news-details
ملحق الجمعة

من صفحات المؤامرة على فلسطين

المؤامرة التي جرت وراء الكواليس ابان الحرب العالمية الاولى والتي ادت الى استقالة رئيس الوزراء البريطاني، تعتبر من الاحداث السياسية المهمة والتي كان لها تأثير كبير على مجريات الاحداث التاريخية في الشرق الاوسط منذ ذلك الوقت وحتى الآن، فتلك المؤامرة ادت الى خلع اسكويت عام 1916 واستبداله بالثلاثي دافيد لويد جورج وونستون تشرشل وآرثر جيمس بلفور.

وهنا اسرد قصة المؤامرة التي وردت في كتاب "احجار على رقعة الشطرنج" لـ وليام غاي كار تقول: "بعد اندلاع الحرب (أي الحرب العالمية الاولى) في آب 1914، بفترة وجيزة طلبت مجموعة من كبار الاثرياء من احد المهندسين ان يحول احد القصور القديمة وهو قصر كبير جدا الى ناد خاص، وقد اصر هؤلاء الاثرياء على حفظ شخصياتهم قيد الكتمان مع انهم صرفوا مبالغ طائلة على تمويل هذا المشروع الضخم. وقد فسروا هذا الكتمان بانهم جماعة يريدون التعبير عن عميق امتنانهم وشكرهم للضباط الذين يعرضون حياتهم للخطر في سبيل الملك وفي سبيل الوطن، وقد قام هذا النادي بتوفير كل وسائل الترفيه والتسلية وتسهيلات المتعة. كان استعمال النادي مقتصرا على ضباط الخدمة عندما يعودون من الجبهة لتمضية اجازاتهم في لندن عقب الخدمة الفعلية، اما الاعضاء الجدد فكان يجري تقديمهم الى النادي عن طريق احد الاخوة الضباط وقد سمّى مرافقي النادي عندما ذكره لي باسم "النادي الزجاجي" (لقد اسس ناد يماثل هذا النادي تماما في ضواحي مدينة مونتريال خلال الحرب العالمية الثانية)، وعند الوصول تجري مقابلة بين الضيوف واحد المسؤولين، فاذا اقتنع هذا بانه يمكن الوثوق بهم اخبرهم كيف يجري العمل في النادي، لذلك كان على الضابط المتقدم للدخول ان يُقسم بشرفه ان لا يذكر اسم أي شخص قابله خلال مكوثه في النادي او بعد خروجه، ثم يشرح لهذا الضيف بعد هذا الوعد الصارم كيف انه سيقابل مجموعة من اشهر سيدات المجتمع في لندن وهن مقنعات، فعليه – أي على الضيف – ان لا يحاول معرفة شخصية أي منهن، واذا حدث بالمصادفة ان تعرف على احداهن فقَسمه يشمل المحافظة على سرهن.

وبعد انتهاء هذه الخطوات الاولية يؤخذ الضابط الى غرفته الخاصة التي فرشت على افخم طراز، فقد كانت تحتوي على سرير مزدوج ضخم وما يتبعه من طاولات ومرايا وخزانات، احداها خصصت للنبيذ والمشروبات، بالاضافة الى حمام وتواليت خاص، وكان يطلب من الضيف ان يعتبر نفسه في منزله ويعلم بانه ستزوره سيدة تضع في عنقها قلادة كتب عليها رقم غرفته، فاذا احب بعد ان يتم التعرف عليها ان يصحبها الى غرفة الطعام فهذا يعود اليه، وله كامل الحرية. اما غرفة الاستقبال حيث يلتقي الضيوف ويختلطون بمضيفاتهم ويشربون المشروبات قبل تقديم العشاء، فكانت شبيهة بغرف قصور الملوك، ويمكن ان تستوعب غرفة الطعام خمسين زوجا من الضيوف.

قد يحلم العديد بان يروا قاعة رقص كالتي في النادي ولكن القليلين هم الذين يرون مثلها، ولقد استعيض عن الديكورات الغالية بالستائر الفخمة والانوار الخافتة والنساء الجميلات المرتديات افخم الملابس، كما ان الموسيقى الناعمة الحالمة والروائح العطرية النادرة جعلت من المكان شيئا شبيها بتصور بعض الناس للجنة، وهكذا تحولت اجازات الضباط بواسطة هذا النادي وبالتدريج الى ما يشبه عطلات الرومان، فكل ما فيه جميل ورقيق وناعم وهادئ، فكان بهذا، الصورة المعاكسة تماما لحالة الخوف والقسوة والوحشية التي تسببها الحرب المعاصرة، فبين الرقصة والرقصة يقوم بعض الممثلين بتأدية بعض الادوار التي تجلب الشعور بالمرح والتفكه والضحك، حتى اذا تقدم الليل قدمت لهم سفرة مليئة بالاسماك الشهية، كما ان البار الموجود هناك كان يقدم كل انواع المشروبات من الشمبانيا وحتى الويسكي. وبعد منتصف الليل تقدم خمس من الفتيات الجميلات رقصة الاقنعة او الخمارات السبع التي تمثل مشهدا داخل حريم السلاطين، يبدأن الرقص وهن بكامل ملابسهن حتى الخُمر التي تغطي وجوههن ولكن عندما تنتهي الرقصة يصبحن عاريات تماما، ويقدمن المشهد الاخير وهن بهذه الحال، تحمل كل واحدة منهن خمارا شفافا بين يديها متظاهرة بانها تخفي عورتها مما يزيد المنظر اثارة ويعمل على توضيح مفاتن الراقصات. وعندما يتعب الضيف ورفيقته من التسلية ومن صحبة الآخرين يعودان الى غرفتهما الخاصة.. وفي اليوم التالي يمكنهما الاستمتاع بالسباحة داخل النادي او بلعب التنس او البليارد، كما يمكنهما دخول قاعة لعب الورق التي كانت نموذجا مصغرا عن قاعة المونت كارلو.

وحدث في شهر تشرين الثاني من عام 1916 ان وصلت رسالة الى احدى الشخصيات السياسية الهامة تطلب من صاحبها القدوم الى النادي لتلقي معلومات على غاية من الاهمية، فقدم بسيارته الخاصة وطلب من سائقه الانتظار ثم دلف الى الداخل حيث اصطحبه المسؤولون الى غرفة فخمة ثم تركوه منفردا. ولم يلبث ان دلفت الى الغرفة امرأة شابة ما ان شاهدته حتى كاد يغمى عليها فقد كانت زوجته وهي تصغره بسنوات عديدة وتقوم بعملها مضيفة للضباط في اجازتهم منذ وقت ليس بالقصير، ولقد كان الموقف حرجا بالفعل فالزوجة لا تعلم شيئا عن المخطط الذي جمعهما وليس لديها أي معلومات سرية لتفشيها فقد كانت مقتنعة ان البحث عن اللذة هو الذي جمعهما وان المصادفة السيئة هي التي جمعتهما وجها لوجه. ثم تم المشهد فأخبر الزوج عن دور المضيفة التي تقوم به زوجته في النادي ولكن شفته لم تتحرك وكأنها ميتة، فهو عضو في الحكومة ولا يمكن ان يتحمل الفضيحة.

ولقد استخدم نظام الجاسوسية في النادي فكل عضو رجلا كان او امرأة كان جاسوسا على الآخرين ينقل اخبارهم الى رؤسائه فتتكون من الاخباريات معلومات كانت تطبع وتسجل في ما يسمى "الكتاب الاسود" فيذكر في هذا الكتاب عيوب الافراد ونواقصهم ورذائلهم الخاصة ونقاط ضعفهم، كما تذكر اوضاعهم المالية واحوالهم العائلية ومدى تعلقهم بأقربائهم واصدقائهم كما تدون صلاتهم بكل من رجال السياسة المرموقين ورجال الصناعة ورجال الدين وتأثيرهم عليهم، وفي تشرين الثاني من عام 1916 حاول اعضاء البرلمان الانجليزي ان يفضح امر "النادي الزجاجي" وان يبيّن حقيقته، فقد شكى ثلاثة من الضباط بان النادي يحاول ابتزاز المعلومات منهم بعد ان دخلوا في العضوية وان النادي هو مركز للجاسوسية ينقل المعلومات الهامة الى العدو، وقد اشرك ايضا في هذه المغامرة سيدة استرالية وسائقها والعديد من زوجات الرسميين في الحكومة وبناتهم. ولكن هذه المحاولة لكشف حقيقة النادي آلت الى الكتمان في حين ان ذكر "الكتاب الاسود" كان قد تم وصوله الى البرلمان والى الصحافة، فكانت سياسة الحكومة تميل الى الاعتقاد بان فضيحة بهذا الحجم قد تسبب كارثة وطنية في وقت يواجه فيه الجيش ضربات بحرية وبرية وجوية قاسية. عندئذ بدأت الصحافة تهاجم رئيس الوزراء فاتهمته باستخدام غير الاكفاء في المناصب الحكومية كما اتهم بان له ارتباطات واسعة مع صناعيين وممولين المان، في الفترة التي سبقت الحرب وبانه يميل الى القيصر، واتهم ايضا بانه غير قادر على اتخاذ التدابير الحازمة والقرارات المستعجلة، واستعملت عبارة "انتظر وسترى اسكويت"، وهذه الفضائح التي تتعلق بارتباط بعض الرسميين ذوي المناصب العليا بالنادي الزجاجي ادت الى استقالة الحكومة وبهذه الطريقة تكون الامبراطورية البريطانية قد اضطرت بالقوة الى تغيير الفرسان السياسيين (الاحجار على الشطرنج) في منتصف الحرب الكبرى، ولما استقال السيد اسكويت في كانون الاول عام 1916 تلته وزارة ائتلافية يرأسها دافيد لويد جورج، اما وينستون تشرشل وبلفور فكانا من ابرز اعضاءها.

ومن المعروف تاريخيا بانه عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى كان اسكويت رئيسا للوزراء وكان معاديا للصهيونية فقرر الممولون الدوليين ازاحة حكومة اسكويت واحلال حكومة ائتلافية مكانها على ان يكون للويد جورج ووينستون تشرشل عمل كبير فيها، وكان دافيد لويد جورج محاميا عن الحركة الصهيونية التي خططت لها ومولتها عائلة روتشيلد، اما وينستون تشرشل فكان مؤازرا للصهيونية السياسية منذ دخوله الى المعترك السياسي بتاريخ 5/4/1917 تم ارسال آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا الى الولايات المتحدة للاتصال بممثلي المصارف الامريكية وابلاغهم رسميا بان الحكومة البريطانية ستتبنى رسميا مشاريعهم المتعلقة بالصهيونية مقابل تعهدهم بادخال امريكا الى جانب الحلفاء. وهكذا دخلت امريكا الحرب وهبطت الكتائب الامريكية الاولى الى فرنسا في السابع من حزيران 1917، وفي 18 تموز كتب اللورد روتشيلد الى السيد بلفور ما يأتي:

عزيزي السيد بلفور

اخيرا اصبح في امكاني ان ارسل لك الصيغة التي طلبتها، فاذا تلقيت ردا ايجابيا من حكومة صاحب الجلالة ومنكم شخصيا سأقوم بابلاغ ذلك الى "الاتحاد الصهيوني" في اجتماع خاص سوف يدعى اليه لهذا الغرض خصيصا.

وجاء في نسخة النص الاولية ما يأتي:

  1. تقبل حكومة صاحب الجلالة بمبدأ وجوب اعادة تأسيس فلسطين وطنا قوميا لليهود.
  2. سوف تبذل حكومة صاحب الجلالة كل طاقتها لتأمين الوصول الى هذا الهدف وسوف نتناقش فيما يتعلق بالطرق والوسائل التي يتطلبها تحقيق هذا الهدف مع المنظمة الصهيونية.

وهكذا خضعت الحكومة البريطانية ممثلة بالمستر بلفور من دون قيد او شرط للشروط التي وضعها اللورد روتشيلد وزملاءه، زعماء المنظمة الصهيونية العالمية، ويتبين لنا ارتباط هذه الحكومة أي حكومة لويد جورج – تشرشل بلفور بهؤلاء أي اللورد روتشلد وزملاؤه، زعماء المنظمة الصهيونية، من قبولها لطلباتهم الاخرى ولا سيما طلب تعيين اللورد ريدينغ رئيسا للبعثة الاقتصادية البريطانية في الولايات المتحدة في حين ان اللورد ريدينغ هذا ليس سوى السير روفوس اسحاق الذي اقترن اسمه بفضيحة فاركوني الشهيرة. وقد تبنى اقناع الحكومة البريطانية بتعيينه لهذا المنصب الحساس اللورد روتشيلد ذاته وزملاءه من الزعماء الصهيونيين، السير هربرت صاموئيل (الذي اصبح فيما بعد اول مندوب سام لبريطانيا في فلسطين) والسير الفرد موند (الذي منح ايضا لقب لورد فيما بعد). وقد اجرى اللورد ريدينغ

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب