news
ملحق الجمعة

نواعير الذاكرة (4)

سيرة ذاتية: 

●      أحمد حسين..حصان أفلت من عقاله

كان أحمد حسين عكس أخيه راشد، متوسط القامة، داكن السمرة طويل الشعر وأشعثه، قوي البنية، متوترًا، حادّ المزاج شرسًا، لاذع السخرية، عدوانيّ الطبع، منفرًا، سريع الخطو والحركة، شبق التدخين، تخاله وهو يمشي أنه حصان أفلت من عقاله طورًا وفهدًا قلقًا دائم التحفز أو في معترك دام، وقد انعكس كل ذلك على مواقفه من الآخرين وخاصة من الناحية السياسية، فكان قوميًا متطرفًا يشنّ حربًا لا هوادة فيها ولا مواربة أو مسايرة على من يختلف معه في الرأي أو العقيدة، فانفضّ التلاميذ من حوله وظلت علاقته مع أربعتنا بين مد وجزر دائمين.. وحين كان بي ما به من حدة المزاج في ذلك الوقت، وقد كنت في حينها قد بدأت أكتب بغزارة وخاصة حين لا يكون هو في الغرفة وكنت أخفي عنه ذلك، لأنني لم أشأ أن أطلعه على أية قصة أكتبها، إذ كان قد خلق عندي بعد فوزه بجائزة القصة، نوعًا من عدم الثقة بالنفس، والخوف والتهيب من نشر أي قصة في ذلك الوقت، أسوة بالكتاب الذين بدأوا يبرزون وهم لا يزالون بعد على مقاعد الدراسة، عاقدًا العزم على أن لا أنشر أية قصة إلا بعد أن أتأكد من أنني سأبزّه بكل ما كتب..ولهذا كنت أخفي الدفتر الذي أجمع فيه قصصي بعد أن أمزق المسوّدات.

 

//إنك يا توفيق مسوّدة لكاتب عظيم في المستقبل..يقول أحمد

سافرت ذات نهاية أسبوع إلى القرية، وحين عدت وجدت دفتر قصصي موضوعًا فوق طاولتي ومفتوحًا على الصفحة الأخيرة الفارغة، إلا من جملة مكتوبة بخط كبير ورديء تقول: "إنك يا توفيق مسوّدة لكاتب عظيم في المستقبل، أحمد حسين". وبقدر ما أغاظني هذا الغرور الذي تحمله هذه الملاحظة، بقدر ما شعرت بسعادة عارمة واستعادة للثقة المنعدمة عندي، فإذا كانت هذه هي شهادته وهو الذي لا يعجبه العجب، فهذا يعني أنني أسير في الطريق الصحيح، وإذا كان الأستاذ "سمير ورور" هو أول من أخذ بيدي ليضعني على طريق الكتابة الساذجة ووضع بيدي أول كتاب يفتح عيني لعالم زاخر بالإبداع والجمال، فإن أحمد حسين تأبط ذراعي لنكمل المشوار سوية بكل ما فيه من متعة كاوية وجمال قاتل..

شتمني حين رآني بعد ذلك مباشرة لتستُري على ما أكتب قائلًا بأنه "لو كانت يداه تحمل من عبق الأرض ربع ما تحمله يداي لقطر من فلسطين عطرًا تشمه الأجيال القادمة لألف عام".. ثم دعاني للذهاب معه إلى مكان ما، ورحنا نسير في أزقة سوق الناصرة القديمة إلى أن دخل مكتبة ضيقة مليئة بالرفوف المحملة بالكتب الصفراء المستعملة، بداخلها رجل قد تجاوز الستين شاحب الوجه ناحل، ويعتمر طربوشًا أحمر بيده كتاب يقرأه، وما إن دخل أحمد حتى وقف الرجل مرحبًا به، فعرفت أن اسمه "أبو حنا" بعد أن رد عليه أحمد التحية، طالبًا منه "أن يعيرني  قصص عبد القادر المازني ومحمود تيمور" ثم تناولها منه ودفعها إليّ قائلا: "إقرأها يا توفيق ومن ثم سأناقشك رأيك فيها"، وأخبرني أنه قرأ حتى الآن أكثر من نصف هذا الكنز المنسيّ وعليّ أن أفعل مثله، ويمكن لي أن أستعير ما أريد من عند "أبو حنا" بالدين فهو رجل طيب، وكانت النتيجة أنني رسبت في تلك السنة في الصف الحادي عشر، بمادتين وكان عليّ أن أعيد الامتحان في بداية السنة المقبلة.

وكنت قد تلقيت ضربة قبل ذلك كانت أصعب عليّ بكثير من رسوبي، وكادت تفقدني الثقة والشجاعة التي زرعها أحمد حسين في نفسي لكي أكتب وأكتب وأكتب، وهو يناقشني فيما أكتب بل ويسمح لنفسه أن يشطب مشيرًا عليّ أن أفعل كذا أو كذا لكي أصل بالقصة إلى الكمال.. فقد كان ذا موهبة شيطانية وخيالًا لا يتسع الأفق له، وكنت أؤمن بأنه سيصبح كاتبًا عملاقًا في المستقبل، فتقبلت منه ملاحظاته وتدخلاته راضيًا.

 

// لقد قسا عليّ الأستاذ حبيب حزان..وكانت علامتي في الإنشاء سيء جدًّا!

وهكذا وعند أول فرصة يتيحها لنا مدرس النصوص العربية الأستاذ الجليل حبيب ذيب حزان والذي كنا نناديه بلقبه "أبو الأديب" بكتابة موضوع حرّ في الإنشاء، قدمت له قصة ورحت أترقب بفارغ الصبر متوقعًا إعجابه بها، بعد أن امتدحها أحمد حسين وشجعني على تقديمها، إلا أن النتيجة جاءت عكس ما توقعت، فقد كان العدد المكتوب على رأس الصفحة 10/3 وفي نهايتها كلمتان كبيرتا الأحرف بالخط الأحمر "سيئة جدا". وكادت هذه القصة أن تتسبب بطرد أحمد حسين من المدرسة حين سمح لنفسه أن يذهب إلى الأستاذ يناقشه رأيه فيها بالنيابة عني، فاستشاط الأستاذ غضبًا ناعتا إياه بالغرور لولا أنني تدخلت طالبًا من أحمد أن لا يتكلم نيابة عني طالبًا إلى الأستاذ أن يكون رحب الصدر.

ولكنني وجدت طريقًا للانتقام من هذا الأستاذ لم تخطر على باله، إذ لم أكتب في موضوع الإنشاء بعد ذلك غير القصة، وكانت أفضل علامة آخذها في جميع هذه القصص هي 10/5 وملاحظة "سيّئة" بدلًا من "سيّئة جدا"، إلا أنه فاجأني بعد أن أنهيت دراستي الثانوية يدعوني إلى بيته قبل أن أعود إلى القرية نهائيًا. استقبلني في بيته بحب جم، وقادني إلى غرفة مكتبه.. وحين جلست وضع أمامي ملفًا منتفخًا بالأوراق المكتوبة وأخبرني أن هذا الملف يحتوي على أكثر من مائة قصة، ورغم ذلك فهو لم يسمح لنفسه حتى الآن أن ينشر ولو قصة واحدة منها. ثم ربّت على كتفي معترفًا لي أنه قد قسا عليّ كثيرا كي لا يقتلني الغرور يومًا كما سيقتل أحمد حسين، ونصحني بأن لا أستعجل على الشهرة إن كنت أريد أن أكون كاتبًا. وكان ذلك درسًا آخر لن أنساه.

 

●        //معظم قصصي التي كنت أكتبها في البداية لم تنل حظها من النشر

بعد تخرجي من الثانوية عام 1958، عدت إلى القرية لأعمل بفلاحة الأرض التي كنت أعشقها منذ طفولتي إلى حد الموت، والتي لم أنقطع عنها طيلة الأربع سنوات لدراستي الثانوية، إذ كنت أقصى مدة أغيب عنها لا تتجاوز الشهر بالإضافة إلى العطل، وكانت هذه الفترة زمن مصادرة وفق قانون جديد لسلب الأراضي، اقترحه الجنرال موشي ديان حين كان وزيرًا للزراعة. وكنت كلما اقتطع العدو عضوًا منها أخشى على ما تبقى وأتشبث به أكثر.. وكان القلق والخوف يسيطران على كل بيت في القرية ولا حديث لهم إلا أرض من ستكون في الغد، فكتبت قصة "الفرس" وسارعت إلى نشرها في مجلة "الجديد" متحررًا من الخوف الذي كان يردعني عن النشر، ثم بدأت بعدها بغزارة ودون انقطاع راجعًا إلى القصص التي كتبتها في سن الطفولة المبكرة، لأكتشف ما كان فيّ من مواهب طبيعية قبل أن أفكر في كيفية تطويرها معتمدًا على الناس البسطاء العاديين، حيث رأيت فيهم مزرعتي الغنية المعطاء ككاتب. لقد رأيت في الفلاح البسيط فردية مباغتة وتنوعًا لا محدودًا كعين ماء لا تنضب.. وكنت أنشر هذه القصص في مجلتي "الجديد" التابعة للحزب الشيوعي و"الفجر" الذي كان يرأس تحريرها راشد حسين، إلا أن معظم قصصي التي كنت أكتبها في البداية لم تنل حظها من النشر لتجاوزها الخط الذي كان يمكن لمجلة مثل "الجديد" أو "الفجر" أن تقف عنده. ولكن لم يطل بي المقام هذه المرة إذ اجتاح مرج ابن عامر في السنتين المتتاليتين قحط رهيب، مما اضطرني إلى هجرة القرية لأعمل في شتى الأعمال السوداء في مختلف مدن الأرض المحتلة إلى أن استقر بي الرحيل في مدينة تل أبيب التي كانت تعج بالعمال الفلسطينيين.

 

●      //لقد ساعدني راشد على إيجاد عمل بعد تسكع دام أكثر من عشرة أيام

 وكان الشاعر راشد حسين يعيش في تل أبيب في هذه الفترة حيث مقر المجلة، فساعدني على إيجاد عمل، بعد تسكع دام أكثر من عشرة أيام، في مطعم صغير تديره زوجة أحد أصدقائه من العاملين في الصحافة، حاصلًا على كوخ خشبي صغير يؤويني كان يستعمل لحفظ أدوات الحديقة في بيت صاحبة المطعم، واضطررت للبقاء للعمل في هذه المدينة القاتلة رغم ما اعتراني من ضيق إلى حد الاختناق، ولسوء طالعي أنني كنت قد مررت خلال تسكعي في اليوم الأول والثاني من وصولي إلى تل أبيب بحثًا عن العمل بإحدى دور العرض، فلفت انتباهي اليافطة المعلقة على بابها تعلن عن عرض "أوبرا عايدة" لفردي، وبالطبع لم أكن قد رأيت أوبرا في حياتي، ورغم ما أملكه من نقود قليلة في جيبي إلا أنني لم أستطع مقاومة ذلك الإغراء الكاسح في مشاهدة هذا النوع من الفن، خاصة وأن ذكر هذه الأوبرا قد مر بي أثناء دراستي الثانوية لعلاقتها باحتكار قناة السويس، فوضعت حقيبة ملابسي في الأمانات واشتريت تذكرة دخول كلفتني بعدها أربعة أيام من الجوع القاتل الذي كان يجبرني في بعض الأحيان دخول أي مطعم طالبًا إليهم أن يشغلوني بقيمة وجبة متواضعة، ولكنني مع ذلك كنت لا أزال في حالة الانبهار والذهول اللذين لازماني بعد مشاهدة هذه الأوبرا التي فتحت أمامي شهية مشاهدة أية أوبرا تعرض بعد ذلك.

 

//كتبت قصة"القيثار المهشوم" ونشرتها في مجلة "الفجر" أثارت عليّ حفيظة أستاذنا الراحل إميل توما

 ولم يطل بي المقام حتى أصابني بالنسبة للمسرح ما أصابني بالنسبة للأوبرا حين مررت أمام المسرح القومي في تل أبيب "هابيما" ورأيت الإعلان عن مسرحية "عطيل" فاكتمل الإغراء لديّ بعدما كنت قد سمعته من مسرحيات في البرنامج الثاني من القاهرة، بالكتابة للمسرح، إلا أن عدم وجود مسرح أعرض فيه ما أكتب أفقدني حماسي لهذا النوع من الكتابة وعدت لكتابة القصة، وصدف أن كتبت قصة في هذا الكوخ الحقير أسميتها "القيثار المهشوم" ونشرتها في مجلة "الفجر" أثارت عليّ حفيظة أستاذنا الراحل إميل توما، وكان يكتب أيامها تحت اسم "ابن خلدون" فحمل عليّ أيّما حملة، رغم أنها كانت تعالج قضية الجوع والتمزق النفسي في هذا العالم الصاخب، وهما ما كنت أعيشهما تلك الفترة التي كتبت فيها القصة، متهما إيّاي بأنني غير واقعي وأنني أكتب عن عالم غير موجود إلا في خيالي. وقد تضايقت لهذه القسوة التي تناول فيها إميل توما هذه القصة، إلا أنني في نفس الوقت شعرت بارتياح شديد واعتزاز في النفس أن يتصدى لما أكتبه شخصية مرموقة مثل "إميل توما".

(يتبع)

 (تونس)

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب