news
ملحق الجمعة

ما ان اقترب من باب بيتها في ساعة متأخرة من الليل، قاطعا مشوارا طويلا وهو مطارد، حتى خارت قواه ولم تعد رجلاه تقويان على حمله فسقط ارضا. زحف على بطنه تحت زخات من المطر الى ان لامست يداه الباب. استفاقت جوليا من نومها مذهولة من وقع طرقات على باب بيتها. جاءت الطرقات ضعيفة ومتقطعة وغير متوقعة. فركت عينيها بكلتا يديها ونحت بنظرها نحو الساعة المعلقة على الحائط، لمعت عقاربها الذهبية واستقرت عند العشر دقائق قبل منتصف الليل. 

أخذ الخوف والقلق يتسللان إلى قلبي.

"من يطرق باب بيتي في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟" تساءلت!

"لم يزرني أحد من قبل في مثل هذه الساعة ولا حتى في اي وقت آخر. وحيدة انا في هذه الدنيا،لا اعرف احدا ليأتي لزيارتي او يطرق بابي. منذ نعومة أظفاري وانا اعاني من نوم خفيف. اي اصوات او ضوضاء مهما كانت خافتة توقظني من نومي مضطربة مذعورة. وفي كل مرة تعتريني تلك الأحاسيس والهواجس. جسدي يرتجف بل ينتفض من الخوف وتصيبني القشعريرة، وها أنا أحس بحبات العرق تتدحرج على جسدي. انقبضت يداي فانغرست أظافري عميقا في كفي. المواقف الغامضة تشل حركتي وتفكيري. تعيدني إلى ماض بعيد، تذكرني بمآس ومصائب حلت بي وعائلتي، وتأخذني الى تلك الأيام العصيبة المظلمة.

"تبًا، كم من السنين مرت! وما زلت أعاني من تبعاتها ولم استوعب بعد كيف نجوت من رعب تلك الأيام الكارثية ومن أهوالها. الأصوات لا تفارقني، هي الأصوات ذاتها. صراخ نساء ورجال، بكاء أطفال، ضجيج ابواب حديد وسلاسل، وقع خطوات ثقيلة تقترب ورائحه بارود... 

"الطرقات على الباب وإن خفتت لكنها لم تتوقف. خرجت من الغرفة وأشعلت النور في الممر المؤدي الى المدخل. ماذا علي ان افعل الآن؟ انا امرأة وحيدة وضعيفة كيف ادافع عن نفسي ومن يأتي لنجدتي اذا ما حل بي سوء، حتى اذا صرخت لا احد يسمعني. انني احتاج للكثير من الشجاعة التي افتقدها الآن. تسمرت مكاني وكأنما الزمن توقف ايضا عن المسير، كل دقيقه كأنها دهر. ما زلت ارتجف والبرد قارس. مترددة اكملت المسير بخطى ثقيلة الى ان اقتربت من الباب. ها انا اقف امام الباب محتارة.. استجمعت قواي ازرت نفسي وحبست أنفاسي. وضعت اذني على الباب علّني اسمع ما يهدئ من روعي... لم اسمع شيئا!

"هل انا في حلم؟ اين اختفى الصوت؟"

  • "من هناك؟ " قلت بصوت خافت لا يخلو من الخوف.

صمت!

اعدت السؤال. 

لا احد يرد.

انه لأمر غريب! ثم كررت السؤال. من الطارق؟ 

فجأة سمعت صوتا ضعيفا كأنه يأتي من بعيد. 

  • "انا سالم".

  • سالم؟! من يكون هذا سالم؟ تمتمت بيني وبين نفسي.

ثم استطرد قائلا: "أنا سالم (مويشلي) ألا تذكرينني؟ "

  • "لا لا اذكرك. من انت وماذا تريد؟ ".

صمت ولم يجب. 

أمر غريب حقا.

  • مويشلي، مويشلي اخذت اردد الاسم واعتصر ذاكرتي.

ثم استطرد قائلا بصوت مرتجف مخنوق. "انا سالم مويشلي عملت في البقالة عند السيد دوف (دوفلي)". صمت. 

تمر الدقائق ثقيلة وانا استقطر ذاكرتي.

  • آاه.. ربما يكون ذاك الفتى الذي كان يعمل في بقالة دوف الوحيدة في الموشاف. 

والاسم مويشلي التصق به. حتى جدتي رفقه كانت تناديه تارة مويشلي وتارة محمدين!. ومن ثم رأيته يتجول مع حماره في شوارع البلدة "المستعمرة" الموشاف يبيع الخضار والفواكه. نعم كنا نعرفه بهذا الاسم "مويشلي". وأذكر ايضا انه اتقن لغة الايديش التي تكلم بها قاطنو الموشاف في تلك الفترة.

وللمفارقة.. الاسم مويشلي وأسلوب حديثه في الايدش رغم الخوف والقلق افقدني السيطرة على نفسي وادخلني في نوبة هستيريا من الضحك ومن ثم اجهشت بالبكاء. "المضحك المبكي" قلت لنفسي إذ تذكرت جدتي رفقه رحمها الله حين قررت وهي على فراش الموت قبل مفارقتها الحياة ان تسمي العرب وتنعتهم بـ "المحمدين".

المصطلح "المحمدين" دائما أثار عندي الضحك كلما سمعته. لا علم لي من أين أتت جدتي رفقه بهذا المصطلح أو كيف اوجدته. 

  • سالم مويشلي ماذا تريد؟ سألته بحزم.

  • "اطلب مساعدتك لا يوجد لي اي مكان ألجأ إليه". اجاب 

ضعف صوته وتنهداته تدل على ما يبدو أنه في محنة.

انا في حيرة من امري، ماذا علي ان افعل؟

اسئلة كثيرة تدور في خاطري. هل اتركه وشأنه ليذهب أينما شاء؟ لست انا المسؤولة عنه ولا عن مصيره. عندي ما يكفيني من المتاعب.

من الذي اتى به إلى بيتي بالذات وفي مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

هل افتح الباب وادخله إلى بيتي؟ انها مخاطرة غير محسوبة وقد تكون مغامرة كبيرة العواقب. كيف اشرح للجيران في هذا الموشاف البغيض اذا ما كشف امر وجوده في بيتي.. والأهم من هذا كله من يضمن لي سلامتي؟ 

.. ولكن! 

كيف لامرأة مثلي ان تتجاهل صرخات مستغيث؟ هل اسمح لنفسي ان لا اقدم له المساعدة. وهل اتحمل الندم وتأنيب الضمير اذا ما اصابه سوء؟ تذكرت جمله جدتي رفقه التي كانت ترددها.

 "الأسى ممكن ان يُنسى لكن الندم يلاحقك ما دمت حيا".

كيف لا وانا التي لولا مساعدة الآخرين لما نجوت من معسكرات الموت النازية في بولندا؟

لم اعط نفسي مزيدا من الوقت لأتردد، استجمعت قواي أمسكت المفتاح بحذر شديد وانا ما زلت امسك بيد الباب. تنفست نفس عميق وفتحت الباب.

انا لم افهم لماذا آخذ على عاتقي هذه المغامرة؟

استرقت النظر عبر فتحة ضيقة، الضوء الذي جاء من داخل البيت كشف جسم سالم الملقى على الأرض. صدمني منظره الكئيب، انحنيت أمسكت سالم من يده وعنته بالوقوف. ارتجفت رجلاه وبصعوبة حملته. رافقته ببطء إلى داخل البيت واجلسته على الاريكة. 

نظرت إلى الضيف غير المتوقع الذي هبط للتو فجأة في بيتي. ملابسه ممزقه جروح وخدوش على وجهه وجبينه واغلب الظن على أجزاء أخرى بجسمه.

احاول تنظيم افكاري لأهدئ من روعي.

 سالم لم يعد ذاك الشاب الذي عرفته. يجلس أمامي رجل طويل القامة عريض المنكبين في عيونه الغامقة نظرات حادة ثاقبة. شعره الجامح سقط عل جبينه، أسنانه البيضاء لمعت خلاف (عكس) بشرته السمراء.

في هذه اللحظة استوعبت حجم المسؤولية التي أخذتها على عاتقي. 

الصمت رهيب والجو متوتر.

تركته وتوجهت إلى المطبخ، او بالاحرى هربت إلى المطبخ. مكثت بعض الوقت أقطع مساحة مطبخي الصغير ذهابا وإيابا. عدت مع كأس ماء وقدمته له، وباشرت بتقدم المساعدة الاولية لمعالجة الجروح التي تبدو جميعها بسيطة وسطحية. اما سالم فطأطأ رأسه وانكمش في مقعده صامتا. شعرت أنه متوتر الاعصاب منزعج ربما بالاضافة إلى الخوف والقلق عنده احساس بالذنب والحرج لما آلت إليه أحواله ومن الطريقة التي اقتحم بها بيتي.

لا بد أنه جائع وعلي ان اقدم له بعض الطعام. فكرت!

دخلت المطبخ حضرت له الشاي والطعام، مطارقة الاطباق انتهكت الصمت. بعد ان اكل بعض الطعام وشرب الشاي استحوذ عليه النعاس. سوف يقضي هذه الليلة في بيتي لا محالة. الشيء الذي لم يكن بالحسبان. ماذا أفعل به؟ 

قبل أن يغط في النوم على الاريكة اعتقد انه من الأفضل له أن يستحم. أحضرت له المنشفة وبيجامة ابن اختي داني الذي كان يسكن معنا انا وجدتي رفقه في هذا البيت. سوف ادعه يقضي ليلته في غرفة داني. أشرت لسالم بيدي عن مكان الحمام ليذهب للاستحمام. توجه الى الحمام طاعة لامري رغم عن ارادته على ما يبدو.

تركته!

 في هذه الاثناء توجهت إلى غرفه داني كي ارتب له السرير. ما ان انتهيت خرجت من الغرفة متجهة إلى الصالون، عندما مررت من امام الحمام الواقع بين غرفه داني والصالون. كان باب الحمام مواربا، نصف مغلق، وقع نظري عفويا على سالم والماء 

ينصب على جسده الصلب بلون الأرض. ارتبكت! اشحت بوجهي وغادرت المكان مسرعة إلى الصالون. أحسست بشيء ما غريب يمر بجسدي لم أعتده من قبل. ارتجاف كأنه تيار كهربائي يمر بجسدي. 

 الشيء اخافني.

ألاحداث التي تتوالى تباعا في هذه الليلة تخنق ارادتي واحس بالعجز من عدم قدرتي السيطرة عليها.

 رغم الخوف والقلق لم أعر اي اهميه لما يدور بداخلي. جلست على الاريكة محاولة تجاهل ما رأيته والتخلص من تلك الافكار. ولكن موجة الحرارة التي لم تتوقف تأبى المغادرة بل تتعاظم.

 يا الهي الوضع يبدو اسوأ مما اعتقدت. هذا الشيء الغريب الذي احس به الآن لم يحصل لي من قبل. ماذا جرى لي؟ انني لا اقوى على مقاومته. 

 بداخلي صراع عنيف بيني وبين نفسي. عليّ التخلص من هذه الرغبة الجامحة التي تحاول الاستيلاء علي وتفقدني ارادتي في السيطرة على نفسي. 

دخلت غرفة نومي وأغلقت الباب بإحكام. وقع نظري على الصور المعلقة على الحائط. تزاحمت الافكار والذكريات. امعنت النظر في الصورة التي أظهر فيها انا وأبناء عائلتي. تبدو الكآبة على وجهي والحزن في نظراتي. كنت في الخامسة عشرة من عمري. ما اشبه الماضي بالحاضر والأمس باليوم رغم السنين كأن شيئا لم يتغير. منذ ان وصلت إلى هنا وانا اسيرة هذا المكان الموشاف، حياة بلا آفاق!!

 كأنما انتقلت من معسكر اعتقال الى سجن كبير ولا فرق بينهما. ولا فرق بين "أيزك " اليهودي "صديق العائلة". أيزك ذاك العميل النازي اللعين الذي قادنا إلى المسلخ كالبهائم وادخلنا معسكرات الاعتقال. انه نازي اكثر من النازيين. كان يضايقني وكم حاول اغتصابي. كما حاول بعضهم لاحقا هنا في الموشاف "الملاذ الآمن" في أرض الميعاد!!. لا فرق بينه وبينهم. وإن اختلف الأسلوب. 

أيزك الشرير اتخذ من القوة والتهديد اسلوبا لتحقيق مآربه الذاتية لإرضاء شهواته. اراد اغتصابي والاستحواذ علي بالقوة. لكنني قاومته ودافعت عن نفسي بشدة، افشلت كل محاولاته، ولم ينل مني شيئا. 

أما هنا! في هذا المعسكر الكبير "الموشاف" باختلاف المكان والزمان أخذت الامور منحى آخر وان كانت المآرب والنوايا هي نفسها ولكن بأساليب مختلفة. فتحت ستار من الانسانية وتقديم المساعدة "والنوايا الحسنة" كأنهم مبعوثو الرب على الأرض، حاولوا استغلال ضعفي ووحدتي من اجل إخضاعي والنيل مني.

 هناك كان أيزيك واحد، اما هنا يوجد الكثيرون من المستنسخين امثاله. ولكن بتجربة من تعيش المأساة لم يكن من الصعب علي اكتشاف نواياهم الحقيقية رغم سذاجتي وصغر سني.

تبًا لتلك الساعة المعلقة على الحائط تدق في كل ساعة. ها هي دقاتها تعيدني إلى الواقع وتذكرني بسالم. 

من انت سالم، من انت مويشلي، من انت محمدين؟ 

الوقت يمر ببطء شديد.. انها الواحدة بعد منتصف الليل. كم انتظر قدوم الصباح بفارغ الصبر. 

 بعد الحمام أحس سالم ببعض الارتياح والطمأنينة. متألما من جراحه ارتدى البيجاما ببطء. توجه إلى الصالون وجلس على الاريكة وحيدا. وضع رأسه المثقل بالهموم والمتاعب بين يديه مسترجعا الأحداث منذ مغادرة بيته برفقة حماره صابر قبل بزوغ الشمس، هذا الصباح.

ما يشغل بالي ويقلقني مصير حماري صابر. قال لنفسه.

اين هو الآن يا ترى؟ هل هو بخير؟ لماذا تركته ومصيره بعد إطلاق النارعلينا من قبل الجنود في الصباح؟ ما اخشى ان يكون مصيره مشابها لما لاقاه حماري جابر الذي بترت ساقه إثر إصابته بطلق ناري. في المرة السابقة عندما اطلق الجنود النار علينا، نجوت انا وأصيب حماري جابر. رغم إصابته عاد في اليوم التالي الى البيت وحيدا. هذا هو حالنا، صراع يومي ومخاطر من اجل لقمه عيشنا.

لكن ماذا كان بإمكاني فعله من أجل حماري صابر في مثل هذه الظروف عندما فاجأنا الجنود بإطلاق النار علينا.؟ طاردوني حتى وصلت الى هنا. لولا درايتي بتضاريس المنطقة واتقاني للمناورة والتخفي لما نجوت. الفضل كل الفضل يعود للمرحوم والدي الذي دأب على تعليمي وارشادي كيفية التأقلم مع مثل هذه الظروف. كان يردد على مسمعي جملته الشهيرة، "قتلت أرض جاهلها". 

 كي يحثني على التعليم وإكمال الدراسة. ولكن يد الغدر لم تمهله طويلا. نصب له الجنود  كمينا، اطلقوا النار عليه وأردوه قتيلا. ما اضطرني إلى ترك مقعد الدراسة في سن مبكرة والخروج للعمل لأعيل عائلتي. كم انا محتاج اليه الآن في هذه الأوقات العصبية. 

ليته هنا. اني افتقده ومشتاق اليه..

استجمعت جوليا المرهقة ما تبقى من قواها النفسية والجسدية رغم ما مر بها من متاعب خلال هذا اليوم وهمّت بالخروج من غرفتها. من المؤكد أن سالم استحم ويجلس في الصالون.علي أن أكون قويه يجب أن لا أظهر ضعفي امامه، تمتمت،. 

ما ان فتحت الباب حتى وقع نظرها على سالم الجالس على الاريكة في الصالون يرتدي البيجاما. منظره بدا مضحكا، البيجاما جاءت اصغر من مقاسه!

بادرته بالقول بصوت عال فيه نوع من الجفاء محاوله إخفاء ضعفها "امل ان حالتك تحسنت بعد الحمام، هل لك أن تحدثني ما مر بك هذه الليلة "؟

" نعم.. نعم" قالها وهو يهز رأسه، دون أن يلتفت إليها. تململ في مكانه متضايقا من ضيق البيجاما على جسمه. 

جلست جوليا على الاريكة المقابلة لسالم. جلست مرتبكة حائرة، الخوف بعينيها يأبى المغادرة.

 رمته بنظرات المودة.

أخذ سالم يروي لها قصته ولون الحزن القاتم تغلف نبرات صوته. القى على مسامعها بصوته الهادئ الرزين القصة كاملة منذ خروجه من بيته، كيف طارده الجنود وهم يطلقون النار عليه، الى ان استقر به المطاف امام بيتها في منتصف الليل.

اصغت جوليا لحديث سالم بكثير من الفضول والاهتمام وهي ترمقه بنظرات الشفقة التي لا تخلو من الإعجاب ومن المودة ثم من الانجذاب، وينتابها ذاك الشعور بالرعشة التي هزت جسدها المتعطش. لديها رغبة جامحة لعناقه..

ها هي ساعة الحائط تدق للمرة الثالثة منذ دخول سالم بيتها. قطعت عليها حبل افكارها. اهتزت جوليا في مقعدها مرتعبة.

 انها خائفة على نفسها من نفسها هذه المرة!

قالت لنفسها: "لم يكن لدقات هذه الساعة اللعينة عندي اي معنى ولم أعر لها اي اهتمام، اما الآن ها هي تستفزني، لا احتمل الاستماع لتلك الدقات. كان من المفروض علي التخلص منها منذ زمن بعيد". 

ولإنقاذ نفسها من مأزقها قالت متمتة: "يجب علينا الافتراق بأسرع ما يمكن. حان وقت النوم".

بعد يوم طويل مليء بالمفاجآت والاحداث المقلقة استولى عليهما النعاس وبدا التعب والإرهاق على وجوههم. فجأة وبدون اي مقدمات قالت من اجل اختصار الموقف بصوت فيه بعض التوتر آمرة:

 "هيا يا سالم قد حان وقت النوم لنلتقي في الصباح اخلد إلى فراشك، تصبح على خير." 

ولت جوليا مسرعة هاربة إلى غرفتها! كيف يهرب الانسان من نفسه؟ تساءلت.

 افترقا كل الى فراشه. ذهب سالم حيث أشارت له باتجاه غرفه نوم داني. وما ان القى بجسده على السرير حتى غط في نوم عميق. 

بعد أن خلعت ملابسها خلدت هي الاخرى إلى الفراش عارية كعادتها محاولة تهدئة نفسها. اغمضت عينيها لتنام، تقلبت على الفراش والأفكار تراودها. انها تفكر بسالم.

تساءلت قائلة: من الذي بعثه ليقلق مضجعي ويدخلني في متاهات ومتاعب انا في غنى عنها. انها المرة الاولى التي أشعر بها بالضعف وعدم القدرة على المقاومة؟

هل الصدفة قادته الى بيتي ام قدره جاء به إلى هنا، هل هي إرادة الله، أم ماذا؟ 

هل سالم نائم ام قلق مثلي؟ هل يفكر بما أفكر به يا ترى؟ يراودني هاجس غريب يشدنى اليه. ارغب بالذهاب اليه. لم لا، فأنا املك الرغبة وعندي الارادة على اتخاذ القرار ولكن هل عندي ما يكفي من الجرأة، الثقة بالنفس، والشجاعة لأخطو مثل هذه الخطوة؟ انها فكرة محمومة، مجنونه تستولي على عقلي. 

نهضت من فراشي عارية توجهت مباشرة دون تردد إلى غرفته. ها انا أقف امام الباب عارية، البرد قارس بعض الشيء. هل ادق الباب وانتظر ردة فعله. ام افتح الباب وأدخل؟

لكن! لماذا في هذه اللحظة وانا اقف هنا امام باب غرفة نومه تنتابني تلك الأحاسيس والمشاعر والاضطرابات التي انتابتني وانا بمثل بهذا الموقف وسالم في الجهة المقابلة يطرق الباب من خرج؟

متجاهلة لما يدور بداخلها من صراع وقفت جوليا امام الباب مستمدة من اصرارها بشجاعة على حسم الموقف واتخاذ القرار. انها المرة الاولى في حياتها التي تتحدى بها نفسها تثور وتتمرد على العرف والتقاليد، لتأخذ مصيرها بيدها وتنساق وراء اهوائها وشهواتها.

 من دون اي تردد فتحت الباب وهي معجبة بنفسها راضية عن قرارها متفاجئة من شجاعتها غير المعهودة تسللت مبشرة إلى سريره.!

استفاق سالم من نومه مبكرا رغم سهره حتى ساعة متأخرة من الليل. الغرفة ما زالت مظلمه بعض الشيء. جال بنظره حول الغرفة ببطء، غير مستوعب ما تراه عيناه، كل شيء يبدوغريبا، غير مألوف. تساءل مستغربا اين انا. هل انا في حلم أم حقيقة أم انه خيال؟ ما ان وقع نظره على جوليا بجمالها غير العادي مستلقية بجانبه عارية ارتبك مصدوما وارتجف جسمه مرعوبا. اغمض عينيه واستسلم للنوم ثانية ظانا منه انه في حلم. فيما هو بين النوم واليقظة والشك واليقين.

احتضنته جوليا ثانية طوقته بذراعيها، وشدته اليها بقوة. فأحس سالم بالدفء والطمأنينة ولذة العناق. لا يعرف كيف تلاقت الشفاه، تلامست الاجساد، وتشابكت الأيادي. وأبحر في قارب الحب الى المجهول..

بعد ليل طويل عاصف، مليء بالألغاز والمفاجآت استفاقت جوليا لواقع جديد، تبدو النشوة على وجهها الوردي،عيناها الزرقاوان لمعتا كالبنفسجة مع نسيم الصباح تتراقص في نداها. ارتوى سالم وبنهر الحب وأروعها.

مضطرة مرغمة على فراق الفراش نهضت جوليا مسرعة للاعتناء بمزرعتها الصغيرة. أمامها يوم عمل طويل. عليها حلب البقرات والاعتناء بباقي البهائم. لكنها أنجزت كل ما هو ضروري فقط ليتسنى لديها متسع من الوقت لتحضير طعام الفطور لسالم ولقضاء مزيدا من الوقت معه في الفراش.

 لنباح الكلام التي تواصلت بينها كالحوار وصيحات الديوك كأنها المناجاة استفاق سالم للمرة الثانية هذا الصباح. 

فجأة انتفض في فراشه.

 لقد تذكر حماره صابر! جال بنظره متسائلا حائرا ان هو في حلم أم في علم. اين صابر من أتى بي إلى هنا؟ هيأ نفسه وهم للخروج بحثا عن حماره صابر.

غير مستوعب واقعه وما يدور في رأسه من تزاحم افكار. بين الواقع والخيال، الحلم واليقظة، بين الشك واليقين وجد سالم نفسه عاريا في فراش غير فراشه في بيت غير بيته. أخذ يسترجع برأسه شريط الأحداث. تذكر كل شيء. ما عدا الشيء الذي حصل بينه وبين جوليا في الفراش هذه الليلة. بل مستبعدا ناكرا ورافضا له، غير قادرا على استيعابه لكونه مخالفا لمعتقده الديني وعقله الشرقي المحافظ ولاخلاقه الحميدة. مستغربا كونه عاريا، خجل من نفسه كيف أروده المشتهى في طيف من الخيال لاستحضارها في منامه واغتصبها استحلاما في خياله إرضاء لشهوته. نادما تساءل "هل هذا هو جزاء المعروف. لقد استبحت حرمة بيتها ليلا وها انا اسمح لنفسي باستباحة عرضها سرا"؟

لكن!

جاءته الصدمة صاعقة. بينما هو غارق في افكاره وتهيؤاته أحس برطوبة في الفراش جراء الجماع. ارتبك ظنا منه انه بال على نفسه لا اراديا في الفراش. فانتابه شعور بالخزي والعار والعجز والندم. لا حولا له ولا قوة ارتدى سالم ملابسه وخرج من البيت مسرعا هاربا هائما على وجهه محزونا...


 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب