news
ملحق الجمعة

*قراءة في كتاب "في الخوف من الحياة، حياة: قصص من عالم التنويم المغناطيسي"*

["هيا! انهضي أيتها الفكرة الرائعة المنبثقة من أعماق ذاتي. لقد كنتُ لك فجراً وأعلنت انجلاءك، كالديك الصائح. افتحي أذنيك واسمعي، لأنني أريد أن تطلقي صوتك أنت" (فريدريك نيتشه - "هكذا تكلم زرادشت")]

إنه لمن دواعي غبطتي وسروري أن أستجيب لرغبة صديقي الدكتور علي بدارنة في الكتابة عن كتابه الجديد الذي يحمل عنواناً أثار فضولي لقراءته والكتابة عنه، إذ اختار له عنواناً هو الكلمةً اليونانية الأصلية "الهيبنوزا"، المرادفة لـ "التنويم المغناطيسي" بلغتنا الجميلة؛ يتناول فيه موضوع الساعة في عصرنا الحاضر: الصحة النفسية، التي لا تعني الخلو من المرض وإنما تعني القدرة على تحدي المرض وتجاوزه ومواجهة ضغوط الحياة النفسية ومصاعبها. وما أثار إعجابي هو الكتابة عن هذا الموضوع العلمي الجاف بمهنيةٍ عاليةٍ وبكثير من دقة الملاحظة وبأسلوب أدبي شيق ورشيق فيه من السلاسة ما يتيح للقارئ العادي الإبحار في عالم الهيبنوزا بدون تهيّب. فقد تدخل كلٌ من عقل الكاتب وقلبه في الصياغات لتتنافس فيها صورة الأديب المتمكن مع العالِم العارف.

وقد استطاع من خلال تعريفنا بهذه الطريقة العلاجية أن يرسم لنا لوحة متقنة بألوانها وظلالها وتفاصيلها الدقيقة عن عالم الهيبنوزا؛ هذه الطريقة التي تستطيع في بعض الأحيان معالجة ما يعجز الطب التقليدي عن معالجته. يقول الدكتور علي إنه رأى نفسه من خلال متعالجيه وإنه اختار سبعة منهم، من بين آلاف عالجهم على مدى ثلاثة عقود، ليكونوا أبطال الحكاية. 

يأخذنا في البداية في جولة، مثيرة بتفاصيلها وبوصف شاعري، في شوارع موسكو إلى حيث كلية علم النفس وولوجه عالم التنويم المغناطيسي للمة الأولى. يضعنا في أجواء هذه الطريقة العلاجية القصيرة، بفضل تفاعلها مع اللاوعي مباشرةً. إنها طريقه مركّبة، لكن يمكنها أن تؤدي إلى تغيرات سلوكية وعاطفية وذهنية، مما يؤدي بالتالي إلى تحسين جودة الحياة لدى المُتعالج.  في الكتاب شرحٌ لكثير من مصطلحات عالم الهيبنوزا من الحثّ على الدخول في الهيبنوزا إلى الإيحاءات بشكليها السلطوي والمتسامح، إلى مصطلح "الغشية"، وهي حالة الاتصال بالعقل اللاواعي؛ وهذه محطة أساسية تشكل المدخل الضروري من أجل بث رسائل علاجية إيجابية المضمون. أما "الاستعارة"، فهو المصطلح الذي يعبر به المريض عن حالته بلغة سريالية خاصة به؛ وقد استخدمه الدكتور علي بمهنية عالية ونجاح، كمدخل ونقطة انطلاق في برنامجه العلاجي، متمثلاً بقول الشاعر: "وداوني بالتي كانت هي الداء".

 

أتحدث عن كل هذا وأنا القادم من رحلةٍ تقارب النصف قرن في عالم الطب التقليدي، والمؤمن بثنائية الجسد والنفس وبجدلية العلاقة بينهما، كما بجدوى الاستخدام الناجع لـ "الهيبنوزا" في بعض الحالات، مثل الالم والقلق والخوف.

 عادت بي الذاكرة إلى منتصف سبعينات القرن الماضي، أيام الحصار القاسية في مخيم تل الزعتر حيث كان العمل المتواصل، ليلاً نهاراً، في غرفة العمليات. كنت أتحين الفرص في فترات الاستراحة، وما أقلها، لأقوم بما هو شبيه بالتنويم المغناطيسي! كنا، والممرضات والممرضين، نجلس نصف مستلقين على ما تيسر من مقاعد في غرفة الاستراحة وأطلب منهم إغماض أعينهم مع بعض الإيحاءات وآخذهم في رحلة افتراضية خارج الحصار والقصف المرير، نحلقُ بعيداً في نزهة فوق جبال لبنان، بغاباته الجميلة وعلى شواطئ بيروت الجميلة وفي أماكن معروفة لديهم، لمدة تتراوح بين ١٥ و٢٠ دقيقة، أروي لهم خلالها مشاهدات ومناظر جميلة تثير في نفوسهم الفرح والحبور. وبعدها، كانوا يستفيقون مذهولين كما لو كانوا في رحلة حقيقية ويشعرون بطاقة إيجابية تعكس نفسها على أدائهم العملي بأريحية لافتة. يومها تعرفت على مدى تأثير "الهيبنوزا".

عند الدخول إلى الفصل الثاني من الكتاب، يأخذنا الدكتور علي في جولة تعليمية متنقلاً بين مُتعالجيه السبعة، شارحاً بإسهاب وبأسلوبٍ شيّقٍ ويمتاز بدقة الملاحظة والتفاصيل في تلك الحالات: من السيدة الأم التي تعود به إلى الماضي وتذكّره بأمّه؛ إلى سعيد الذي يخاف التحدث أمام الجمهور وسامي المضغوط وحالته المستعصية على العلاج، إلى حالة التقيؤ عند عادل وخوف الدكتور أيمن من المرض والموت والتماهي مع معاناة الكاتب على الصعيد الشخصي من فقدان والده، وهو في الخامسة من عمره. لقد كان موفقاً في توظيف رواية القطط في علاج الدكتور أيمن والإسهام في إخراجه من حالته النفسية وبث روح الأمل والاستمرار. أما حالة عبودي وعبد السلام والأرق ومشاكل التبول الليلي فلم تكن سوى نوع من الاحتجاج الصارخ في وجه معاملة والده القاسية له. وينهي جولته مع إميل وحالة الخوف من الامتحانات وحالة الرهاب التي وصفها بالكثير من الدقة والمهنية، مع استنتاج علاجي بأن كل ما يحتاجه إميل هو التحرر من القيود النفسية التي تكبل طاقته.

 أمّا الفصل الثالث من الكتاب فيفرده لصور حياتية ذات الطابع الشخصي والانساني لأشخاص عرفهم عن كثب وتركوا أثراً كبيراً في حياته. يبدأ بلغز "أنا لا شيء"، كأنه نوع من المناجاة يخاطب نفسه ويتساءل ليأتي الجواب دائماً: أنا لا شيء.

خاتمة الكتاب كانت عن التنويم المغناطيسي الذاتي وتحمل رسالة لكل من يقرأ هذا الكتاب أن يمارس "الهيبنوزا" الذاتية كمدخل للاسترخاء سيؤدي إلى سلام داخلي نرى من خلاله الأشياء مثل الناس من حولنا، بطريقة مختلفة لتكون الحياة أكثر استرخاءً وتعكس نفسها إيجابياً على كل ما حولنا من البشر ونشعر بمتعة الحياة الحقيقية.

الكتاب قيّم ومميز، يمزج بين ما هو علمي وما هو إنساني، يعكس العلاقة الصحيحة بين المُعالج والمتعالج، والتي تحدد مدى نجاح العلاج. وهو ما قام به الدكتور علي بمهنية عالية ترتدي ثوباً انسانياً، كما أفلح في معالجة "زبائنه" من خلال علاقته الانسانية بهم، متخطياً الحواجز المهنية في بعض الأحيان. بين عنوان الكتاب وخاتمته يعيش القارئ رحلة شيقة وسردية مميزة بنكهة أدبية تخاطب العقل والقلب معاً، يتعرّف من خلالها على الكثير من المشاكل النفسية التي هي سمة عصرنا، عن مكامن الضعف التي تصبح، بفضل تشخيصها ومعالجتها، مصدراً للطاقة الإيجابية تحصّن الانسان وترفع من مستوى دفاعاته الشخصية لمجابهة واقع يتميز بالكثير من الضغوط النفسية والإحباطات.

كتاب جدير بالقراءة من جميع الفئات المجتمعية، وخاصةً الأطباء والعاملين في المجال الصحي والاجتماعي وفي سلك التعليم والتربية وطلاب العلم. هو إضافة كبيرة للمكتبة العربية وسيحتل مكانة مميزة على رفوف المكتبات العامة والمنزلية.

(النرويج)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب