news
ملحق الجمعة

لا شيء جميل آتٍ من شنكال عن قريب| جمال عثاملة

توطئة

بعد أن أطاحت الاحتجاجات الشعبية بالعراق التي اندلعت شرارتها في مستهل تشرين الأوّل 2019 ببغداد المطالبة بالإصلاح السياسي (ما بات يعرف بثورة تشرين) احتجاجًا على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد الإداري والبطالة برئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي وحكومته، برز اسم مصطفى الكاظمي رئيس جهاز المخابرات العراقية مع عدة مرشحين اخرين لتولي حقيبة رئاسة الوزراء. إلى جانب منصبه الأخير في رئاسة جهاز المخابرات عرف عنه أنّه كان معارضًا لنظام صدام حسين وعاش في المنفى لسنوات عدة وعمل صحفيًا وكاتبًا لموقع "المونيتور" الأمريكي قبل أن يعود إلى العراق  بعد الاطاحة بصدام حسين (وأشارت العديد من التقارير انه كان من بين عراقيين اثنين فقط عملوا مع القوات الامريكية بعد دخولها بغداد على مراجعة وترجمة وتبويب ملفات المخابرات العراقية السابقة قبل شحنها مع أرشيفات اخرى إلى الولايات المتحدة)، ولكنه لم يحظ بتوافق الأحزاب السياسية كافة، حيث وجهت له اتهامات من قبل كتاب حزب الله بالتآمر والتسبب بمقتل القيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهند،  وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليمان، اللذان اغتالتهما الولايات المتحدة بالقرب من مطار بغداد في الثالث من كانون الثاني 2020. وفي 9 نيسان 2020، كلفه الرئيس برهم صالح بتشكيل الحكومة بعد اعتذار المكلف السابق عدنان الزرفي. وبتاريخ 7 أيّار 2020 منح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومة الكاظمي، ومن بعدها أدى الكاظمي وحكومته اليمين الدستورية.

إيزيديون

الاتفاق

أعلن المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي أحمد ملا طلال، يوم الجمعة، الموافق 9 من تشرين الأول 2020، أن رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي أبرم اتفاقا "تاريخيًا" مع إقليم كردستان حول قضاء سنجار.

وقال ملا طلال، في تصريحات تناقلتها وسائل الاعلام العراقية بعيد الاتفاق: "رئيس مجلس الوزراء رعى اتفاقا تاريخيًا يعزز سلطة الحكومة الاتحادية في سنجار وفق الدستور، على المستويين الإداري والأمني، وينهي سطوة الجماعات الدخيلة، ويمهد لإعادة إعمار المدينة وعودة أهاليها المنكوبين بالكامل، وبالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان".

ووصف أحمد ملا طلال الاتفاق بـ"التاريخي" الذي "ينهي سطوة الجماعات الدخيلة" بالتنسيق مع إقليم كردستان. وقال إن الحكومة "نجحت بما فشل به الآخرون".

وكان الكاظمي قد شدد في بيانه على حرص الحكومة وجديتها في أن تكون سنجار خالية من الجماعات المسلحة، سواء المحلية منها أو الوافدة من خارج الحدود، مؤكدًا "رفض العراق استخدام اراضيه من قبل جماعات مسلحة للاعتداء على جيرانه سواء الجار التركي أو الجار الإيراني وباقي جيراننا".

اما رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، فقد أصدر بيانًا بشأن ذات الاتفاق قال فيه: "لقد سُعدت بالحديث مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بعد فترة وجيزة من توقيع الاتفاق، وشكرنا فريقي التفاوض لإنجازهما هذا الاتفاق المهم والذي هو بمثابة إشارة إلى ما يمكن لحكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية أن تحققاه سويةً بالاحترام المتبادل والأهداف المشتركة". وأردف: "اتفق الجانبان على إدارة سنجار من النواحي الإدارية والأمنية والخدمية بشكل مشترك، وهو اتفاق سيكون بداية لتنفيذ المادة 140 من الدستور".

بعد الاعلان عن الاتفاق تم نشر وثائق الإطار العام للاتفاق عبر العديد من وسائل الاعلام العراقية، موقعة من ممثل حكومة الإقليم ريبر أحمد وزير الداخلية وممثل الحكومة الاتحادية حميد رشيد فليح وكيل رئيس جهاز الأمن الوطني.

ويتضمن الاتفاق (كما ورد في المصدر) "التطبيع" في سنجار وإعادة النازحين إليها وضبط إدارتها، والعمل على إخراج القوات غير الشرعية منها. ويشمل الاتفاق انها حالة الازدواجية الادارية بين حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية وتعيين قائماقية جديدة ومتفق عليها تسير ادارة القضاء.

كما يتضمن الاتفاق إبعاد التشكيلات المسلحة والمجاميع غير القانونية كافة خارج حدود قضاء سنجار، فيما تتولى مديرية شرطة سنجار وجهاز الأمن الوطني والمخابرات التابعيين للحكومة الاتحادية مسؤولية الأمن داخل القضاء بالتنسيق مع أمن إقليم كردستان.

بالإضافة لذلك إن الاتفاق يقضي بتعيين 1500 شاب أيزيدي من مخيمات النازحين و1000 شاب من قضاء سنجار ضمن القوات الأمنية التي ينوى استحداثها في القضاء.

أين هي سنجار وما هي أهميتها؟

الموقع
يقع قضاء سنجار بمنطقة جبل سنجار -الذي يبلغ ارتفاعه نحو 1400 متر-شمال غرب محافظة نينوى شمالي العراق، ويبعد عن مدينة الموصل بنحو 145 كيلومترًا، وهي منطقة استراتيجية وجبلية وعرة، محاذية للحدود السورية، وتحديدًا محافظة الحسكة. تُعرف بحسب التقسيم الإداري العراقي بقضاء سنجار، وقد كانت موطنًا للإيزيديين والسريانيين المسيحيين منذ القدم، ويحتوي الاقليم على العديد من القرى والبلدات وأكبرها مدينة سنجار.

 يعود أصل اسم سنجار للتسمية الكردية "شنكال"، وهي مركبة من كلمتين "شنك" أي الجميل، و"آل" التي تعني "الجهة"، أي الجهة الجميلة. لكن بعض الروايات ترجع أصل التسمية لقصة سفينة نوح والطوفان، وتشير القصة إلى أن السفينة عندما مرت بالمنطقة اصطدمت في الجبل، فقيل "هذا سن جبل جار علينا"، ومنها جاءت تسمية الجبل "سنجار"، أو "شنكال" كما تسمى بالكردية والايزيدية عراقية.

 بلغ عدد سكان سنجار 88 ألفًا بحسب إحصاء سكاني أجري عام 2013، من أبناء الطائفة الإيزيدية وعرب (سنة وشيعة)، وتركمان، ومسيحيين سريان، كما تتواجد على جبل سنجار قرى صغيرة، معظم سكانها من الإيزيديين.

وعن الأهمية الاستراتيجية لقضاء سنجار وحقيقة الصراع بين القوى المختلفة فيها، أشار الباحث في الشأن الإيزيدي خلدون سالم النيساني لتقرير نشر في صحيفة ـ"الشرق الأوسط"، إن "سنجار مثار اهتمام محلي وإقليمي ودولي، بل إن إسرائيل ذاتها مهتمة بها، ولا تسمح بسيطرة قوى معادية عليها، ذلك أن الصواريخ الـ39 التي أطلقها صدام حسين عليها عام 1991 انطلقت من على قمة جبل سنجار".

ويضيف النيساني: "الأكراد يولونها أهمية استثنائية أيضًا، نظرً لأن سنجار جزء من حدود كردستان الكبرى الجنوبية، وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة الاتحادية التي تعتبرها جزءًا من بلادها، هذا فضلاً عن بقية الدول الإقليمية في هذه المنطقة" (تركيا وإيران). ويؤكد النيساني أن "سنجار هي المنطقة الوحيدة التي لم تسيطر عليها القوات الحكومية بشكل كامل، كما أن فيها إدارتين؛ القديمة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، والجديدة المرتبطة بـ (حزب العمال الكردستاني)، بجانب تأسيس الحكومة الاتحادية لمجلس حكماء سنجار".

وليس من وليد الصدفة ان المتحدث باسم حكومة اقليم كردستان العراق ووزير داخليتها زجا بالمادة 140 من الدستور العراقي (التي تعنى بالمناطق المتنازع عليها بين الحكومة الفدرالية وبين حكومة اقليم كردستان) لتبرير حماسهما للاتفاق لما فيه من دغدغة لطموحات ساسة الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن يقف خلفهم لضم المزيد من الأراضي العراقية التي تخضع تحت سيطرة الحكومة الاتحادية ونقلها إلى سيطرة حكومة الاقليم. منذ ان بدأت الحرب الايرانية العراقية تلفظ انفاسها الاخيرة إلى الآن لم تتوقف مشاريع الهندسة السكانية والديموغرافية في العراق، بل انها بعد اسقاط نظام صدام حسين البعثي ازدادت حدة وضراوة وانضم اليها لاعبون خارجيون أهمهم الأتراك والإيرانيون، في حين ان الاخيرين ساهموا بكل مشاريع التطهير المذهبي للعديد من أحياء بغداد والأقاليم الجنوبية بالعراق فان الأتراك مهتمون بتتريك أكثر ما يمكن من مناطق الأقاليم الشمالية وخاصة في كركوك ونينوى، تارة بحجة حماية الأقلية التركمانية في تلك المناطق وتارة بحجة رعاية مصالح العرب السنة، وخلف هذا وذاك تستتر أطماع اثنيهما باستلاب ما أمكن من ثروات العراق لصالحهما.

إضافة إلى ما ذُكر، تتصارع على سنجار مجموعة قوى ممثلة بقوات الحكومة الاتحادية وقوات "الحشد الشعبي" و"قوات حماية سنجار" المرتبطة بـ "حزب العمال الكردستاني"، إضافة إلى وجود "قوات حماية سنجار" المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني و"قوات يزيد خان" التي يقودها حيدر ششو. وقد أشاعت اسرائيل في السنوات الأخيرة أن إيران تسعى إلى السيطرة على سنجار القريبة من الحدود السورية لإيصال الإمدادات العسكرية إلى القوات الحكومية في سوريا، والوصول من خلالها إلى شواطئ المتوسط في إطار بسط نفوذها في المنطقة ضمن مخطط اصطلح على تسميته بالهلال الشيعي او الإيراني أو الفارسي. ونجحت اسرائيل في العام الماضي من خلال ضغطها ثني الرئيس الأمريكي ترامب عن قراره سحب القوات الأمريكية من سوريا "خوفا من ان يترك الانسحاب الامريكي فراغا تملاه قوى مناوئة لإسرائيل ومصالحها بشمال غرب العراق وشرق سوريا". " اتفاق سنجار الأخير سيزيد من تعقيد الواقع وعسكرة الحياة العامة والخاصة لأهل سنجار ومحيطها عبر إضافة قوة جديدة قوامها 2500 عنصر، ان أسهم ذلك بشيء فحتمًا هو زيادة عدم الاستقرار وفرص التصادم والاقتتال بين عديد الجهات المتناحرة والمدججة بالسلاح التي أصبحت سنجار تعج بها، هذا آخر ما تحتاج اليه سنجار" كما نوه الخبير عبد العزيز الجربا المختص بفض النزاعات والسلم الأهلي.

اجتياح ومذابح وتشريد

ولوج سنجار إلى وعي معظمنا جاء بعد أن باتت من العناوين الرئيسية لوكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية بعد تعرضها لهجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الرابع من أغسطس/آب 2014.

اجتاحت قوات داعش في تلك الفترة مناطق واسعة من سوريا والعراق واتخذت من الموصل عاصمة لدولة الخلافة التي أعلنتها. انتشار قوات داعش في العراق وخاصة بالأقاليم الشمالية والغربية لم يلقَ مقاومة كافية من القوات الحكومية والتي كانت تخر صاغرة في كل منطقة تقدمت نحوها قوات داعش الموشحة بالسواد من فوق سيارات تويوتا ذات الدفع الرباعي.

بعد هيمنتهم على الموصل وذيوع صيت أخبار جرائمهم والفظائع التي خلفوها في كل مكان وطأتها أقدامهم، بدأوا بالتمدد إلى شمال الموصل في كل الجهات من محافظة نينوى ذات التاريخ العريق وموطن أقدم وأعرق الحضارات في بلاد الهلال الخصيب. على الرغم من اندثار العديد من تلك الحضارات الا أن الشواهد والآثار على وجودها حاضرة وخاصة في المتاحف الأوروبية فلا يخلو متحف "مرموق" من قطع نهبت وسرقت وهربت تدل على عظمة تلك الحضارات ومدى تطورها فنًا وعلمًا وعمارة. أمّا تأثيرها الأكبر كان ولا زال على الديانات التي هيمنت على المنطقة لاحقًا، وتبنت اليهودية والمسيحية والاسلام من بعدهم العديد من الروايات الدينية التي وردت عند هؤلاء الأسلاف مثل رواية الخليقة، وطرد الإنسان الأوّل من الجنة أو قصص الرسل والانبياء والتقويم السنوي الزراعي والاعياد المرتبطة به على سبيل المثال لا الحصر، وهي مهد -أبو الأنبياء-ابراهيم قبل ان يشرب من بئر السبع وقبل ان صار خليلًا لله في فلسطين.

التنوع الحضاري والثقافي والعرقي والديني في نينوى هو كنز انساني حي، برقعة واحدة يعيش على مدار مئات السنين أحفاد الحضارات التي ذكرت في كتب تاريخ الهلال الخصيب جنبًا إلى جنب، يتناقلون ارثهم الثقافي من جيل إلى آخر، ورغم كل التحديات والقوى التي مرّت على العراق إلّا ان إرثهم لم يندثر. بإيجاز، قليلة هي الاماكن بالعالم التي تجمع مثل هذا التنوع الثقافي والإنساني في بقعة بمساحة محافظة نينوى، والأولى بالجهات التي تعنى وترصد المليارات للحفاظ على مبانٍ قديمة باسم التراث العالمي وتحوّلها والمواقع التي تحيطها (بعد تسييجها) إلى معلم مع بوابات وحراس يفتحونها أمام أصحاب التذاكر من نوع الدفع المسبق وسيّاح يحجون إليها من كل فج عميق متلهفين لالتقاط صورة في كاميراتهم اليابانية أو الألمانية لعامود أو قبة أو هرم قال لهم المرشد السياحي ان قدم ذاك الملك أو البطل أو النبي قد وطأتها، مؤكدًا لهم انهم ان لامسوها أو حدقوا بها بالزاوية الصحيحة لربما اعادوا احياء ذات المشهد الذي سبقهم اليه عظيمهم، فيغدقوا مما أتاحت به نفوسهم دولارات على دليلهم كرمًا وعرفانًا للقشعريرة التي تسربت إلى اجسادهم مرادفة لأيقونية المشهد الذي أتاح لهم أن يجسدوه بلحظة نشوة صوفية عاشوها. أما نينوى وأهلها وحضارتهم وثقافتهم وارثهم الحاضر فيهم لا يعني منظمات الارث الانساني والحضاري شيئا فمعظمها ترى بساكنيها عائقًا وعبئًا أمام تكشيف المعابد والقصور والأرصفة القديمة التي تعيش تحتهم.

بحسب تقديرات عدة يقارب عدد الايزيدين النصف مليون موزعون ما بين اقليم نينوى ودهوك، اما منطقة سنجار وجبله فهم بمثابة البيت الأكبر للإيزيدين في العراق والذين يتبعون واحدة من أقدم الديانات المتعددة والمنتشرة في نينوى ومحيطها ومعبدهم "مزار شيخ شمس الذي بني قبل 742 عاما" على قمته ثاني أهم مقام دينيًا عندهم. عاش الايزيديين لعقود خلت آمنين، مسالمين، بسطاء، فقراء في قرى معظم بيوتها من طين ولم يثوروا على حاكم ولا والٍ لإهماله أوضاعهم ولا لاستثنائهم من اللحاق بركب الحضارات المتقدمة. عاشوا دهرًا امنين على حياتهم واعراضهم دون التعرض لأحد، ضارعين خاشعين في معابد بسيطة وزاهدة. إلى أن وصلت فلول داعش ساعتين بعد انتصاف ليل الثالث من شهر آب 2014 ملفّعة بسود ملابسها ورايتها إلى سنجار، ولم تتوقف عن البطش بسكان المنطقة وبخاصة من الايزيديين إلى ان ارتووا دمًا، مستهدفين نسائهم وفتياتهم سبيا، لربما انتقامًا من سبي نبوخذ-نصر الشاميين من أهل القدس واخذهم إلى نينوى؟ لا تفسير آخر يصح ان يقال عن دوافع فئة مؤمنة تحفظ الكتاب غيبًا وتقيم الحد وتأتمر بالشرع، لا يعقل أن يكونوا لاهثين وراء فجور وشهوات وغرائز بدائية وان استبسالهم لم يتعدى الانقضاض على فريسة سهلة؟

في اب 2014هرب من استطاع من الايزيديين نحو دهوك بكردستان العراق وبمساعدة بعض أبناء القبائل العربية من المنطقة وبخاصة من بني ربيعة الذين توفرت الحماية اللازمة على الطرق التي سلكوها الايزيديين، وأبعدوا داعش ومنعوهم من اللحاق بهم إلى أن وصلوا بر الأمان في دهوك، ومن لم يتمكن، تسلق إلى أعالي جبل سنجار متحصنًا بمعابدهم لتذود عنهم مع ما تيسر بيد ابنائها من أسلحة خفيفة لصد هجوم أشباه هولاكو كما فعلت أختها  لمحدثتي نزارد ميرزا وزوجها وأطفالها قائلة "كانت ساعات كالجحيم  انطلقت عائله أختي بسيارتهم متجهين نحو أعالي الجبل ومن خلفهم قطعان داعش تلاحقهم ومن شدة خوفهم ووعورة الطريق وتعرجاتها وسرعتهم فقدوا السيطرة على السيارة وانزلقت بهم إلى وادٍ صخري فأصيب أطفالها الاثنين بإصابات بالغة وكسر ظهرها أما الزوج فإصابته كانت طفيفة". صمد من وصل إلى قمة الجبل إلى ما بعد الظهر حتى بدأت تصلهم النجدة وخاصة من قبل القوات الكردية من وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني التي فكّت حصارهم وطردت قوات داعش من محيط جبل سنجار وبلداته الدامية واخرجتهم نحوي سوريا في اكسودوس ايازيدي أنقذ من تبقى منهم، ليتبدى للعراقيين ولاحقًا للعالم اجمع هول ما حل بالايزيديين. واضافت نازرد ان أطفال أختها فارقوا الحياة لأنهم لم يجدوا من يسعفهم، اما "ظهر أختها المكسور للآن والندوب في وجه زوجها لا شيء أمام حسراتهم على أطفالهم وعجزهم الذي يتجرعوه مع طلوع كل فجر."

وفي العام 2017 نشرت مجلة PLOS Medicine نتائج استبيان منزلي تم بأثر رجعي رجح ان اعداد ضحايا داعش من الايزيدين بسنجار زاد عن 10 آلاف شخص بين قتيل ومخطوف، ومصير أكثر من 3 آلاف امرأة مخطوفة لم يعرف للآن، وبين حين إلى آخر تترامى إلى مسامع الأهل أو من نجى من ابناء سنجار انباءً عن مخطوفة يمكنهم "شراؤها" كما قالت لي نازارد ليتمكنوا من تحريرها.  وبين فينة وأخرى يكشف النقاب عن مقبرة جماعية مسجية بها جثث قذفت على عجل إلى حفرة ردمت على عجل دون علامة ولا شاهد عما تخفي تحت التراب الذي غطاها.

أما الصحفي والمدرب خ.د قال: "اهل سنجار سمعوا كلامًا ووعودًا كاذبة من سياسيين عراقيين ومسؤولين وخبراء دوليين عن إعادة الإعمار والبناء والاستثمار والتطوير والرخاء للبنية التحتية والمساكن والمرافق الصحية والتعليمية والتشغيلية تفوق عدد ضحاياهم الذين قتلتهم داعش. وجاء الاتفاق الأخير ليصب الزيت فوق النار، فلا ذكر لإعادة الإعمار ولا تنويه حول انفاذ القانون والعدالة والقصاص بمن أجرم بحقهم ولا حتى أضعف الإيمان تكفل الحكومة بملف العدالة الانتقالية والتوثيق للجرائم والفظائع أو حتى رعاية الناجيات وأهاليهن مثلا، ولا رصد لميزانيات لتحرير من يمكن تحريرها من المختطفات. وبدل ذلك يطالب الاتفاق اعادة النازحين واللاجئين من ايزيديين وخاصة من أبناء الخيام بالعودة إلى بلداتهم المهدمة؟"

ما بين النزوح والعودة

في حين ان نازارد وعائلتها عادوا إلى بلدتهم في قضاء سنجار عام 2017 دون أي مساعدة تذكر من قبل الحكومة وأعادوا بناء بيتهم المتواضع ودون الحاجة إلى الاتفاق الجديد، الا ان صعوبة الظروف المعيشية بعد عودتهم لم تتحسن كما أكد على كلامها لؤي عمرالعائد وعائلته الى قرية بورك/اليرموك بعد عام واحد على تشريدهم "لم يتبدل شيء إلى الاحسن للآن"، نازارد خسرت اخاها بعد أن صعقته الكهرباء في عمله، وبُعد المستشفيات والمختصين عن القضاء لم يتِح اي فرصة للتحايل على روح أخيها وابقائها في جسده. "لا فرص عمل ولا تطوير ولا خدمات"، و"أكثر الخيارات المتاحة أمام الشباب الايزيدي الذي عاد إلى سنجار هي الانضمام إلى احدى القوى العسكرية المتعددة المتموضعة فوق أرضهم وتتقاذف بأهواء شبابهم كل بحسب أهدافها ومصالحها ومرجعياتها وبخاصة تلك التي تتبع الحشد الشعبي او ال PKK  والامن الوطني العراقي والبشميركة وغيرهم من القوى الايزيدية الرديفة واضعة في كثير من الاحيان العديد من الشباب الايزيديين على طرفي نقيض في صراعات ليس لهم فيها ناقة ولا بعير" وفي بعض الاحيان يتوزع اخوة من عائلة واحدة بين القوى الامنية المختلفة المنتشرة بينهم والتي لا تتورع عن استخدامهم في صراعات سيطراتها" كما نوه لؤي.

أما الشاب الصحفي والناشط الشبابي عادل مروان فهو يفضل البقاء بمخيم "خانكي" والواقع في تخوم مدينة دهوك شمال كردستان العراق والذي لجأت إليه أسرته بعد نزوحهم من بلدة "سنوني" في العام  2014 معللا ذلك "أوّلا ان الاتفاق باطل كون الأطراف الموقعة عليه لا توجد عندها سلطة حقيقية على أرض المنطقة (في اشارة إلى الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم)، واعادة البيشمركة (القوة التابعة لحكومة اقليم كردستان) إلى القضاء بعد ان أخرجتها الحكومة الاتحادية عام 2017 لن يسهل الأمور، ومن البديهي انهم سيجندون المزيد من الايزيديين المؤيدين للحزب الكردستاني الديمقراطي للخدمة ضمن قواتهم بالقضاء على غرار ما فعلوا بمناطق أخرى دون ان تعود اي فائدة تذكر على الايزيديين، وليزجوا بهم بالحرب التي ينوون شنها من أجل إخراج قوات الـ PKK (حزب العمال الكردستاني) دون احداث مواجهة كردية – كردية مباشرة". من جهة أخرى أشار عادل "ان البرلمان العراقي أعلن عن سنجار منطقة منكوبة وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات منذ الاعلان للآن لم تتقدم الخطوات الفعلية لإعادة الإعمار مترًا واحدًا"، وأردف "للأسف فإن السياسيين الايزيديين الممثلين بالبرلمان لا يمثلون مصالح الايزيديين ولا يعبرون عن احتياجاتهم، وهمهم ارضاء الاحزاب التي يرتبطون بها على مستوى البرلمان العراقي أو برلمان اقليم كردستان العراق".

يذكر أنه بالانتخابات العراقية الأخيرة وبعد تحفظ دام لعدة أسابيع على صناديق الاقتراع التي اعتمدت بمناطق نزوح الايزيديين تم إلغاء أصوات الناخبين والذين تراوح نسبتهم ما بين ال 60%-70%من مجمل المقترعين الايزيديين بحجة التزوير مما حد من عدد ممثلي الايزيديين الناجحين وأسقط المرشحين المستقلين وغير المرتبطين بأحزاب السلطة في الاقليم وفي البرلمان الاتحادي.

عادل أضاف: "ان أوضاع الشباب من بين العائدين تعيسة جدًّا ونسب الانتحار بينهم تتفاقم، لا فرص عمل ولا تعليم وفقر مدقع". ناشطة ايزيدية أخرى أكدت على أقوال عادل منوهة "انا نفسي احتجت وتوجهت إلى العلاج النفسي للتغلب على الاكتئاب الذي أشعر به، لولا العلاج الذي وفر من خلال منظمة دولية لا أعرف ماذا عساي ان أكون الآن-وبفضل العلاج والمساعدة التي تلقيت أنا بصدد اتمام سنتي الرابعة من دراسة الحقوق بجامعة الموصل وأنوي بعد التخرج فتح مكتبي الخاص أو العمل مع منظمة تعنى بحقوق الإنسان كون عدد المحاميات من أصل ايزيدي لا يتعدى أصابع اليد الواحدة". أما بخصوص التسويغات التي ساقتها الحكومة والمتعلقة بوقف أعمال التهريب فقال عادل: "انها ضرب من الخيال، التهريب كان وسيستمر، إذا بزمن صدام حسين الذي كان الكل يخشاه، ورغم احترام الايزيديين له الا ان التهريب عبر الحدود بين العراق وسوريا في المناطق القريبة من سنجار لم يتوقف، رغم جبروته وسطوته التي لا تقارن مع اي ممن تعاقب من بعده على رئاسة العراق". أما عن أحلامهم فعادل "يتمنى ان يطور عمله في مجال الاعلام والتصوير وان ينتقل لعيش لائق خارج المخيم في مكان متطور نسبيًا ولكن ليس في سنجار أقله ليس على المدى المنظور"، اما نازدار "تتمنى السفر للخارج" وعن سؤالي عمّا إذا سافرت إلى مكان آخر خارج العراق سابقًا، قالت نعم ثم ضحكت "سافرت إلى الخارج مرة واحدة، الى سوريا عند نزوحنا، رغم أني لم ازر بغداد للآن".

ايزيدي 24

ردود الافعال على الاتفاق 

بعد الإعلان عن الاتفاق توالت ردود الافعال من الداخل والخارج ومنقسمة بين مؤيد ومعارض.

المؤيدون

على المستوى الرسمي المحلي قوبل الاتفاق بترحيب من قبل رئيس الحكومة العراقية الكاظمي وائتلافه السياسي وكذلك بترحيب كردي كما عبر عنه رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور البارزاني قائلًا إن الاتفاق "المهم" جاء نتيجة أشهر من العمل الجاد والمفاوضات بين المسؤولين في بغداد وأربيل، وهو اتفاق "سيكون بداية لتنفيذ المادة 140 من الدستور".

أما على المستوى الدولي، أعربت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة جينين بلاسخارت عن سعادتها للتوصل إلى هذا الاتفاق. وقالت انه "يوم تاريخي لسنجار بعد المجازر التي عاشها أبناؤها على يد عصابات داعش، والمصاعب التي عانوا منها بعد طرد داعش". وقالت "انها بداية حقيقية لعودة النازحين إلى مناطقهم، وإن الامم المتحدة مستعدة لدعم الاستقرار في هذه المنطقة".

بدورها هنأت الولايات المتحدة الامريكية في بيان "الحكومة العراقية وحكومة اقليم كوردستان على التوصل إلى اتفاق تعاون مشترك في سنجار." وذكرت السفارة "نحن نتطلع إلى تنفيذه بالكامل ونأمل أن يؤدي هذا الاتفاق إلى أمن واستقرار دائم للشعب العراقي في شمال العراق". كذلك أعربت فرنسا عن ترحيبها ودعمها للاتفاق.

أمّا السفير التركي في العراق، فاتح يلدز، فقد أكد أن تركيا ترحب باتفاقية "سنجار" الموقعة بين الحكومة المركزية العراقية وإدارة إقليم شمالي العراق، مشيرًا إلى أن تركيا مستعدة للتعاون لتحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب في قضاء سنجار. وأردف: "نأمل أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ بشكل يضمن استعادة السلطات العراقية سلطتها في سنجار، والقضاء على تنظيم (داعش) وتنظيم (PKK) الإرهابي وامتداداته، وعودة الايزيديين وأبناء المنطقة الذين تعرضوا للاضطهاد والقمع الشديدين من قبل تنظيم (داعش) أولا وتنظيم (PKK) الإرهابي لاحقًا إلى أوطانهم بأمان". وتابع يلدز: "بهذه المناسبة، نؤكد من جديد استعدادنا للتعاون مع السلطات العراقية من أجل تحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب في بلدة سنجار وأجزاء أخرى من العراق حيث يتواجد التنظيم الإرهابي".

كما رحّبت وزارة الخارجية الأردنية في أول تعليق عربي على الاتفاق بين بغداد وأربيل مؤكدة دعمها للحكومة العراقية في حماية أمن العراق

مصر بدورها أعربت عبر حساب وزارة خارجيتها على الفيس بوك ترحيبها بالاتفاق "تعرب مصر عن دعمها لما تتخذه الحكومة العراقية من اجراءات تهدف إلى مكافحة التطرف والارهاب وتحقيق الامن والاستقرار في ربوع العراق وصون سيادته وما يلبي تطلعات الشعب العراقي الشقيق في الاستقرار والتنمية والازدهار"، لسان حال البيان.

مفاعيل وتداعيات الاتفاقية على الشأن الداخلي والقوى السياسية العراقية المتباينة بين المؤيدة والمعارضة لا زالت مستمرة. عدى عن ائتلاف الكاظمي والقوى الكردية والايزيديين وأحزاب الأقليات الأخرى المرتبطة بهما، فإن القوى المقربة من تركيا من تركمان وقوى سنية من محافظات شمال العراق أعلنت تأييدها للاتفاق كما أوردت سابقًا. عارضت الاتفاق القوى المقربة من إيران والايزيديين المستقلين والقوى الممثلة للعشائر العربية في قضاء سنجار والطامحين لاستبدال الكاظمي بعد الانتخابات القادمة والقريبة. وتواردت وسائل الاعلام العراقية ردود الافعال على الاتفاق بين الاطراف السياسية العراقية أورد أدناه أهم ما جاء فيها.

معارضة

 

الحشد الشعبي: يأتي توقيع الاتفاق وسط مخاوف من أن يصطدم برفض فصائل ’الحشد الشعبي’ المسيطرة على المنطقة، لما يشكله من تهديد لنفوذها ومصالحها المتشعبة والموازية لمصالح الدولة على جميع الاصعدة معززة برغبات وضغوط محلية واقليمية ودولية تريد التخلص من ذلك الجور والنفوذ للحشد الشعبي بحكم علاقاته القوية وارتباطاته مع الحرس الثوري الإيراني، ملخصها ان الحشد الشعبي هو أداة لإيران تسعى من خلاله السيطرة على البقعة الجغرافية الواصلة بين ايران وسوريا من أرض العراق لإنشاء ما اصطلح على تسميته بالهلال الشيعي الذي تروج له جهات عدة وخاصة.

من جهته وصف الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي الاتفاق الأخير بين بغداد وأربيل بأنه "مجاملة سياسية ومكافأة انتخابية على حساب الايزيديين الذين يُراد أن تستمر معاناتهم بهذا الاتفاق، الذي يتضمن "إخراج الحشد الشعبي الذي حرر سنجار"، داعيًا كُل القوى الوطنية لإبداء رأيها في هذا الموضوع وعدم المجاملة فيه وإلى ضرورة أن يكون هُناك موقف يتناسب مع أهمية وخطورة هذا الاتفاق".

تثير حساسية الحشد الشعبي من الاتفاق الكثير من التساؤلات بصرف النظر عن كلمة "تطبيع" وصلاحية إقليم كردستان في قضاء سنجار. كما عبّر النائب عن التحالف الفتح حنين قدو عن رفضه رفضًا قاطعًا انتشار البيشمركة خارج حدود إقليم كردستان، والمحددة مسؤوليتها بالدستور، مؤكدًا أن "الخضوع للإملاءات السياسية سيودي بالعراق إلى الهاوية".

أما البيت الأيزيدي في جبل سنجار فقد أصدر بيانًا رافضًا للاتفاقية الموقعة بين الحكومة الاتحادية والسلطات الكردية حول "عودة البيشمركة إلى سهل نينوى" على عكس القوى الايزيدية المرتبطة باحزاب السلطة التي ايدت الاتفاق، قال فيه إن "هناك مخططًا سياسيًا خطيرًا يستهدف القضاء على الوجود القومي الأيزيدي وإنهائها من الخارطة البشرية والاجتماعية". وناشد البيت هيئة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية والتدخل الفوري والسريع لإنقاذ ما تبقى من الايزيديين العراقيين من الانقراض".

كما اعتبر النائب السابق عن قضاء سنجار أمين فرحان الاتفاق الأخير "باطلًا" كون الايزيدين ليس لهم الرأي الأول والأخير فيه، كما أكد عدم وجود أية سياقات دستورية ومن ضمنها المادة 140 والتي لا تشير إلى أن سنجار تعد منطقة متنازعًا عليها ما بين المركز والإقليم".

العرب خارج المعادلة

 أما النائب عن نينوى أحمد الجربا فعبّر عن استغرابه من عدم إشراك المكون العربي بواسطة نوابه في اتفاق سنجار، حيث أن "نسبة العرب في القضاء لا تقل عن 45%"، وأكد الجربا رفض العرب "رفضًا قاطعًا عودة البيشمركة أو الحشد بمختلف تصنيفاته، واختصار مسك الأرض في قضاء سنجار على الجيش العراقي وعلى القوات الأمنية الاتحادية الأخرى حصرًا".

النائب العربي الآخر عبد الرحيم الشمري أكد عدم علمهم بالصفقة التي تمت بين الحكومة والحزب الديمقراطي الكردستاني وهي "غير مقبولة بالنسبة لنا". ويضيف الشمري: "نعتقد أن رئيس الحكومة الأسبق حيدر العبادي قضى على شيء اسمه المناطق المتنازع عليها والكاظمي يحاول إعادة هذا المصطلح البائس".

فيما طالب نواب عن المحافظات السنية بتطبيق هذا الاتفاق على مناطق أخرى تعرض أهلها للتهجير ولا زالوا غير قادرين على العودة اليها كجرف الصخر (شمالي بابل) وغيرها.

احزاب الاخرى المعارضة

 وفي هذا السياق، قال داود شيخ جندي، عضو مجلس محافظة نينوى عن سنجار، في تصريح خاص لـ"الشرق الأوسط"، إن "قضاء سنجار يدار فعليًا من قبل إدارة متطوعة من (الحشد الشعبي) منذ 2017، بعد انسحاب إدارة سنجار المنتخبة إلى دهوك"، مبينًا أن "هذا الاتفاق يأتي بعد ضغوطات من قبل الأمم المتحدة والفاعلين الدوليين على الطرفين لوضع حل لأزمة إدارة سنجار، وإعادة الاستقرار للمنطقة، للدفع بعودة النازحين، وبدء عملية الإعمار". وأشار إلى أن "هذا الاتفاق سيكون له تداعيات سلبية أكثر من الإيجابيات، ما لم يتم إشراك الأطراف الموجودة على الأرض كافة في عملية تشكيل الإدارة، واختيار المسؤولين فيها".

بدورها، قالت الجبهة التركمانية العراقية في بيان أصدرته في 10 تشرين الأول/اكتوبر إن "قضاء سنجار تابع لمحافظة نينوى ولا علاقة للاتفاق بالمادة 140 أو بالمستقبل الإداري للقضاء". وتحدث البيان عن خمس نقاط من بينها ضرورة بقاء الملف الأمني والإداري بيد الحكومة الاتحادية وإخراج حزب العمال الكردستاني من سنجار.

ويشير الأمين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق جاسم محمد جعفر إلى وجود غموض ببعض النقاط، و"ما يهمنا إعلان الاتفاقية بكل شفافية كي لا يكون عرفًا او سنة عدم الإعلان عن الاتفاقيات".

ويستغرب جعفر من بيان البارزاني الذي "ذكر كلمة التطبيع ومادة 140 وهما قضيتان خطيرتان خاصة وأن التطبيع كلمة أطلقت خصيصًا بين العرب والكيان الصهيوني وأصبحت كلمة سياسية لهذا الغرض"، وهي "ترسل رسالتين سلبيتين أولهما نحن دولة وأنتم دولة واختلافنا على سنجار، اذن علينا أن نطبع الوضع فيما بيننا كما بين إسرائيل والعرب، وثانيهما معناها عليكم التعود على كلمة التطبيع لأن التطبيع مع اسرائيل قادم يا شعب العراق".

تفريط في السيادة                              

وفي نفس السياق، أدان الحزب الطليعي الاشتراكي الناصري بالعراق تلك الاتفاقية ووصفها بـ"المذلة" وأنها فرطت في سيادة العراق وسلطت المليشيات من جديد لارتكاب كل أنواع الجرائم الدولية.

وقال الحزب العراقي في بيانه إن "الحكومة العراقية ارتكبت خطأ إستراتيجي بقبول إتفاقية سنجار المذلة، التي فرطت من خلالها بسيادة العراق واستقلاله وهيبة دولته، والحق الوطني الحصري للجيش العراقي بالانتشار وبسط السلطة والسيطرة على كامل الأرض العراقية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وقبلت أن تكون شريكة مع الميليشيات في تسليط الهيمنة والقمع على المواطنين في هذه المناطق، التي عانت الويلات منذ 2003 وحتى قرار السيد العبادي بتحرير هذه المناطق ونشر الجيش العراقي في كركوك وسنجار وباقي المناطق التي تمّ التجاوز عليها خلال مرحلتي الاحتلال الأمريكي وداعش الإرهابي".

وأضاف البيان "أن ميليشيات سنجار اتهمت بإرتكاب كل أنواع الجرائم الدولية ضد العرب في سنجار ومحيطها التي لا تختلف عن جرائم داعش الإرهابية، من التطهير العرقي والإبادة والإرهاب والإغتصاب والخطف والقتل على الهوية، حيث بقيت هذه الجرائم مسكوت عنها داخليا وخارجيا، لحساب تسليط الضوء على الجرائم المدانة وطنيا ودوليا وإنسانيا، التي إرتكبها داعش الإرهابي ضد المواطنين العراقيين اليزيديين العاديين، والتي لم تصل هذه الجرائم إلى أكثر من 1% مما ارتكبه هذا التشكيل العصابي الإرهابي المتوحش ضد العرب والعراقيين عموما في محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك والأنبار وديالى وعموم العراق". 

وطالب الحزب "الحكومة العراقية بالتراجع عن هذا الموقف الذي سيذكره التاريخ بأنها من أكثر الحكومات المتعاقبة تفريطا بسيادة العراق واستقلاله ووحدة أراضيه".

اما الحزب الشيوعي العراقي والا حد ما بتوافق مع الحزب الشيوعي باقليم كردستان العراق، اشاروا الى انه لايمكن اعتبار هذه الاتفاقية تطبيعا شاملا متسما بطابع الديمومة في هذه المنطقة، وبالتالي لا يمكن اعتبار الاتفاقية بديلا عن المادة 140 من الدستور ويجب ان تكون الأولوية في كل الخطوات للعودة الطوعية لنازحي سنجار والذين قضوا أكثر من ست سنوات في مخيمات الإقليم. واضافوا ان هذه العودة تتطلب توفير المستلزمات الضرورية بما يضمن أمن عودة النازحين وحمايتهم، وتقديم المساعدات المالية اللازمة لعودتهم وإمكانية توفير السكن اللائق بهم.

كما نوه الحزب الى ضرورة توفير الشفافية والفرص العادلة لكل الايزيديين عند اختيار العدد المطلوب في التشكيلة العسكرية الموجودة في الاتفاقية لتولي مهمة حفظ الأمن داخل المدينة وتوابعه والتعاون والتنسيق وأخذ رأي السكان المحليين عند التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم في مسألة اختيار المهام الإدارية ومنها القائمقامية وغيرها من المناصب الوظيفية في تساؤل واضح عن قدرة الاتفاق وضع حد الى ازدواجية الادارات وإبعاد التدخلات الحزبية في في مسألة تطبيع الوضع؟ وطالب الحزب الشيوعي عدم استخدام الورقة الايزيدية كأداة في الصراعات الحزبية سواء داخل الايزيديين وتشكيلاتهم الحزبية او مع المكونات الأخرى وضرورة انشاء صندوق لإعادة إعمار سنجار بمشاركة الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان والجهات الدولية الداعمة وبمشاركة المنظمات التابعة للأمم المتحدة. وبالأخير اضاف الشيوعي اهمية التأكيد على تحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة العادلة لكل المجرمين الذين اقترفوا وشاركوا مع داعش في جرائم الابادة الجماعية ضد الايزيديين.

الخبير عبد العزيز الجربا أشار إلى أن "الاتفاق فشل في الأخذ برأي أكبر فئتين من مكونات قضاء سنجار، فبالإضافة إلى تغييب الإرادة الايزيدية المستقلة فإن الاتفاق تجاهل صوت العرب من أبناء القضاء الذين يشكلون نحو 40%-45% من السكان ولم يستشرهم أحد"، كما اضاف الجربا ان "الاتفاق الحالي جاء ليخدم مصالح الكاظمي الانتخابية وفريقه حديثي العهد بالسياسة، فلا الاتفاق شفاف ولا حضور للجانب المدني فيه".

 

اما بعد

وهنا وجب التنويه ان حكومة الكاظمي هي حكومة انتقالية وتهدف بالأساس الإعداد إلى انتخابات جديدة كما نوه رئيس الوزراء الكاظمي نفسه بلقائه مع رؤساء الكتل البرلمانية يوم 13 تشرين أول، متلافيًا مساءلته العلنية التي كان يزمع البرلمان عقد جلسة خاصة لأجلها. ويذكر أن الكاظمي عرض على رؤساء الكتل بذات اللقاء حجم العجز بالميزانية العامة وتراجع ايرادات النفط وعدم قدرة الحكومة دفع رواتب موظفي القطاع العام للشهور الأربعة القادمة، وان المخرج الوحيد هو المزيد من الاقتراض! الذي يعني اثقال كاهل العراقيين بدين خارجي اضافي. وبالفعل حصل الكاظمي على وعد ضمني من قادة الكتل النيابية بتمرير قانون الاقتراض، لتغطية العجز في موازنة الدولة، حسبما ذكرت المصادر التي أوردت الخبر في الاعلام العراقي.

يذكر أني بمقالتي في الأسبوع الماضي عن الحرب الارمنية الاذرية بكراباخ تناولت التحالفات التي جمعها كل قطب والتي خلطت أوراق الأطراف السياسية المختلفة بالشرق الأوسط وإعادة ترتيبها بصورة أقرب إلى خارطة المصالح الحقيقية التي تعني كل طرف، وأزاحت الغمامة التي تحجب نظر البعض وأتاحت لهم رؤيتها من زاوية المصالح بعيدا عن تكرار دعاية التصارع بين القطب الشيعي والسني على النفوذ كأصل الشرور وحده. وها هو اتفاق آخر وكأنه يعنى بشأن داخلي عراقي لإقليم نائي يوضح صورة الالتباس أو التغرير من وراء الترويج الساذج، ان التنافر الأساس للأقطاب في الشرق الاوسط على أساس مذهبي بحت، فها هي أمريكا صاحبة الأمر والنهي التي تدعم وحدات حماية الشعب الكردية والمرتبطة بحزب العمال الكردستاني والذي اتاحت له القوات الامريكية للانتقال من سوريا لمحاربة داعش بسنجار بكل حرية، تدعم الآن موقف الائتلاف الحاكم الشيعي بالعراق من أجل طرد حزب العمال الكردستاني من سنجار إرضاء إلى تركيا السنية.

 وفي حين ان مصر تقف إلى جانب كل من يناهض النفوذ التركي بالشرق الأوسط وتتقرب من كل اعدائها ها هي تدعم حق الحكومة العراقية "محاربة الإرهاب" والمقصود به بالدرجة الأولى حزب العمال الكردستاني، العدو اللدود لتركيا بحسب المتحمسين للاتفاق، فيما يقول البعض ان فرنسا الداعمة للاتفاق، فإنها كمصر موقفها من الاتفاق يضعها إلى يمين تركيا التي تبغض. بعض العارفين يراقبون بتوجس تفتح شهية ماكرون فرنسا الابن المدلل لأباطرة المال من احفاد روتشيلد على استنساخ تجربة بلير بدور المقاول الثانوي لتنفيذ الاجندة الامريكية/الاسرائيلية في الشرق الاوسط طبعا دون ان تفوته الجدوى الاقتصادية والاموال التي ممكن ان تغدق عليه من "بيوت مال المسلمين" بعد اقصائه من منصبه (كما يستدل من الاستطلاعات بالسنة الاخيرة يبدو انه اقرب الى خسارة موقعه بالانتخابات الفرنسية القادمة) كما فعل بلير او كشرودر الالماني وكيل الغاز الروسي بأوروبا  ويخشون ما يخشون من ان تدفع فرنسا ارضاء الى الاجندة الامريكية/الإسرائيلية ضعضعة الهدوء الهش بالعراق عبر خطوات تدفع نحو سلخ مزيدا من اقاليم العراق وخصخصتها كسحب تجربة اتفاق سنجار نحو مناطق اخرى بنينوى او باسم حماية الاقلية المسيحية مثلا حيث لها وللولايات المتحدة اذرع ممتدة  هناك عبر القوات اللبنانية التي تتمدد بين القوى السياسية المسيحية حديثة العهد والغير ملتزمة للأجندة الوطنية العراقية  وتعزز بينها التأييد للأجندة الانعزالية والانسلاخ عن محيطهم العربي بحجة كونهم من أصول كلدانية وسريانية/اشورية على مذهب الفينيقية القواتية!! وكما حاولت القوات اللبنانية استلاب ثورة تشرين فان الكاظمي وحلفائه الاساسيين يعكفون على سلب ثورة تشرين العراقية نارها وترجمتها اصواتا لهم بالانتخابات العراقية القادمة

 فأي عبث بالسياسة هذا الذي نحياه؟  

ايزيدي 24

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب