news-details
ملحق الجمعة

عشية كل انتخابات برلمانية جديدة يقف جهور الناخبين أمام تحركات وتكتلات حزبية مختلفة، لكن مهما تغيرت وتبدلت هذه الأحزاب يبقى فكرها ولونها صهيوني كولونيالي، ولا أحد ينكر أنه يوجد لهذا التشابك الحزبي تبعات كثيرة، معظمها سلبية لأنها تزيد من الصراعات والتعقيدات السياسية وتمنع الاستقرار السياسي، كما أنها تزيد من التطرف نحو اليمين وتضاعف منسوب العنصرية والفاشية داخل المجتمع الإسرائيلي.

عندما كانت تقوم الانقسامات داخل المجتمع في الامبراطوريات الإسلامية، خاصة الأموية والعباسية، بظهور فرق جديدة مثل الخوارج والشيعة والسنة و المعتزلة والمرجئة والقرامطة وغيرهم، باعتراف المستشرقين كانت هذه الفرق تتنافس فيما بينها وتحاول جذب الداعمين لها عن طريق التطور الفكري والحضاري، فكانت تقوم بدعم العلماء والأدباء والشعراء والمصلحين، هذا التنافس ساهم ي حدوث نقلات علمية فكرية حضارية داخل المجتمعات العربية.

أما الأحزاب المتنافسة في الكيان الصهيوني فإن تنافسها يدور حول فكر واحد وهو الفكر اليميني المتطرف المستوحى من مبادئ الحركة الصهيونية، التي قررت في بداية طريقها إقامة كيان سياسي لليهود في فلسطين، حتى لو كلف الأمر طرد الشعب الفلسطيني من وطنه وهذا ما حدث، كما أن هذا الفكر مستوحى من المرجعيات التواراتية المبنية على مقولة " ان الحياة من حق اليهود فقط ".

ترفض القيادات السياسية في إسرائيل أن تتعلم من تجارب الدول الأوروبية التي كانت تعيش في حالة من التخمة في تعدد الأحزاب، فقد أدى ذلك الى عدم الاستقرار السياسي كما كان يحدث في فرنسا، كما أدى الى تكرار إعادة الانتخابات وسقوط الحكومات الى جانب الفوضى السياسية التي كانت تعم البلاد، وكان ينعكس ذلك على عدم الاستقرار لكافة المشاريع الاقتصادية والنظم الاجتماعية.

في إسرائيل يجد المواطن نفسه عشية كل انتخابات على موعد مع ميلاد حركات وأحزاب سياسية جديدة بأسماء وشعارات جديدة، لكن الأفكار تدور حول نفسها وما هي الا اجترار لأفكار سابقة، ان كثرة وتعداد هذه الأحزاب والحركات يمنع ما يسمى بظهور الحسم الحزبي الذي يستطيع حشد تحالف قوي وثابت، كما أنه يزيد من الانانية والوصولية السياسية النابعة من الأحزاب الصغيرة، واذا بقيت الخارطة الحزبية في إسرائيل كما هي عليها اليوم فانه من الصعب إقامة حكومة قوية وثابتة، وستبقى الأحزاب العنصرية الفاشية تصطاد في الماء العكر.

ليس من الصعب رصد تحركات الأحزاب السياسية وتغيير مواقعها كما تتغير الكثبان الرملية في الصحراء، فقبيل اجراء الانتخابات السابقة ولدت كتلة حزبية جديدة مكونة من حزب "عتيد" وحزب جديد آخر أقامة الجنرال  غينتس ويدعى " كحول لفان – أزرق أبيض " وقد ضم هذا الحزب اليميني بين صفوفه مجموعة من الجنرالات الحردانين على نتنياهو، حقيقة أنه لا يوجد فرق بين هذا الحزب وبين الأحزاب القائمة الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالثوابت الأساسية لسياسية إسرائيل العدوانية التوسعية، كان أول تصريح لقائد هذا الحزب رفضه القاطع التعاون مع الأحزاب العربية، أما آخر تصريح له قبل حوالي أسبوعين فقد طالب غينتس من قيادة جيش العدوان اطلاق الصواريخ مباشرة داخل عمق قطاع غزة، مقابل ظهور كل طائرة ورقية يطيرها أطفال غزة.

كما ظهر عشية الانتخابات السابقة تكتل يميني جديد ينضح بالعنصرية يحمل اسم "اليمين الجديد"، وقد عاود هذا الحزب عشية هذه الانتخابات ولملم صفوفه من جديد لعله يجتاز نسبة الحسم.

لم يقف الأمر عند هذا الحد فقد ازدادت حالة التشابك داخل الأحزاب، فأفرزت عن قيام سفاح هبة أكتوبر عام 2000 ايهود براك بعد أن قرر العودة الى الساحة السياسية، فدخل من باب تقديم الاعتذار للمواطنين العرب ظانًا أن شعبنا ممكن أن ينسى جرائمه، فقرر إقامة حزب جديد يحمل اسم "إسرائيل ديمقراطية"، دون أن يسأل نفسه : كيف ممكن أن تكون إسرائيل ديمقراطية وهي تستعبد وتصادر إرادة شعب آخر؟ وهو الشعب الفلسطيني، كيف يمكن أن تكون ديمقراطية في ظل العيش داخل مناخ عنصري احتلالي صهيوني ورئيس حكومة يتهم خمس المواطنين بالدولة بالإرهاب.

لم تكن إقامة هذا الحزب حدثًا استثنائيًا، لكن ما هو استثنائي هو قيام حركة ميرتس التي تعتبر نفسها الحارس الأمين على هوية اليسار الصهيوني والمساواة، لقد وافقت هذه الحركة على التحالف مع حزب براك الجديد من منطلق "ان الغاية تبرر الوسيلة" ان هذه التزاوج السياسي غير الطبيعي له تبعات ومردود كبير جدًا لا يخدم مصلحة ميرتس، لقد تجاهلت هذه الحركة مشاعر الكثيرين من ناخبيها العرب، لأن شخص براك وتاريخه العسكري والسياسي لا يختلف عن تاريخ أي زعيم صهيوني اياديه ملطخة بدماء الفلسطينيين.

هذه الحركة أكدت بأن الفكر الصهيوني العنصري يجري في عروقها، وانها قابلة للالتحام أو التزواج مع أي حزب صهيوني آخر، واذا صح ما نشرته احدى الصحف العبرية حول مشاركة حركة ميرتس حزب الليكود في لعبة الكاميرات السرية التي استخدمها أعوان الليكود في الانتخابات السابقة داخل المجتمع العربي، فهذا يؤكد ان حركة ميرتس تتعامل مع المواطنين العرب بمكيالين.

أما حزب العمل فقد قام عشية هذه الانتخابات بدق آخر مسمار في نعش وجوده السياسي، رغم أنه حزب متآكل وحزب قد اذدنب أكثر من مرة وراء حزب الليكود، عشية هذه الانتخابات قرر التحالف مع حركة " غيشر " بقيادة ابنة مؤسس هذه الحركة "دافيد ليفي"، رجل الليكود المعروف الذي هدد في آخر أيامه السياسية أنه يجب قتل عشرة أطفال فلسطينيين مقابل مقتل أي طفل إسرائيلي، ان ابنته "اورلي ليفي" حليفة حزب العمل ما هي سوى فسيلة من غيئولا كوهين وشاكيد وغيرهن  من العنصريات الاسرائيليات، وهناك من يعتبرها بصمة من بصمات حزب الليكود.

أن تشابك الأحزاب هذا والتناقضات والتناحرات بين قادتها لم ولن يبشر بالخير وسوف تبقى أجواء الحياة السياسية عكرة وغير مستقرة. 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب