news
ملحق الجمعة

نعيم موسى: مراجعة لكتاب تمير سوريك حول توفيق زيّاد، "المتفائل "| تقديم: جعفر فرح

نعيم موسى شاب عمره 20 سنة، ابن عوني خبير بقواعد البيانات المعلوماتية وسهى المديرة التنفيذية لمركز مساواة، وحفيد الراحل نعيم موسى ( سيلاوي)، الذي كان جار توفيق ونائلة زيّاد بالحارة الشرقية مع زوجته الرائعة نبيلة موسى، الناشطة لليوم في الأطر السياسية والاجتماعية.

نعيم يعيش في الولايات المتحدة، وهو أحد شباب مركز مساواة المبدعين، ينسّق العمل الإعلامي لأصدقاء مركز مساواة في الولايات المتحدة. يكتب مقالات سياسية واجتماعية باللغة الإنجليزية ويشرح من خلال كتاباته قضيتنا. يدرس علوم سياسية وعلم الحاسوب في جامعة نيويورك.

لم يعرف نعيم الشاب القائد توفيق زيّاد ولكنه اختار أن يكتب مقالاً عن كتاب جديد صدر لتمير سوريك تحت عنوان "المتفائل- توثيق اجتماعي لتوفيق زيّاد"، صدر بـ264 صفحة عن دار نشر جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة في اللغة الإنجليزية. مقال نعيم نشر بموقع تقدمي بالولايات المتحدة باسم "موندووايز". بطلب من الصديقة ورفيقة درب توفيق زيّاد الرائعة نائلة زيّاد قررت محاولة أن أكتب عن المقال. الكتاب نفسه صدر مؤخرًا باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة وغير متوفر حاليًا في البلاد؛ ويعمل حاليًا د. باسيلا بواردي على ترجمته ليصدر باللغة العربية.

من المهم أن يقوم باحث، مثل الكاتب المذكور، بمراجعةٍ لعمل قيادات سياسية واجتماعية ساهمت بتثبيت وجودنا في الوطن وساهمت ببناء مؤسساتنا الحزبية والوطنية والبلدية. تنقصنا دراسات لتجارب سياسية وثقافية تعطي للشخص حقّه بالسياق التراكمي والنوعي. واقترح على الباحثين إجراء دراسات على شخصيات مثل توفيق طوبي الذي شارك في قيادة شعبنا الفلسطيني منذ النكبة وحتى أواسط الثمانينات. أشكر الكاتب تمير، ونعيم على فرصة قراءة المقال باللغة الإنجليزية ومحاولة التعريف بالكتاب من خلال المقال وعائلة توفيق زيّاد التي أعطتني الفرصة أن الخّص قسما من مقال نعيم عن كتاب "المتفائل".

كلّي ثقة أننا سنجد من يكتب عن الكتاب باللغة الإنجليزية واللغة العربية لنخرج من الوصف العام لتوفيق زيّاد لنفهم التفاصيل التي ساهمت ببلورة هوية هذا القائد وأهمية الحفاظ على صورته الحقيقية فكريًا وأدبيًا.

***

هذا بعض ما ورد في مقال نعيم:

"للكثيرين، ومنهم أنا نفسي/ سبعة قرون من الاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني حطّم تصوّر وحلم الحل الذي يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني والإسرائيلي. العقدان الأخيران بالأخص كانا الأسوأ من ناحية الحلم بسبب سياسة حكومة نتنياهو واليمين العنصري الذي يحطم كل فرص تحقيق حلم الشعب الفلسطيني لتحصيل حقوقه ونيل العدالة.

بالنسبة للفلسطينيين داخل إسرائيل (المعروفين أيضًا كعرب 48)، النضال الفلسطيني العام هو شأن مصيري يؤثر عن المكانة التي فرضت علينا بالذات.

في كتابه، يصف سوريك، باحث بدرجة بروفسور في جامعة فلوريدا، بعمقٍ تفاصيل حياة وعمل توفيق زيّاد، أحد أهم شعراء وقيادات الشعب الفلسطيني. ولد زيّاد عام 1929؛ كان شيوعيًا ملتزمًا وقائدًا سياسيًا داخل إسرائيل. أثّر على نضال المواطنين الفلسطينيين في الداخل، ملتزمًا بوحدة النضال الفلسطيني الأوسع. ولكن أكثر من كل شيء، ممكن أن نصف زيّاد بالمتفائل – الذي لا يستسلم لفكر ويعمل على تحقيق السلام العادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

سوريك، وبالتعاون مع مساعدي البحث ناريمان جمال وميعاد حسن، لم يتركوا أي زاوية خلال بحثهم حول زيّاد وتأثيره على النضال الفلسطيني والسياسة الإسرائيلية.

يصف الكتاب بدايات نشاط توفيق زيّاد السياسي في سنوات الخمسينيات وهو يتحدى الاحتلال والحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل. قناعاته لم تتزعزع وأصبحت جزءًا من نشاطه السياسي. إحدى التجارب الأولى، ومن أكثر التجارب التي عُرفت عن تجارب توفيق زيّاد ورافقته بحياته كان اعتقاله وتعذيبه بسجن طبريا والذي حصل في أعقاب خطابه يوم 16.3.1954 في مدرسة قرية عرابة ضد السياسة اللاأخلاقية التي مارستها إسرائيل ضد الفلسطينيين في الجليل. حيث فرضت الحكومة على المواطنين العرب ضريبة الرأس. وبموجبها يدفع كل مواطن عربي ضريبة موحّدة. اعتقل زيّاد في أعقاب هذا الخطاب في الناصرة بتهمة الشغب واقتادوه إلى معتقل طبريا. يصف سوريك في كتابه تفاصيل التعذيب المروعة التي عانى منها زيّاد، بالتفاصيل البسيطة، وأسلوب زيّاد في الدفاع عن نفسه أمام هذا التعذيب:

"عندما جلس على المقعد، أمره السجان أن يقف، ولكنه رفض، وأجبره حارسان اثنان على الوقوف وألقيا به في السجن الانفرادي. وفي المساء قدموا له الخبز والماء ولكن زيّاد رفض قبول الوجبة (سوريك 58). ضربه وعذبه الحراس حتى فقد وعيه. سكبوا الماء عليه وكرروا الاعتداء عليه عدة مرات خلال اعتقاله. ولكنه كان يرد عليهم جسديًا وكلاميًا. حوكم زيّاد في محكمة عسكرية في أعقاب اعتداء طبريا بتهمة الاعتداء على رجال الشرطة. وحوكم زيّاد في أعقاب مقاومته للاعتداءات في محطات الشرطة بالسجن الفعلي والتغريم. كانت لأساليب التعذيب في سجن طبريا تأثير هام وكبير على زيّاد وقد استخدم الحدث للتأثير وتحريك المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل".

يكرس سوريك أجزاء واسعة من كتابه لقصائد توفيق زيّاد. وقد كان الشعر أولوية عند زيّاد قبل مزاولته السياسة ودخوله الى الكنيست حيث تم التعامل معه كـ"شاعر الثورة"، حيث انتشر شعره بين الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية وغزة وباقي الشعوب العربية. ويعتبر الشاعر زيّاد ضمن أهم الشعراء في عصره وبينهم محمود درويش، سميح القاسم، وطه محمد علي. وقد اعتبر غسان كنفاني بكتابه "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة خلال سنوات 1948-1966" شعر توفيق زيّاد ومحمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران ضمن أهم الأعمال الأدبية بعد النكبة. كتب زيّاد عن تجربة الاعتقالات في أيّار 1958 من سجن الرملة قصيدة "من وراء القضبان".

استخدم سوريك بكتابه اقتباسات من أدب توفيق زيّاد للإشارة إلى التطورات والنشاط السياسي لتوفيق زيّاد، ويتعمق سوريك بالإنجازات السياسية إلى جانب العمل الأدبي والشعري.

يعتبر سوريك أن أحد أهم إنجازات زيّاد كانت قيادة حركة الاحتجاج لتنظيم يوم الأرض في 30 أذار عام 1976 كإضراب وطني احتجاجًا على مصادرة الأرض الفلسطينية والذي يتم إحياؤه سنويًا، ويصف سوريك محاولة السلطات منع الإضراب من خلال عقد اجتماع لرؤساء السلطات المحلية والتي استخدم فيها زيّاد الجماهير المجتمعة خارج البناية قائلا "لن تقرروا، هذه الجماهير هي من ستقرر". هذا الإيمان بإرادة الجماهير والصراع الطبقي كان عميقًا بفكر زيّاد الشيوعي ورافقه بعمله السياسي.

يقول سوريك "خدم زيّاد بنفس الوقت كرئيس بلدية الناصرة- أكبر مدينة فلسطينية في إسرئيل - وكعضو كنيست عن الحزب الشيوعي "راكاح" (ولاحقًا الجبهة). أحيى كرئيس بلدية مسيرة أول أيار الأولى وخطب بآلاف المتظاهرين مستخدمًا شعره بالخطاب. ولكن درّة التاج كانت تحريك الجماهير من خلال تنظيم مخيمات العمل التطوعي التي واجهت التمييز السلطوي بالميزانيات والتي ساهمت بتطوير وبناء أحياء كاملة في مدينة الناصرة. استقطبت المخيمات عشرات آلاف المتطوعين من إسرائيل، الضفة الغربية والعالم".

رفض توفيق زيّاد التنازل عن حقوق الفلسطينيين المواطنين والمتواجدين تحت الاحتلال على المستوى القطري وخلال عمله البرلماني. صراحة توفيق زيّاد وروحه الكفاحية كانت دائما حاضرة في الكنيست ورفض أن يصمت حول انتهاكات حقوق شعبه الفلسطيني مما حوّله إلى ندٍ في مواجهة أعضاء الكنيست الصهاينة من اليمين المتطرف وقد تكررت المواجهات معهم والتوتر بينهم كان سيد الموقف، حيث رفض زيّاد التنازل أو التردد بالصراخ ضد أعضاء الكنيست العنصريين.

لم يتركز توفيق زيّاد بعمله الأدبي دون تحقيق الإنجازات الوطنية السياسية. قاد زيّاد الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية لدعم ائتلاف حكومة رابين خلال اتفاقيات أوسلو، وتشكيل الأغلبية البرلمانية لمنع انهيار حكومة رابين وتصدى لمعسكر اليمين.

لم يدعم زيّاد حكومة رابين بدون مقابل وقد وضع قائمة مطالب متكاملة مقابل دعم العرب لحكومة رابين. قاد زيّاد المواطنين الفلسطينيين الى مكانة قوة برلمانية غير مسبوقة، استخدمت لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني وعودة منظمة التحرير الفلسطينية الى أرض فلسطين للمرة الأولى منذ نكبة 1948.

يخصص سوريك بكتابه قسما خاصا حول الفكر الشيوعي لزيّاد. حيث آمن زيّاد بالتضامن الطبقي ومناهضة الاستعمار. لم يتردد زيّاد بالدفاع عن مواقفه الاشتراكية بما في ذلك بمواجهة موقف القائد عبد الناصر عام 1959 عندما تبنى مواقف معادية للشيوعية.

آمن زيّاد بالفكر الماركسي الذي بلور تصوره حول المصالحة الفلسطينية-الإسرائيلية وكانت مرجعيته المتفائلة للشراكة اليهودية العربية "آمن ببناء الجسور مع اليهود الإسرائيليين بسبب إيمانه بالإنسانية والصراع الطبقي" (سوريك 282).

وقد كتب زيّاد قصيدة خاصة تحت عنوان "المناشير المحترقة" التي خصصها الى "الأصدقاء اليهود الذين وزعوا المناشير عن الشهداء الخمسة في قلب تل أبيب- ساحة ديزنجوف- فاعتدى عليهم عناصر الشرطة ومزقوا ثيابهم وحرقوا المناشير والكتب التي كانوا يحملونها".

إضافة إلى ذلك يشير سوريك إلى قدرة زيّاد على إيجاد المعادلة الصحيحة بين الأيديولوجي والعملي. عرف كيف يوازن بين حق الشعب الفلسطيني بالتحرير وممارسة نشاطه السياسي وبين محدوديات مواطنته الإسرائيلية.

يورد سوريك كأحد النماذج أحداث مخيم العمل التطوعي عام 1980 عندما رفع المتطوعون من نابلس ورام الله العلم الفلسطيني الممنوع على المنصة في افتتاح مخيم العمل التطوعي. حيث اعتلى المنصة ثلاثة شباب ولوحوا بالعلم الفلسطيني الذي اعتبر غير قانوني في حينه. وقد حاولت الشرطة خلال المخيمات المذكورة الاعتداء على المخيمات وخصوصًا على المتطوعين من المناطق الفلسطينية المحتلة.

وصف الموقف الصحفي الإسرائيلي دافيد هليفي كالتالي: "اعتلى زيّاد المنصة وركض بين المقاعد واختفى داخل الناس ومعه العلم. وبعد دقائق غادر مع العلم الفلسطيني بلطافة واحترام وسلمه لشخص لإبعاده" (سوريك 188). تعتبر خطوة زيّاد بإبعاد العلم باحترام تعبيرا عن تصرفه العقلاني والمسؤول خلال مراحل مختلفة من النضال الفلسطيني. اعترف زيّاد بأهمية التضامن والتكامل الفلسطيني واستخدام الرموز ولكنه عرف أنه يوجد مكان وزمان لكل رمز وعلينا أن نعي الظروف التي نعمل فيها (Sorek, 189).

اختيار عنوان الكتاب "المتفائل" هو اختيار موفق. حيث يكشف سوريك أن زيّاد على الرغم من الظروف القاسية كان دائم التفاؤل بتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني، بالسلام، وحتمية انتصار الإنسانية لمستقبل أفضل.

قاد زيّاد، الذي يصفه المؤلف أنه يستحيل الفصل بينه وبين الشيوعية، المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بواقع جديد فرض عليهم لم يعرفوا خلاله كيف يتصرفوا وما هو مصيرهم. حرك زيّاد بينهم الشعور بالفخر بهويتهم الفلسطينية والانتماء الوطني، وحافظ على ذراعيه مفتوحة تجاه الشراكة مع اليهود لتحقيق السلام العادل.

يستحق كتاب "المتفائل" لتمير سوريك القراءة. قراءة قصة حياة توفيق زيّاد وعمله مهمة، خصوصًا في أيامنا هذه. خلال إحياء ذكرى هبة القدس والأقصى وأكتوبر 2000 والتي حدثت 6 سنوات بعد وفاة زيّاد والتي ذهب ضحيتها 13 فلسطينيا خلال حملة قمع نفذتها الشرطة الإسرائيلية بحق المتظاهرين.

توفيق زيّاد قصة شاعر ومناضل وقائد حاول سوريك أن يضعها أمام القارئ الأجنبي من خلال بحث استمر 5 سنوات.

لخص هذا الكتاب الطالب الجامعي نعيم موسى ووضعه أمام القارئ التقدمي. يتحمل كل من صمد بفضل أمثال توفيق زيّاد مسؤولية نشر تجربته المتفائلة من جيل لجيل لنحافظ على الأمل لمستقبل أفضل لشعبنا الفلسطيني ولباقي شعوب العالم.

*المقال بالانجليزية على موقع موندوويز:

    https://mondoweiss.net/2020/10/a-leader-by-example/

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب