news
ملحق الجمعة

 كورونا و تعزيز مهارة إدارة الأزمات لدى الأبناء: ما بين الأزمة والفرصة | نادين علي

ما بين الأزمة والفرصة

بين ليلة وضحاها وبحلول جائحة الكورونا، انقلبت الحياة اليومية للكثير من العائلات وأدخلتها في حالة غموض وحيرة كبيرة، وهلع من الفقدان- فقدان الأحبّة، والعمل- والأهم فقدان الوضوح. كأن العالم تعطل وتوقفت العجلة عن الدوران.

فرضت أزمة الكورونا ظروفًا معيشية جديدة وزعزعت النظام المعتاد للعائلة مما أدى إلى عرقلة الروتين اليومي للأهل والأبناء، لتفرض احتكاكًا يوميًا مكثفًا بينهم  في ظل القلق الصحي والاقتصادي. وبالرغم من ذلك إلّا أنّني أرى الأمور بعين عملية، وأفضل التعامل مع هذا الواقع كوضع جديد، يحثّنا كأهل وتربويين على إعادة النظر فيه من أجل التأقلم مع المستجدات- حتى ان لم ترق لنا.

كتب الكثير عن أنّ ظهور الفيروس ساهم في خلق إيجابيات وسلوكيات جديدة لم تكن لتطرأ على حياتنا لولاه. فقد جعلنا نتوقف في خضم حياتنا الاستهلاكية والسريعة لنعيد التفكير في تقسيم وقتنا وأولياتنا. أصبحنا نثمّن ونقدر صحّتنا ونعيد تقسيم مسؤولياتنا لقضاء المزيد من الوقت مع الأسرة. وساهمت فترة الحجر الصحي تحديدًا، برفع الوعي عند الناس خاصة بما يتعلق بأهمية الاعتناء بأنفسهم وصحتهم، واتباع نمط حياة صحي لتعزيز المناعة، وممارسة الرياضة بشكل منتظم. اذ أنه على الأقل في البداية، حول الكثير منا هذه الأزمة إلى فرصة جيدة، وتعامل معها على أنّها "فترة استجمام"  لممارسة هوايات جديدة وأداء بعض المهمات المؤجلة. لكن مع الوقت وفي ظلّ ازدياد الإصابات وعدم وجود حل طبي،  ومع تراكم الفواتير، وجد الاكتئاب والملل والخوف من المستقبل،  طريقهم إلينا.  وهذا أمر طبيعي- أوّلًا لأننا بشر، وقدرة تحمّلنا للضغوطات محدودة وتختلف من شخص لآخر. وثانيًا لأنّنا كأهل لدينا مسؤولية  تجاه أطفالنا ونسعى جاهدين من أجل تأمين حياة كريمة ومريحة وآمنة لهم- وهذا بحد ذاته يشكّل ضغطًا هائلًا على الكثير من الأهل بغض النظر عن الكورونا- فكيف معها؟.

 يجب على الأهل تذكير أنفسهم بشكل دائم، بأن تصرفاتهم وردود أفعالهم تترك الأثرالأكبر لدى صقل توجهات  ومهارات أبنائهم في الكثير من الأمور، ومنها كيفية  مواجهتهم  للتحديات والأزمات في المستقبل.  وهنا أريد مشاركتكم تجربتي، كوالدة لطفلين وكمستشارة تربوية، حول صقل مهارات إدارة الأزمات على خلفية تعامل الأهل مع أزمة الكورونا والنمط الذي تتبناه.

 

النمط العملي مقابل نمط "الجمود"

ان التعامل الأساسي مع كورونا كان منذ البداية ومن قبل معظم الدول والمجتمعات على أنها حالة مؤقتة- أزمة وسوف تمر- اذا اتخذنا خطوات وقائية معينة، وعند توصل العلم إلى لقاح. مع مرور الوقت وعدم التوصل إلى حل نهائي، تحوّل فيروس كورونا- إلى حقيقة شبه ثابتة، ومن أوّل خبر رئيسي يحتل نشرات الأخبار وفي كل اللغات –تحول إلى خبر عادي مثله مثل أي خبر آخر. فجأة قلت المقابلات التلفزيونية مع الباحثين في المختبرات ومع الأطباء وازدادت مع الاقتصاديين والمختصين النفسيين. هذه النقلة الحادة هي إشارة واضحة "ان الأزمة باقية" أو –لا يوجد تاريخ محدد لانتهائها- وما يجب علينا فعله هو الحياة في ظل الكورونا. بلغة مهنية: يتوجب على الأهل اليوم – تبني أسلوب إدارة الأزمات مع الادراك أنّه لا وجود لحل جذري حاليًا.

من خلال عملي كمستشارة تربوية تابعت حالات طلابية عديدة، ولقد لاحظت ان العائلة التي ادركت الوضع وحاولت العيش والتعايش في ظل الظروف الجديدة، اتبعت سلوكيات عملية وأعادت برمجة روتينها اليومي وبنت نظامًا جديدًا يتلاءم مع المستجدات والتغييرات السريعة، استطاعت تعزيز قدرتها على مواجهة الضغوطات اليومية  والتبعيات الناتجة عن الكورونا.  هذه العائلات استطاعت إعادة التوازن بشكل أسرع من خلال خلق حالة من الاستقرار لأفرادها وخصوصًا للأطفال- حتى لو كانت مؤقتة أو حتّى وهمية. أضف إلى أن الأهل الذين تحملوا مسؤولية المواجهة المشتركة – قدموا مثالًا لأبنائهم عن أهمية المشاركة والمساندة والثقة.

أما العائلة التي دخلت في حالة "جمود" ولم تتخذ اجراءات تحولية سريعة لتعيد تنظيم حياتها وتوزيع مسؤولياتها، فقدت روتينها اليومي في ظل احتكاك مكثف بين أفراد العائلة، عمت حالة من الفوضى وفقدان التواصل بين أفراد العائلة الواحدة لتصل في حالات عديدة إلى صدامات مباشرة. وهنا يجب التأكيد على أهمية  طلب المساعدة من الأصدقاء ومشاركة الهموم والتجارب- حتى على مستوى تنظيم الوقت، وطلب المساعدة النفسية  لتفريغ مشاعر الضغط والتحدث عنها.

 

تأسيس سلوك إدارة الأزمات لدى الأبناء

لا شكّ أنّ تصرفات الأهل في ظلّ أزمة الكورونا  لها أبعاد  نفسية على الأبناء في بناء هويتهم الذاتية وشخصيتهم الاجتماعية  في المستقبل. الاحتكاك المكثف مع الأسرة  تجعل الأبناء أكثر قدرة على تقليد الأهل بالتصرفات والسلوكيات، وهذا يسري، أيضًا على  ردات الفعل، المواقف ووجهات النظر.

 العائلات التي أدارت الأزمة بشكل عملي وأحدثت متغيرات على أسلوب حياتها بشكل سريع، أعطت مثالًا حيًّا ايجابيًا لكيفية إدارة الأزمات. فعليًا، قدم الأهل دون تخطيط مسبق – درسًا ثريًا في المهارات الحياتية حول التنظيم، إدارة الوقت، وتحديد الأولويات في مواجهة أي أزمة في المستقبل. هؤلاء الأبناء من المرجح ان يكونوا أقل عرضة للاستسلام أمام الأزمات وأكثر قدرة على إدارتها بشكل شبيه للنمط الذي تبناه الأهل. أمّا النمط المغاير فهو يصقل شخصية مختلفة تمام. شخصية من شأنها أن تتعامل مع كل أزمة على أنّها نهاية العالم. هشة وبحاجة لدعم دائم.
كمستشارة تربوية أود الاشارة إلى أن الحياة ليست وردية، لذا يجب تسليح الأبناء بحزمة من المهارات لتساعدهم على التعامل مع مواقف الحياة المختلفة، ومواجهة التحديات اليومية. وخصوصًا بكلّ ما يتعلق بالمهارات الحياتية التي  تتأثر ليس فقط من التعلم داخل الصفوف في المدارس، انما  تكتسب بالأساس داخل إطار العائلة والبيئة  الاجتماعية.

تتطلب أزمة كورونا وتداعياتها، أيضًا، شرح الموقف للأطفال بشكل حقيقي وموثوق، مع الحفاظ على أسلوب خاص من شأنه تبسيط المعلومات لتتناسب مع أعمارهم واشراكهم فيما يحدث حولهم. وهو ما يساعد على فهمهم للتغييرات ولتعزيز رغبتهم بتحمل المسؤولية مهما كانت صغيرة. يوجد الكثير من الأمثلة – منها مشاهدة نشرات الأخبار سويًا (قسم منها)، مشاركتهم بالتغييرات الاقتصادية وبناء خطة اقتصادية سويًا والنقاش حول الأسعار. اشراك الابناء في التخطيط وطرح الحلول- يتيح لهم التفكير بشكل عملي والأهم- يعزز ثقتهم بنفسهم، العلاقات بين الأفراد، وينمي مهارة إدارة الأزمات لديهم.

وأخيرًا، كلّي ثقة بمحبة الأهل لأبنائهم والسعي لمصلحتهم ، لذلك وددت عبر هذا المقال لفت الانتباه إلى تصرفاتنا كأهل، وخصوصًا في لحظات الضغط، وأهمية  لجم قلقنا وغضبنا قدر المستطاع– لتجنيب أطفالنا اي آثار سلبية من شأنها أن تظهر في المستقبل، وأيضًا، في محاولة لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة- على الصعيد التربوي- وتقديم مثال إيجابي يؤسس لشخصيات قادرة على الاعتناء بنفسها وعلى مواجهة الأزمات بطريقة فعالة وعملية.

مختصة تربية خاصة ومستشارة تربوية

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب