوافعها المتعددة ولعل أهمها ما قاله بعض الكتاب عن تجاربهم بأنهم يكتبون بدافع "الاستشفاء"، فالدفاع عن الذات له دوافعه النفسية التي لا يمكن كبتها.

إن ما يميز معظم روايات النكبة هو احتفاؤها بالقرية ومركباتها، لأن المجتمع الفلسطيني، آنذاك، كان في معظمه مجتمعا فلاحيا، فكانت القرية هي الفضاء الأهم الذي حفلت به القصة والرواية الفلسطينيتان، لكن أحداث هذه الرواية، كما ذكرنا، تدور معظمها في المدينة، وهي تتقاطع بذلك مع رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" (1969)، إذ يستطيع القارئ أن يجد الكثير من التشابه بين فضائي هاتين الروايتين، وبالذات في مشهد الناس وهم يهرولون راكضين في الشوارع والأزقة باتجاه البحر هربا من الرصاص والموت. لكن العامري أولت تفاصيل مدينتها عناية أكبر وأوسع مما أولاها كنفاني، وبالذات في إبراز مركبات مدينة يافا الاجتماعية التي تجلّت في وصف معالم المدينة وحياة أهلها الذين يعمل بعض أغنيائها في زراعة البرتقال وتصديره، والبعض الآخر في صيد السمك، وبروز طبقة العمال الذين يعملون في ورشات العمل لدى الأغنياء، أو في ورشات عمل صغيرة لانعدام المصانع الكبيرة التي تميز المدن الكبرى بشكل عام، في حين أولى كنفاني الحدث عناية أكبر فبدا فيها المفكر الذي يبني للمستقبل وفق ما تمليه عليه رؤيته الفكرية والفلسفية.

كما يستطيع القارئ أن يتوقف عند تشابه فضاء هذه الرواية "المديني" وفضاء رواية "المصابيح الزرق" (1954) للكاتب السوري حنا مينة التي تعاين مجتمع مدينة اللاذقية إبان الحرب العالمية الثانية، فاللاذقية تحاول التعايش مع واقع سوريا الحديث في صراعها مع المحتل الفرنسي وبداية النهاية، ويافا تحاول التعايش مع الاحتلال البريطاني وبداية النهاية، واحتدام الصراع العربي اليهودي. أما على الصعيد الداخلي فيبرز الفارق الطبقي، في الروايتين، بين الغني والفقير مما ينعكس بوضوح على مساكن الفقراء والأغنياء وحاراتهم، من ناحية وعلى النظرات الفوقية والدونية المتبادلة بينهما من ناحية أخرى.  

لا يستطيع الباحث أن يفصل بين عنصري المكان والزمان إذ يكمل أحدهما الآخر، فمدينة يافا قبل سنة 1948 مدينة تزخر بالحياة من جوانب متعددة وتتّسم بالحركة والانتعاش على أكثر من صعيد. هذا التوصيف لمدينة يافا يأخذ حيزا لا بأس به من النص الروائي يتعرف فيه القارئ على مدينة يافا بأحيائها المتعددة وشوارعها الرئيسية وأزقتها ومعالمها الرئيسية حتى لتكاد ترسخ في ذهن المتلقي، لكن سرعان ما يتغير ويتبدّل هذا التوصيف، بشكل تدريجي، مع مرور الزمن، فتبرز سيطرة الجانب اليهودي على الجانب العربي وتتبدّل الأحوال، حيث يتساوى الفقير الفلسطيني مع الغني الفلسطيني في حالة التشتّت والضياع حين يفقد كلاهما الأرض والمسكن ومصادر الرزق.  فقد طالت أعمال السرقة والنهب المكتبات العامة مثل المكتبة الإسلامية، والمكتبات الخاصة. يقف وراء ذلك ثلاثة أهداف: الإشارة إلى وجود طبقة مثقفين فلسطينيين، والثاني سرقة هذه الثقافة شأنها شأن سرقة الأرض، وبالتالي حرمان الفلسطينيين منها وتحويلهم إلى فئة اجتماعية غير قارئة تجهل ماضيها.

يمكن للمتلقي أن يرى تفاصيل المكان بكل أبعاده وتنوعاته، فيقف عند الأحياء المتعددة وشكل بيوتها ونظامها وعلاقتها الوثيقة بنوعية ساكنيها، فلا يقتصر ذلك على الصورة الخارجية للأمكنة والحواري والأزقة والبيوت بل يتعداها إلى لباس السكان وعاداتهم وتقاليدهم واختلاف الرؤى وفق الحارات وساكنيها.

لقد عني الباحثون بدراسة الفضاء ودوره في حماية البشرية ورصد تطورها، وتحدثوا عن العلاقة الحميمة التي تربط الإنسان بالمكان، فكان من الطبيعي أن تولي الأعمال الأدبية والفنية الفضاء عناية خاصة، ويقيني أن كل الروايات العالمية التي تحدثت عن التهجير قد أعطت للفضاء مواصفات خاصة تفوق تلك التي تحدث عنها المنظرون والباحثون. بدا المكان في الإبداع الفلسطيني جنة مفقودة، ولكن جنتهم هذه لها مواصفاتها الخاصة، فهي الأرض وما عليها من بيوت يسكنها فلاحون آمنون، يعيشون متجاورين متحابين قانعين بالقليل دون الكثير، وهي في بعض الروايات، مثل رواية العامري مدينة نابضة بالحياة وبالتراث وبالحضارة، لكن هذه الجنة طرد منها أهلها دونما ذنب اقترفوه، ودون أن يرتكب آدم الفلسطيني أي جرم أو خطيئة، ولم يأكل من شجرة المعرفة ولم يقضم ولو قطعة صغيرة من التفاحة.    

بنت العامري الرواية على العديد من الثنائيات المتناقضة، وكان فضاء الرواية أحد أهم هذه الثنائيات؛ ما كانت عليه يافا قبل النكبة وما صارت عليه بعدها. فلم تتوقف عند الجغرافيا وطوبوغرافيا المكان بل تعدّته إلى من يسكن فوق هذه الجغرافيا وتصوير ما كان عليه من قبل ومن بعد. من هنا نرى إلى أهمية الوصف الدقيق لتفاصيل الحياة في يافا، وعمق خسارة المكان بكل مركباته الشكلية ومعانيه الرمزية والنفسية.

 

// بين الحقيقة والخيال

تشير الروائية قبل الدخول في عملية سرد الأحداث إلى أن هذه الرواية مبنية على مقابلات أجرتها سنة 2018 مع بطلي الرواية: "صبحي" (88 عاما) الذي يسكن في عمان، ومع "شمس" (85 عاما) المقيمة في يافا. ثم تعود مرة أخرى في الفصل الأخير للحديث عن ذاك اللقاء لتسرد بعض ما جاء فيه. فهل ترمي الروائية إلى إخبار المتلقي أن كل ما قرأه هو حقيقي ولا علاقة له بالتخييل؟

من عادة الروائيين أن يعملوا على تغليب الخيال على الواقع، حتى ليعلن البعض في افتتاحيات رواياتهم أنّ أي تشابه بين أحداث الرواية والواقع هو محض صدفة، وأن أي تشابه بين شخصيات الرواية وشخصيات من الواقع هو أيضا محض صدفة. لكن سعاد العامري تنحو منحًى آخر، وكأنها تصر على القول بأن ما يسرد هنا هو حقيقي، وبأن هذا الواقع الذي يسرد على المتلقين أكبر وقعا وتأثيرا من فعل التخييل الذي يعمد إليه الروائيون. مهما يكن من أمر فإن المتلقي يتعامل مع الأحداث وفق قدرة النص على الإقناع، فالطريقة التي نتصور فيها العالم الواقعي لا تختلف عن الطريقة التي نتصور فيها الوقائع الممكنة التي تطرحها عملية التخييل، وفق رؤية أمبرتو إيكو.

إن أحد أهم أهداف العمل التخييلي هو انتزاع القارئ من قيود الواقع والتحرّر منه والعيش في "واقع" يمكن للقارئ أن يحلق معه. تحاول العامري أن تأخذ القارئ من واقعه إلى واقع آخر كل ما فيه "حقيقي"، وكي لا يفلت من هذه الحقائق صوب الخيال فإنها سرعان ما تعيده إلى أماكن وأحداث ذكرتها كتب التاريخ أو سمع مثيلا لها من الكبار في السن. ولكن هل يعني ذلك أنها تكتب توثيقا أو تأريخا؟

لا شك أن العامري، كما يشير تصريحها، قد تأثرت بحقيقة ما حدث بين "صبحي" و"شمس"، وبما حدث لعائلتيهما، وبالتالي بما حدث مع والدها في زيارته بيته في يافا وعدم السماح له بالدخول، وبما حدث لفلسطين كل فلسطين. إن عملية الكتابة حول هذه التجربة الخاصة والعامة هي بلا شك عملية "استشفائية"، وكل كتابة لها دافع استشفائي، منذ غابر الأزمان، كما يقول إيكو، إذ يلجأ الكاتب إلى التفريغ والتحرر من الهموم. ويضيف أن كتابة السردية هروب من العالم الفوضوي نحو العالم المنظم؛ فالكتابة السردية تسعى إلى تنظيم الأفكار وطرحها بطريقة يراها المؤلّف قادرة على تحريك القارئ، وبالتالي تصبح عملية الكتابة عملية إبداعية لأنها آثرت الانزياح عن التاريخية ومالت نحو التخييل.

لقد متحت سعاد العامري أحداث روايتها من الواقع، كما أشارت، وكما بينّا أعلاه، لكن الأحداث الواقعية مبعثرة عبر أمكنة وأزمنة وشخصيات متعددة، وبالتالي ظلت "ميتة" حتى قامت هي بجمعها وتنظيمها وربطها ببعضها البعض موظّفة تقنيّات عدة لإحيائها عبر التخييل. تبدأ الرواية بسرد قصص من حياة أهل يافا اليومية، وفيها سلسلة من الأحداث العادية، ولكنها كانت عبارة عن تمهيد لما سيأتي، إذ يبث الراوي بعض الحكايات هنا وهناك عن الجنود البريطانيين، وعن تعاون الانتداب البريطاني وممثليه مع الجالية اليهودية، ومع القادمين الجدد من اليهود، ويتطرق إلى بعض النقاشات بين المواطنين العرب، فيطّلع القارئ على الخلفية التاريخية والتوترات في العلاقات بين اليهود والعرب، وبين بعض الثوار والبريطانيين، واختلاف وجهات النظر بين "الأحزاب" العربية وطريقة التعامل مع حكم الانتداب البريطاني والاستفادة من تجربة ثورة 1936 والإضراب الطويل وحيثياته. وكي تكسر الروائية رتابة مثل هذا السرد "التاريخي" المباشر، أو شبه المباشر فإنها تعمد إلى الحوارات، خاصة وأن الحوار يفتح المجال لتعدد الأصوات، ويفتح النص على عوالم متعددة تتيح للقارئ ان يتقبّل الواقع الروائي. وبما أن سكان يافا ليسوا من طينة واحدة وفيهم تنوع سكاني متعدد الانتماءات الفكرية والثقافية والطبقية فقد عمدت إلى تنويع الشخصيات وانتماءاتهم فانتقلت إلى المقاهي على اختلاف مستوياتها، حتى وصلت إلى المقاهي الشعبية وما يدور هناك من نوادر وطرف وحكايات عن النوادي الليلية التي تنتشر في مدينة تل أبيب المقامة حديثا لليهود إلى جوار مدينة يافا، حيث يقوم بعض الشباب العرب بزيارة هذه الأماكن للتسلية وإشباع الرغبات الجنسية مع زانيات يهوديات، لكن هذه النوادر والطرف فيها قدر كبير من الجِد يعادل المزاح والهزار. وما الهدف من رواية هذه الطرف والنوادر إلا خلق حالة من المفارقة بين و"عي" الشارع العربي العام وبين ما يدور في العلن وفي الخفاء في الجانب الآخر، والتمهيد لما سيأتي من مصائب وويلات.

إن الموضوع الرئيسي للرواية مثقل بالأسى والحزن والألم وفيه من الأحداث ما يبعث على الإحباط والاكتئاب، فمال السرد قليلا، أحيانا، إلى الهزار والتهكم والدعابة وسرد الطرائف بهدف زرع الابتسامة وتخفيف حدة التعاسة والكآبة.

لا يمكن للروائي أن يلتزم بالحدث كما هو على حقيقته ولا أن يقوم بمحاكاة الواقع فوتوغرافيا حتى في كتابة السيرة الذاتية؛ هناك العملية الانتقائية، والعملية السردية بكل مركباتها الفكرية والفنية، وهنا يكمن دور الروائي الأهم في صياغة الحدث، إن عملية اللقاء ببطلي القصة الحقيقيين لم يحوّل السرد إلى سيرة غيرية، بل إن قصة حبهما هي نواة العمل، مثل كثير من الأعمال الروائية التي تستمد أحداثها من الواقع، ثم يقوم الروائي عبر الراوي/ الرواة بعملية التخييل.

ترى العامري أن ما حدث مع هذين الفتيين أكبر بكثير من مجرد قصة غرامية مؤلمة، بل رأت فيها حكاية شعب بأكمله لم يمارس حقه في الحياة كما يمارسه غيره من شعوب الأرض، وبما أنها كتبت الرواية، بداية، باللغة الإنجليزية فقد كان قارئها الضمني هو ذاك الأجنبي الذي لا يمكن محادثته ومحاورته بنفس اللغة والمفاهيم التي نحاور فيها العربي الفلسطيني الذي يرى بعينيه ويسمع بأذنيه حكايات مثل حكاية صبحي وشمس، أو ما هو أصعب من حكايتهما، لكن هذه القصص والحكايات تطوى وتحفظ في الذاكرة ولا تتحول إلى أعمال فنية تخاطب العالم.

آمنت العامري، برأيي، بأن هذه القصص وهذه الحكايات اليومية لا تقل تأثيرا في الآخر عن الأعمال التخييلية والفنية، على اختلافها، شرط أن نحسن سردها وبناءها وتوجيه خطابها للبعيد والقريب، فكتبت بالإنجليزية وترجمته إلى العربية. وأنا على يقين أن الترجمة التي شاركت فيها بشكل شخصي لم تكن طبق الأصل عن النص الإنجليزي ودليلي على ذلك هو اللغة الحوارية المحكية التي لا يمكن أن تؤدي دورها عند القارئ الإنجليزي، كما تؤدي دورها عند القارئ العربي المولود، بالذات، في بلاد الشام.

العامري مسكونة بالتوثيق، وتدرك مدى أهميته، من خلال عملها في ترميم البيوت العربية الفلسطينية، ومن خلال إقامتها مؤسسة "رواق"، وبالتالي جاء عملها الروائي استمرارا للتوثيق المعماري، لكن معمار الرواية له أصوله وله أدواته، كما للمعمار الحجري والطيني أصوله وأدواته. ومهما تمسكت بالتوثيق وبالواقع فإن عملية التخييل تعمل على خلخلة التاريخ وتنظيم الأحداث وفق مقتضيات بناء النص الروائي.   

 

// خلاصة

يبدو للقارئ وكأن هذه الرواية تتغيا إثبات فكرة أنّ الواقع قد يكون أصعب من الخيال. فقد بُنيت الرواية على أحداث وقعت بالفعل بين عاشقين مراهقين فرّقتهما النكبة وحالت دون تحقيق رغبتيهما بمتابعة مشوار الحب والزواج وبناء عائلة. قامت الروائية بمقابلتهما في أواخر حياتهما، واستمعت إلى تفاصيل حكايتهما فكانت أكثر قسوة من أي تخييل، فحولت هذه الحكاية إلى حكاية شعب تشتّت وحُرم من أهم مقومات الحياة اليومية البسيطة.

يقول البعض إن أحد أهم دوافع الكتابة هو الاستشفاء، وقد حملت العامري عبء التهجير والطرد والتشتّت، وحرمان الناس حتى من رؤية بيوتهم، فكتبت لتكشف هول "الصدمة" التي تعرض لها الشعب الفلسطيني؛ الطرد من البيت طفلا، والحرمان من العودة عجوزا. الكتابة هي انطلاق الفكر الحبيس إلى حيز التنفيذ؛ "أنا أفكر إذن أنا موجود". تبدأ الفكرة من هاجس أو هواجس ترافق صاحبها وتلحّ عليه كي تخرج إلى حيز النور بهدف المشاركة والتعميم. والمشاركة مع الغريب أو القريب ميزة إنسانية خاصة به. من هنا يجب النظر بإسهاب في فضاء الرواية الذي يأخذ حيزا واسعا وهاما من عملية السرد، ما يستوجب إقامة دراسة مسهبة تتناول الفضاء أفقيا وعموديا وتحليله من جوانب سوسيولوجية وسيميائية تكشف الإشارات والدلالات وأهمية الوصف التفصيلي لعالم يافا قبل النكبة وبعدها.

لم تتمكن الروائيّة سعاد العامري من التخلص من سلطة الواقع المر الذي أثقل كاهل الصغير قبل الكبير وأتاحت للراوي أن يتدخل من خلال التعليقات المباشرة، فمسّ ذلك بانسيابية الأحداث، ووسم الرواية بالمونولوجية، رغم أن الرواية مبنية من أول سطر حتى آخر سطر على صراع بين طرفين، أحدهما يدافع عن ذاته وعن كيانه والثاني يطل برأسه من خلال أفعال الطرف الأول وتعليقاته، لكنّ جماليات الوصف التي تم توظيفها بمهارة عالية، والتصوير الدقيق الذي ينافس قدرة الكاميرا السينمائية في التقاط مشاهد بذاتها دون غيرها، في لحظات معينة، ودور الحوار في إخراج السرد من رتابته كي لا يغوص في التوثيق ويغرق فيه، فتح باب التأويل على مصراعيه ووضع حدّا لترهل النص الذي كان يطول أحيانا.

لقد جمعت العامري في روايتها بين التأريخ والتوثيق والتخييل، لكن التأريخ والتوثيق بقيا في الخلف، فيما تقدمت العملية التخييلية إلى الأمام وعلت على السطح لتخاطب القارئ المتلقي وتحرّك عواطفه ومشاعره لمتابعة مصائر شخوص الرواية سواء كان ذلك واقعيا أم خياليا.

 

في الصورة: يافا قبل النكبة 1948، حي المنشيه الذي دمره الصهاينة بالكامل

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب