news
ملحق الجمعة

ليس السؤال هل؟ بل متى؟| يوسف فرح

هـــيـــه! سبحان مغيّر الأحوال والذي لا يحمد على مكروه سواه!

دنيا!

فمن كان يصدّق ان واحدة من أغنى بقاع المعمورة وفيها أقدس المقدسات الدينية الأسلامية، تصل الى هذا الحضيض المالي؟! اكبر دولة مصدّرة للنفط في العالم، ثاني صاحبة اكبر احتياطي من هذه المادة في الكون، وتكاد تعلن افلاسها! فتهرع الى البنك الدولي لاقتراض (60) مليار دولار (قد يكون هذا المبلغ جزءًا يسيرًا مما أنفقه حكام هذا القطر العربي، على "بطولاتهم" في سوريا واليمن والعراق تخريبًا وتدميرًا).

هذه الدولة ذات الثروة الفاحشة كفحش أصحابها، تقف على الأعتاب المالية الغربية متسولة تقريبًا، بعد ما كانت "تلعب (بالبرميل) لعب"!

لهذا الصعود الى أسفل اسبابه. منها الإنفاق بغير حساب، "ومن كيس (شعبك) يا مذري ذري"! خلق الاصدقاء الغربيون للمملكة عدوًا بديلًا لمن كانت تعتبره غاصب الارض وقاتل الانبياء ومحتل شعب من شعوب هذه الآمة، هذا في وضح النهار، ثم تعتذر عنه عندما "يظب الرمس" ويخلو العشاق الأمراء بحبيبتهم المدللة في المنطقة! العدو الجديد الخطير هو ايران.

اضطرت المملكة إزاء هذا الوضع الى عقد صفقات العتاد والسلاح، تكدسه في مخازنها حتى يصدأ، فتعقد صفقات أخرى بملايير الدولارات (بلسان المغاربة). فهل ترامب اولى بهذه المليارات من الجوعى والمرضى والجهلة الذين يملأون دنيا العرب، ويتسارع تكاثرهم بشكل مخيف!!

وهل السيدة الأمريكية الأولى أحق من نساء اليمن، او من نساء سوريا اللاتي تحول بعضهن - مضطرات للقمة العيش- الى بائعات هوى على ارصفة المدن! فكيف حصلت تلك السيدة الأمريكية من سيد السعودية على هدية مالية، طرطوشة صغيرة، مليون دولار فقط، تتعوز بها وتقضي بعض احتياجاتها!!

ومن اسباب هذا الصعود السعودي الى الهاوية ايضًا، ما جرى في سوريا. لقد اعتبر أقزام المملكة وأقزام الخليج او علوجه، سوريا صيدًا سهلًا. " فتكاونوا" (تصارعوا) كما قال وزير خليجي، على الفريسة حتى تقطعت انفاسهم، وبقيت القلاع والحصون وعرائن الأسود، عصية على شياطين الساسة الغربيين وأنذال الحكام العرب، ذوي الشوارب واللحى (وكلها مجرد شعر بلا شعور) والعباءات الموشحة بالذهب والخزي والعار، وتبخرت مليارات اخرى في سماء الغوطة وبردى وميسلون وبلودان والجولان وغيرها. وراحت الفئران القادمة من كل جحور العالم ومواخيره، (وبعد عقد من الزمن) راحت تتراكض مذعورة، تبحث عن جحور جديدة، شرط ان تكون عربية كليبيًا مثلًا! وراح المتكالبون على ما ظنوه فريسة، يهرولون بحثًا عمن ينقذهم هم من شر هزيمتهم وخيبتهم! وبدل البحث عن أسباب هذا الوضع، كما يفعل صاحب دكان صغير، لجأ حكام السعودية الى إغراق الأسواق العالمية بنفطهم، حتى صار سعر البرميل لا يشتري علكة لصغير! فأي "عاقل" يحرق امواله غير نيرون!

ولكن، اذا كانت التعليمات تأتي من أهبل غربي، والمنفذ عاهل عربي أشد هبلًا، فقد اتخذت هذه الخطوة "الشمشونية" السعودية، نكاية بروسيا وفنزويلا وأيران و... قطر!

ماذا جاء في أمثالنا العربية الفلاحية عمن "يجاقر" (يكايد) طيـ...ألا يفعلها في سرواله؟! فاحت الرائحة الكريهة، ففطن الأهبل الأمريكي أن خطوة زيادة الانتاج وانخفاض الاسعار تضر بوقوده الصخري فأمر بوقفها، بعد فوات الاوان. لكن الأهبل العربي لم يدرك فداحتها وتداعياتها على وضع بلاده.

الدول الاخرى لديها صناعة وزراعة وثروات اخرى تعينها (مع كرامتها) على العيش ولو تقتيرًا، فماذا لدى السعودية غير النفط وأموال الحجاج، فاذا نضب الأول وأحجم الاخرون عن اداء الشعائر الدينية، احدقت المجاعة بالشعب السعودي. الامراء يدبرون أنفسهم بما سرقوه من اموال شعبهم ويلجأون الى الغرب!

الجميع يعرفون انه حتى المناديل والمسابح والحطات والعُقُل التي يحملها حجاجنا معهم هدايا لنا، مستوردة من تايلند وتايوان والصين وغيرها! فهل اعتماد المملكة على الحواسيب والتكنولوجيا عندها!! فمن يدري والحالة كهذه، لعله يأتي يوم، يقوم فيه السعوديون باستيراد وقود سياراتهم الفارهة من الصين وروسيا وايران، اذا لم يضطروا الى بيعها "بتراب المصاري"، بعد ان يكونوا قد باعوا كرامتهم وشروش حيائهم المفقود اصلًا!

تساءلت في بداية المقال: من كان يصدّق أن يصل الوضع الاقتصادي في المملكة الى ما وصل اليه؟ وها انذا اسأل: كيف لم يصل من زمان؟! بل وأتساءل: مَن مِنَ الاجيال القادمة (او حتى الجيل القادم الواحد) سوف يصدّق انه هنا كانت دولة مزدهرة، وهو يرى الابراج المقفرة والقصور المهجورة وأطلال العمارات والابار المدمرة، والارض المحروقة المتفحمة ككروم زيتون كانت خضراء يانعة قبل ان يشعل النار بها حقد مستوطن محتل!

ان مصير مثل هذه الدول التي اصطنعها الأجنبي ونصب عليها هذا النوع من الحكام، كما فعلت بريطانيا وفرنسا بأقطارنا العربية، فصاروا (الحكام) يعتبرون البلاد ملكهم الخاص، المصير هو السقوط الى الهاوية وبئس المصير.

فكما محمد بن سلمان اليوم، وغيره من اشكاله كان سابقوهم! في كتابه "فلسطين من القدس الى ميونيخ"، الذي كانت مطالعتي له أثناء محبوسيتي الكورونيّة الكريمة، يعطينا محمد داود القائد الثوري المقدسي نموذجًا جيدًا لهؤلاء الحكام.

فهذا الثائر الفلسطيني اوصله اللجوء الى السعودية معلمًا في مدارسها، ثم وصل الى القصر الملكي، بحيث أوكلت له مهمة تدريس حوالي (500) امير (الله يبارك ويزيد) هم سكان القصر، بمن فيهم (52) ولدًا هم ابناء الملك سعود! ولا ادري لماذا حدد هذا العاهل نسله ولم يخلّف اكثر.

يقول ابو داود: كان هذا الملك (المتواضع جدًا: هاي مني) يرمي المال من النافذة (نافذة سور القصر الرخامي) لكي يلتقطه بعض رعاياه المارّين من تحت النافذة!

ويضيف الكاتب: "فعندما يخرج (الملك) من قصره، كان يحرص دائمًا على ان ينقل معه في سيارة الكاديلاك، أكياسًا من الذهب والفضة. وما ان يخرج من القصر، حتى يمد ذراعه خارج السيارة ويروح يرمي منها قبضات، فيضحك مثل الصغار (حنيّن ومذوِق.ي.ف) عندما يرى الأولاد يرمون بأنفسهم فوق الغبار الذي أثاره مرور السيارة المسرعة " ص73.

يبدو ان فاعل هذه "المكرمة" لم يأبه اذا كان الغبار يتستر على ضحايا فعلته، والصبية يتصارعون على قطعة معدن كصراعهم على لقمة خبز.

وحتى يومنا هذا ما زال حكام السعودية يقدمون أنفسهم "خدام الحرمين" والناطقين باسم الأمتين العربية والأسلامية وحماتهما، غير متوقعين سؤالًا من فلسطيني مشرّد وليكن ا باداود ذاته: يسأل: ونحن؟ ألسنا عربًا ومسلمين وأصحاب اولى القبلتين!

وأصارحكم انني لا استبعد ان ياتي يوم يقرر فيه معظم المليارد ونصف المليارد مسلم الشرفاء المؤيدون للقضية الفلسطينية، في مسعى لمجابهة صفقة القرن الرامية الى شطب القضية، الاحجام عن اداء فريضة الحج كما فرضته عليهم الجائحة الكورونية، فيتزامن جفاف أموال الحج مع نضوب آبار النفط، فيصفي حكام هذه المدينة على الحديد، وهم يستحقون هذا العقاب بجدارة.

وعندها يتراكض اولاد الامراء خلف السيارات لالتقاط ما يجود به سائقوها من فتات! الا يملأ اطفال وطفلات فلسطين دوارات شوارعنا يتسولون، بعد أن ساهم الحكام العرب في خلق مأساتهم واستمرارها الى هذا اليوم!! ليذقها المتسببون وابناؤهم!

في "تحليله" لوضع السعودية الكارثي، عزا وزير ماليتها السبب الى فيروس الكورونا! مسكين (الوزير والفيروس) لقد بت أشفق على الاخير حتى لو عشّش فيّ. لقد حوله السخفاء الى متهم دائم وجاهز لتحمل كل موبقة وانحراف وهبل!

وأضاف سيادة الوزير الفهمان: "ان اقتصاد المملكة بات على شفا هاوية"!

صحيح وانا شخصيًا لا استبعد بل اتمنى ان يكون السقوط قريبًا حتى تعود الى الشعب ثروته ومقدراته وسيادته، فقد عانى من حكامه اكثر مما عاناه من الكورونا!

ولعل رمضان القادم في السنة القادمة يكون هو الموعد.

وكل عام وانتم احرار!

الصورة: سوق الثلاثاء الشعبي في مدينة أبها، منطقة عسير في السعودية (شينخوا)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب