news-details
ملحق الجمعة

مسرحية "سأموت في المنفى" ومكاشفة مع الذات.. وسؤال الهوية

 

عودة الى فلسطين في العام 2011، لعرض مسرحية "عائد إلى حيفا"، عودة حقيقية إلى فلسطين، وعودة فنية بعرض مسرحي، بعد ان امتدت ظلال العمر طويلا. من هنا تتولد شرارة العرض "المونودراما" المسرحي "سأموت في المنفى – بدل فاقد" للفنان "غنام غنام"، هذا العرض الذي جاء في افتتاح مهرجان طقوس المسرحي 12، في قاعة "فخر النسا" بالمركز الثقافي الملكي، في حلقة القاعة التي امتلأت بالجمهور. هذا الجمهور الذي من المؤكد مختلف عن اي جمهور عربي شاهد العرض، جمهور لم يكن يحتاج إلى تفسير لأسماء وشخصيات وأماكن وأحداث، فهي معلومة لدية، لذلك كان هذا التماهي مع العرض، واحيانا الاشتباك معه، فهو جمهور بشكل او بآخر جزء من الحكاية، شاهدا عليها كان، أم ضحية.
يطرح "غنام غنام" كثير من الاسئلة المتداولة، لكن أيضا غائبة عن الغالبية، ويتساءل عن الخروج الأول من " كفر عانا" إلى أريحا، يتساءل عن سر خبث التسمية "لاجئين"، لاجئين وهم في نفس بلدهم "فلسطين"، فهي هنا مصطلح يختبئ خلفه مشروع "الاقتلاع" الذي حققه المشروع الصهيوني، فكان خروج عائلة "غنام" من اريحا، وعمره 12 عاما.
العودة إلى أريحا مع فريق المسرحية كان لها مذاقا خاصا، مدارج الطفولة، البيت، المدارس، قصر هشام ونجمته، وكل تلك التفاصيل المختزنة في ذاكرة غنام الطفل، وكيفما تحرك هناك شواهد من الواقع والميثولوجيا، هناك زيتونة "سيدي احمد البدوي"، في "الولجه"، وكل حكايا الأجداد، حيث كل حكاية تنسف اكاذيب الصهيونية بأنهم جاءوا الى ارض بلا شعب. فالزيتونة التي هي هنا الآن، كانت زيتونة فلسطينية، وايضا هنا منذ خمسة آلاف عام.
يركز العرض على "الذاكرة"  فهذه التداعيات تفيض من مخزون كبير، والعدو الصهيوني يعمل بكل ادواته لمسح الذاكرة الفلسطينية، وبذكاء يحكي "غنام" عن قصة تلك الحقيبة التي وضع بها حجرا، وقبضة من تراب فلسطين، وكتب، وصور مسجلة على ذاكرة الكترونية، وعند وصوله الى عمان، يكتشف ان الحقيبة فارغة، وهنا يقرأ  "غنام" الفعل الصهيوني بشكل مختلف، فالحجر والتراب الذي ألقاه في الأرض، هو حكما عاد الى حضن امه "فلسطين"، ووجود الكتب والاسماء اغاظت الجندي الصهيوني، أما الذاكرة فإنها تجعلنا اكثر حرصا وتمسكا بالذاكرة بكل تفاصيلها، وان يبقى سلك الذاكرة الفلسطينية متوهجا من جيل الى جيل.
اذًا هنا أساس الحكاية، حيث يدرك "غنام" بأن الطريق مسدود أمام ما تبقى من العمر، وأن هامش أمل العودة محدود في هذا الراهن الفلسطيني والعربي والإقليمي، وهو يرى كل يوم في نشرات الاخبار ان الخبر الفلسطيني قد تراجع الى ما قبل النشرة الجوية، مرة بقصد، ومرة بفعل ضغط أحداث الإقليم التي تم توضيبها اصلا لإبعاد القضية الفلسطينية عن المشهد العام. وهنا اهمية التأكيد على "الهوية" والتمسك بها، وهي هنا ليست شعارا، او ترفا فكريا، انما خيارا وحيدا، سيفضي حتما الى التحرير. هذا الاعتزاز بالهوية الفلسطينية، يرادفه اعتزاز باردنيته، ويرى "غنام" ان على كل مثقف عالمي ان يعتبر نفسه فلسطينيا حتى تتحرر فلسطين، هي القضية الأكثر مظلومية، وهي القضية الأكثر وضوحا بالحق.
ويستحضر "غنام" العام 1972، يعود الى لحظة عالية كان يمكن الامساك بها، عندما أعلن الملك حسين عن مشروع المملكة العربية المتحدة، دولة فلسطين وعاصمتها القدس، وكيف أننا اجهضنا المشروع، وهو مع كل أشكال "الوحدة العربية"، التي تحفظ وتضمن اسم "دولة فلسطين".
ويتردد اسم "كفر عانا" كثيرا في العرض، البلدة التي طردوا عائلة  غنام منها، والتي عانى فيها الوالد "صابر" من ظلم ذوي القربى، ومن ظلم الاحتلال، "كفر عانا" التي طمس الاحتلال ملامحها، لكنها منقوشة على شواهد قبور أهلها، ويتوسع العرض في هذه الحالة التراجيدية، حيث الاسم هو تعبير عن اسم قرى وبلدات ومدن فلسطينية، موثوقة على شواهد قبور اهلها، وكل واحد له حكاية، تشبه بشكل او بآخر حكاية "غنام وعائلته"، حكاية الأخ الأكبر "فهمي" الذي غاب طويلا في المنفى، وعندما عاد،عاد ليموت، وليزيد من جرح الام والعائلة، وهناك حكاية "صابر" الذي احترق قلبه بسبب التحقيق مع ابنه "ناصر" مثلما حرقته نار الحديقة، وحكاية الرجاء الذي ربما لن يتحقق، وهو طلب الأب من ابنه ان يدفن في بلده.
الجرح الفلسطيني النازف يداهمك في أي لحظة، في صالة الانتظار بمطار بيروت، يسمع "غنام" النداءات المتتالية، كل شركة طيران وطنية، تنادي على الركاب للعودة الى بلدهم، الا "فلسطين".. كل النداءات حاضرة، ما عدا نداء "تعلن الخطوط الوطنية الفلسطينية عن رحلتها الى القدس"..
حكايات متداخلة، تستحضر الماضي "فلاش باك" حسب مصطلح السينما، وظبها "غنام" لدرجة ان الأمور تختلط على المتفرج، هل الذي امامنا هو "غنام غنام"، ام شبيه آخر، وهل "غنام" نفسه يرى هذا الخط الفاصل؟، لأنه لولا لعنة الاحتلال واللجوء، لما كنا شاهدنا العرض اصلا، وربما لم نعرف "غنام"، وربما انا شخصيا لم ازامله  طالبا في ثانوية جرش لمدة ثلاث سنوات. انه سؤال في الوجود، ربما يهرب الكثيرون منه، ولا يجدون القدرة على البوح بهذا الشرخ العميق الذي خلقه الاحتلال البغيض. بعد "ملهاة" الدفن، يبوح "غنام" بهذه الاسئلة، حتى "يقينية" الموت، تصبح مطروحة للسؤال عن حقيقة الذي مات، هل هو "غنام" الاصلي، ام "غنام" بدل فاقد.
لم يكن العرض بحاجة لأكثر من كرسي عادي استخدمه "غنام" في وظائف متعددة، لكن قدرة "غنام" على السرد، بهذا التدفق، حافظ على إيقاع العرض، الذي سيطر عليه صعودا وهبوطا، حسب الحالة الشعورية، وحسب الحدث، وتوظيف الاغنية والقصيدة، وهرب بالجمهور إلى لحظات كوميدية، لإخراجهم من أجواء اللجوء التراجيدية، والهروب من البكائيات التي لازمت كثير من الأعمال التي تناولت القضية الفلسطينية، وبدون شعارات فاقعة، في مكاشفة مع الذات، وتعرية المسكوت عنه، بأسئلة حول  عودة، ومصير.. يبدو انه ما يزال بعيد المنال…لكنه ممكن، ومرتهن بالوعي والتمسك بالحق والهوية.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب