news
ملحق الجمعة

ماذا تعني الحصانة؟ وبماذا تميز عضو البرلمان عن غيره 

حاز مصطلح "حصانة عضو البرلمان" على حصّة كبيرة من التداول دون غيره من المصطلحات الاخرى التي تتردد في الآونة الأخيرة. ممّا يدفعنا حتمًا للعودة إلى مفهومه الأساسيّ وطرح أسئلة كثيرة لمعالجته مثل: ماذا تعني الحصانة؟ وبماذا تميّز عضو البرلمان عن غيره؟ هل تعني الهروب من المسؤولية؟ أو أنّ هناك ضوابط واضحة تفرق بين حريّة النائب في ممارسة أعماله النيابية، واعماله الشخصية، وأنه مسؤول في النهاية امام القانون؟

 

التعريف الاصطلاحي للحصانة البرلمانية يعني أنها نوع من الحماية القانونية التي يعطيها الدستور لنواب الشّعب في البرلمان، كنوع من الحماية السياسية والقانونية، حتّى يستطيع النائب، أن يؤديَ وظيفته الدستورية كسلطة تشريعية بعيدًا عن تأثير السلطة التنفيذية، على أعضاء البرلمان بالترغيب والترهيب. 

 

إنّ الحدث المؤسس لفكرة حق الحصانة لأعضاء البرلمان يعود إلى القرن الرابع عشر، حين نجح البرلمان حينها في أن يجبر الملك "ريتشارد الثاني" على التّراجع عن قرار الإعدام لعضو برلمان بتهمة الخيانة، لعلّة تقديمه مذكرة اقتراح قانون ضد الملك. وقد تقرر الحق في الحصانة لأول مرة في إنجلترا سنة 1688 في أعقاب إقرار الوثيقة الدستورية المعروفة باسم قانون الحقوق. ونصّت هذه الوثيقة بأن حريّة التعبير، المناقشة، والاجراءات داخل البرلمان لا يمكن أن تكون سببًا للملاحقة القضائية، أو أي ملاحقة في محاكم أخرى، وذلك لحماية النواب من سلطة الملك، وليس حمايتهم من مواطنيهم حيث استثنت الحصانة القضايا الشخصية. 

 

لقد شكل نجاح البرلمان هذا، حجر الأساس لضرورة توفير حصانة لأعضاء البرلمان بغية حمايتهم من تعسف وتنكيل السلطة التنفيذية. 

 

أمّا عن الدول الديمقراطية فهي تطبق نموذجين من الحصانة البرلمانية. النموذج الأوّل "ويستمنستر" (الانجليزي) والذي يمنح عضو البرلمان حصانة موضوعية، مشروطة بعدم محاكمته، أو تحميله أية مسؤولية جنائية أو حقوقية، لكل فعل أو قول يرتبط بعضويته، مثل التصويت، التعبير عن آرائه ومواقفه. بينما تنحصر الحصانة التداولية على سبيل المثال، بعدم توقيف او اعتقال عضو برلمان، إلا إذا ضبط بما معناه و"الدم على يديه". ولا يتمتع العضو بحصانة من الملاحقة الجنائية على مخالفات لا صلة لها بالعمل البرلماني. ولقد انطلق هذا التوجه من تطبيق مبدأ المساواة امام القانون. 

 

أمّا عن النموذج الثاني الفرنسي والذي كانت بدايته عام 1789، فهو يوفر حصانة موضوعية، وايضًا حصانة تداولية واسعة، والتي تحمي عضو البرلمان من المحاكمة في مواضيع لا صلة لها بعضويته، الا إذا قرر أعضاء البرلمان رفعها بالاغلبية او ببنود محددة في قانون الحصانة. 

 

وبالنسبة للديموقراطيات المستقرة فهي تتموضع بالأساس في قالب النموذج الاول، وذلك بهدف تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون. أما النموذج الثاني فنجده مطبّقا الْيَوْمَ، بشكل خاص في دول ديموقراطيتها غير مستقرة. وبالطبع هناك تبريرات لتطبيق هذا النموذج دون الآخر، من بينها حماية عضو البرلمان من استغلال السلطة التنفيذية، صلاحياتها، وقوتها الواسعة الممكنة بالافتراء عَلى العضو لعرقلة قيامه بمهامه. أو للتخوف الملموس بأن تمس الحكومة، عن طريق الجهاز القضائي، بأعضاء برلمان من المعارضة. ومثال على ذلك توجه الرئيس التركي أردوغان الى البرلمان في أعقاب الانقلاب الأخير عليه، لنزع حصانة مائة عضو بتهمة دعم الانقلاب. 

 

ولكن من يعارض هذا النموذج، يعتمد على إمكانية نجاح شخصية متورطة في مخالفات جنائية، بأن تصبح عضوًا في البرلمان، لتحميها الحصانة التداولية من المحاكمة. فتصبح الدولة والبرلمان ملاذًا لمخالفي القانون. ومثال على ذلك هرب بلاتو شارون الى اسرائيل على الرّغم من أنّه كان مطلوبًا للعدالة في فرنسا، بل وفاز بالعضوية في الكنيست. مثال آخر هو اسكوبار زعيم مافيا المخدرات الكولومبي، الذي نجح بأن يصبح عضو برلمان، فطوّقت الحصانة التداولية كليهما وحمتهما من المقاضاة. 

 

أمّا عن إسرائيل فقد تبنّت ولفترة طويلة النموذج الثاني للحصانة من منطلق حماية أعضاء كنيست وخاصة، من صفوف الأقلية القومية أو من المعارضة، تخوفا، بان تعتدي السلطة التنفيذية في مجتمع متصدع، على حقوق عضو كنيست بسبب آرائه ومواقفه. 

 

تعايشت إسرائيل لفترة مع هذا النموذج، اذ قامت الكنيست بالمصادقة على غالبية طلبات المستشار القضائي للحكومة لرفع الحصانة التداولية لمقاضاة أعضاء متهمين بمخالفات جنائية.  ولكن إساءة التمتع بحصانة تداولية، مع تورط مجموعة من أعضاء كنيست في مخالفات جنائية، وإمكانية استغلالهم هذه الحصانة لحمايتهم من المقاضاة، دفع الكنيست لتشكيل لجنة لتعاين وتبحث هذا الموضوع ممّا أفضى إلى توصية هذه اللجنة، في أن تنقل التقرير في الحصانة التداولية الى لجنة عامة يقوم بتعيينها رئيس الكنيست، منعًا للالتباس أو كما يقول المثل "حامليها حراميها". والغاية من ذلك هو تقليل إمكانيات "تسييس" التقرير في هذا الموضوع تفاديًا لمنع إمكانيات استغلال أعضاء كنيست الحصانة التداولية، للتملص من محاكمتهم بتهم جنائية ولاستحضار تقرير موضوعي وشفّاف. 

 

واجه هذا الاقتراح معارضة من أعضاء كنيست، بادعاء ان هذه الخطوة ستسلب من المُشرِّع فرصة الحماية، وان هذه الخطوة، ستمس بوظيفة ومكانة الكنيست كسلطة تمنح الحصانة وترفعها. لذا يجب بقاء الكنيست الهيئة الوحيدة التي تمنح الحصانة وتسحبها. 

 

ولقد أدّى رفض لجنة الكنيست إلى المصادقة على طلب المستشار القضائي للحكومة لرفع الحصانة التداولية عن عضوي الكنيست "بلومنتال "٫و"غورولوفسكي" (جناية التصويت المزدوج)، وقد رافق هذا القرار انتقادات واسعة من الجمهور ومختصين في القضاء. فقدمت في حينه الهيئة للمحافظة على جودة الحكم (عام 2005) التماسًا الى محكمة العدل العليا، لفحص قانونية قرار اللجنة في قضية "غورولوفسكي"، وقد قبلت المحكمة الالتماس، وأمرت لجنة الكنيست التقرير من جديد في قرارها، واشترطت ان يكون البحث والتقرير محصورين في الموقف والدافع السياسي فقط. 

 

قرّرت الكنيست في أعقاب هذه التطورات، إجراء تعديل سريع في البند "33" من قانون الحصانة، أقرت فيه أنّ الحصانة التداولية لا تحمي من المحاكمة، حيث يتوجب على العضو المتهم بعد تقديم المستشار القضائي للحكومة لرئيس الكنيست نسخة من لائحة الاتهام، أن يقرر خلال شهر من تقديمها التوجه بطلب الى رئيس الكنيست كي يمنحه البرلمان المحافظة على حصانته، وإذا انتهت مدة الشهر المحدد في القانون ولَم يتقدم بهذا الطلب، يفقد الحق في عدم مقاضاته. اما اذَا قدم هذا الطلب، في الفترة المنصوص عليها في القانون، فيحوله رئيس الكنيست الى لجنة الكنيست للتداول والتصويت عليه، فإذا قامت الأغلبية ببسط التأييد، ينقل الى الهيئة العامة للكنيست لتصوت عليه بشكل سري (كان التصويت سابقًا علنيًا، لمنع التخوف من إمكانية "حكّلي بحكّلك")، وإذا دعمت الأغلبية من الأعضاء بقائه ومنحه حصانته التداولية، فلا يجوز مقاضاته الا بعد انتهاء عضويته في البرلمان. 

 

ومن التعديلات التي تمّت في البند "33" من قانون الحصانة كان تحديد النقاط التي يحق للجنة الكنيست التداول واتخاذ القرار بموجبها، منها: هل المخالفة تقع في حدود الحصانة الموضوعية؟ وهل نبع قرار المقاضاة من سوء نية (حياكة مكيدة)، او من تمييز مرفوض؟ 

 

ينطوي هذان الشرطان على اشكالية وتفخيخ، لامتناع عضو كنيست تقديم طلبا بمنحه بطاقة احتفاظ على حصانته التداولية، لأنه يدرك مسبقًا رفض طلبه في لجنة الكنيست، وذلك لانتمائه لأقلية قومية أو أنّ السلطة تترصده لحدة مواقفه منها. وهذا ما حصل مع النائب محمد بركة، حين امتنع عن طلب الحصانة في أعقاب توجيه لائحة اتهام له بإهانة شرطي ومحاكمته لأنه توقع رفض طلبه. وعليه، فقد نتج عن هذه البنود مسّ في موضوع الاستجابة لطلب الحصانة التداولية، لمجموعة الأقلية القومية والسياسية. وعليه فإنّ تشريع الكنيست هذه البنود وسع صلاحياتها، ووفر لها، إمكانية، اتخاذها قرارات غير معقولة في موضوع مصادقتها على طلب عضو الكنيست منحه الحصانة التداولية. 

 

أمّا عن رئيس الحكومة فهو يدّعي بعد اقرار المستشار القضائي للحكومة بتقديمه للمحاكمة، أنّ طلبه من رئيس الكنيست منحه الحصانة لا يتناقض مع المفهوم التاريخي لمبدأ فصل السلطات. إن قراره هذا أوّلًا، ينفي تصريحًا سابقًا له قال فيه، انه "إذا قرر المستشار القضائي للحكومة تقديمي للمحاكمة، فلن أطلب الحصانة". اما بالنسبة للادعاء في موضوع عدم تضارب هذا الطلب مع مبدأ فصل السلطات، فبرأيي يكون ذلك مشروعًا لو كان منوطًا في الحصانة الموضوعية. لكن المقلق هو كيف يسمح لنفسه في هذه النقطة بالذّات بأن يجمع بين حصانة جوهرية وحصانة تداولية فيما يرتبط مع تهم موجهة له، ولا صلة لها مع أفعاله ومواقفه كعضو كنيست، ممّا يعني أنّ لا أساس للزعم بان بحث وتقرير الكنيست موضوع حصانته التداولية، يتضارب مع مبدأ فصل السلطات، لان الكنيست في هذه الحالة ستلبس قبعتي تشريع وقضاء في آن واحد. 


 

يشكل طلب رئيس حكومة، منحه الحصانة من المحاكمة، مسًّا جليًّا بمبدأ فصل السلطات، وعدم تطبيق مبدأ سيادة القانون وتجميد المداولات والقرارات القضائية في قضايا لوائح الاتهام المقدمة ضدّه، والغاء اجهزة الكبح والتوازن في الديموقراطيةً. لا سيّما أنّ هذا المطلب يتنافى مع كل معايير ومقاييس النزاهة والعدالة والاستقامة. ومن أبعاده أيضًا، تبخيس وظيفة الحصانة التداولية من ناحية، وتدني مكانة الكنيست في الحيّز العام من ناحية أخرى، لأن طلب منحها سيحولها إلى أداة لنجاح أعضاء برلمان، وبشكل خاص من احزاب الائتلاف الّتي تتغنّى بأغلبية برلمانية للتهرب من وجه العدالة. ان هذه التوجهات والتبريرات والممارسات هي "شعبوية" تتنكّر لاستقرار النظام والمجتمع، وتنذر بتحولات سلبية خطيرة. ومن المحتمل أن ينجم عن ذلك تفاقم وتمادي الأغلبية باتخاذ قرارات تعسفية، -وقد حذر مونتسكيه حينما قال أن النفس البشرية تنزع الى الاستبداد اذا استأثرت بالسلطة، وستتمادى في استعمالها، حتّى تجد قوة توقفها عند حدها -تحت شعارإنّ الشعب هو مصدر السيادة، وقرار الأغلبية يعكس رغبة الشعب. 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب