news
ملحق الجمعة

ملاحظة على واقع العرب والاسلام السياسي مطلع 2020

هناك أربعة مذاهب سنية، المالكي نسبة الى مالك بن أنس والحنفي نسبة الى ابو حنيفة النعمان والشافعي نسبة الى محمد ابن ادريس الشافعي والحنبلي نسبة الى أحمد بن حنبل، ومثلها أو أكثر في الأباضية والشيعية أي أن هناك عشرات من الفرق الاسلامية ، البعض يقول 70 فرقة والبعض يقول ربما أكثر من 100 فرقة. الخطير في الأمر ليس وجودهم وتعددهم وليس تحزبهم واختلافاتهم في فهم الاسلام وممارسة طقوس العبادة وتقديس أماكن العبادة، بل عداء الواحدة للأخرى في أحيان غير قليلة وحتى تكفيرها واباحة دمها. 

الأمر لا يتعلق بكثرة الفرق الدينية اذ نعرف أن هناك عشرات التفسيرات للقرآن. وليس غريبا أن تتعدد الفرق في الاسلام منذ بدايته. هذا الأمر معروف للتاريخ منذ فجر الاسلام اذ أن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في حينه جَمع العشرات من نسخ القرآن حينها وشروحها وترك نسخة واحدة جَمَعها أهل البيت وصحابة الرسول. وذلك خوفا من البلبلة في الدين الجديد الذي انطلق الى العالم وخوفا من الفتن التي حدثت رغم كل محاولته وجهده، وكان هذا الخليفة الراشدي الكريم ضحية احدى أول الفتن في الاسلام حيت قُتل في بيته وأمام زوجتة نائلة التي حاولت أن تدافع عنه بيدها العزلاء من حد السيف فقُطعت أصابعها.

الأمر الخطر ليس في وجود هذه الفرق وتعددها بل ان الخطر الداهم منذ ذلك الحين الى الآن هو تكفير هذه الفرق الواحدة الأخرى. وعداؤها غير مُبرر على اعتبار أساسي بسيط هو أن الاسلام واحد والنبي واحد والقرآن واحد. عرفنا بداية الصراع على خلافة الرسول الكريم وقيادة المسلمين وبدأ ما نعرفه اليوم ويدعى بالاسلام السياسي بكل صوره وفرقه، والذي يَخلط الدين الحنيف الكريم الورع الذي يدعو الى العبادة والاحسان والعيش الكريم والفوز بالجنة، بالسياسة الدنيوية التي تُميزها المكيافيلية الأرضية التي تقول وتعمل بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة .والغاية قد تكون دنيوية حقيرة والوسيلة يمكن ان تكون مُنحرفة ومُجرمة أحيانا تعارض كل الأخلاق البشرية وكل تعاليم الدين وأسسه الراقية التي تبغي الأفضل للانسان في حياته وفي مماته . 

التدين السياسي خطر وجودي بكل صور وجوده وزمانه ومكانه. نعم هو خطر وجودي على المجتمعات وتطورها وبقائها. تتحالف فرقه العديدة على اختلاف أهوائها ومشاربها حتى مع الشيطان لتحارب الفرق الاسلامية الأخرى التي تعتبرها دوما ألد وأخطر أعدائها. وهذا حاصل اليوم في كل دنيا العرب والاسلام وحاصل  في فلسطين بين الأخوان في غزة وفي الضفة بين ولاة الوهابيين في السعودية وهذا هو سبب الانقسام الفلسطيني الحقيقي الذي يريده الغرب قبل الاعلان عن صفة القرن. تتعاون زعامات في هذه الفرق والمَذاهب الآن - وبدون تعميم طبعا وبدون اتهام للناس بل لبعض النخب - مع الامبريالية والرأسمالية المُتوحشة ومع الصهيونية العالمية.

على سبيل المثال لا الحصر مركز السنّة الديني كما هو معروف مكة والمدينة، التي صادرها وأمتلكها ويستغلها سياسيا آل سعود أعداء العرب وعملاء الغرب والصهيونية واعداء الاسلام الحقيقي السمح في كل زمان ومكان. ممالك الرمال والبترول اسسها الغرب  الاستعماري عندما اكتشف النفط فيها. كان وما زال وجود هذه الممالك مرهونا بحراسة النفط وتأمينه وتوريده للغرب لتدور العجلة الرأسمالية الى ما شاء الله. ومن ثم بقية الحكاية الدامية التي نعيشها اليوم والذي تعرفها البشرية كلها، ما يحدث اليوم من عداء هؤلاء وموقفهم المُخزي والهدام من قضايا العرب وعلى رأسها قضية فلسطين وحرب اليمن القذرة. وجاء دعمها "الربيع العربي" الذي كان حسب رأيي الشخصي مخططا من مؤسسة المال التي ساندت الغرب ووقفت ضد كل تبلور عربي قومي منذ سعد زغلول في مصر الى الآن. وهم وباعترافهم الرسمي ساهموا وما زالوا حتى الآن يعملون مع مُشغليهم في تدمير دنيا العرب وكل تبلور عربي جديد مقاوم للامبريالية كما نراه حاصلا اليوم في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وربما في مصر حليفتهم الحالية والجزائر في المُستقبل القريب، وذلك باعتراف المُجرم القطري حمد بن جاسم علنا على فضائيتهم الجزيرة الغارقة، أن تدمير سوريا كَلف دويلته قطر العميلة التي هي في الحقيقة قاعدة أمريكية، حين اشتركوا مع السعوديين وتركيا في تدمير سوريا حوالي 150 مليار  دولار والسعودية دفعت مبلغ يفوق، وتركيا الاخوانية المُعادية للعرب فَتحت حدودها على طولها مع سوريا وأدخلت الارهابيين بمئات الآلاف لتدمير سوريا بعد أن سرقت وبالبث الحي أكثر 1200 مصنع من حلب وحدها وملايين الملايين من براميل النفط العراقي والسوري. 

كل هذا القوى الغربية بالأساس تَعمل منذ أكثر من قرن على تدمير العرب وبلاد العرب  والحط من مكانتهم الحضارية وتركهم خارج التاريخ والتطور، وابقائهم قدر الامكان أرقام استهلاكية وشعوبا بائدة لا غير، بعيدة عن التطور المُجتمعي والحضاري الآن كسائر شعوب الأرض المتطورة . مكانة العرب حياتهم ودماؤهم وبلادهم وخيراتهم وثرواتهم الطبيعية هي مجرد وقود يحترق لتبقى الدورة الرأسمالية وتدوم سيادة الغرب الاستعماري ورفاهيته، ولو على حساب ابادة العرب عن بكرة أبيهم واحتلال بلادهم ومحو آثار حضارتهم العظيمة التي ساهمت في تأسيس وتطور الحضارة الحالية التي تحياها البشرية كلها اليوم. دول العرب عموما غير مُنتجة ودول ريعية تعتمد على البيع والشراء بالأساس، غير قادرة على صناعة غذائها ولا سلاحها بشكل يحقق اكتفاء. هناك حقيقة تاريخية هي أن قطار الثورة الصناعية الذي بدأ رحلته مع القاطرة البخارية منذ اكثر من قرنين ونيف في أوروبا، لم يصل للمحطات العربية لعدم  وجود سكة حديدية واقعية ملائمة له. 

مُعظم الدول العربية  دول مُستهلكة بالفعل كما ذكرنا تَستورد كل شيء من الغرب المُعادي لوجودها في الأصل والذي يعتبرها وخصوصا النفطية الغنية منها سوقاً لبضائعه من السيجارة وحتى الصاروخ. استمرار وجود هذه الدول الضعيفة والمَسلوبة الارادة والادارة الواعية، وكما يصرح زعماء الغرب اليوم علنيا، مُرهون بما يقدم لها الغرب من حماية ومن غذاء وسلاح لتقاتل بها جيرانها واشقائها وتدعم أعداء وتُنفذ مَصالح الغرب الذي يسَتغلها أبشع استغلال عرفه التاريخ. الدول العربية وأكبرها مصر العربية التي نعشقها ونعشق تاريخها وشعبها وناصرها باتت غير مُنتجة بل تغرق في ديون فلكية من البنوك الغربية، وتبيع كل سندات وجودها وارضها وثرواتها الطبيعية لتبقى على خارطة العالم. مصر الناصرية أم الدنيا وعلامة النهضة القومية لم تعد أم الدنيا ولا أم العرب بعد الردة الساداتية الخيانية المصيرية التي ما زلنا نعيش تداعياتها الى اليوم.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب