news-details
ملحق الجمعة

هل ما زلنا مشوّهين فعلا، وأكثر ممّا كنّا عليه أيّام "المشوّهون"؟! (2-2)

زيف الحياة في المدينة: 

 لا أعتقد أنّ فياض قصد الإساءة لمدينة الناصرة، بل قصد نقد المجتمع العربي ونساءه كجزء لا يتجزّأ منه. ولكنّ التصريح بالمكان، جاء تعبيرا عن حاجتنا إلى الجرأة في نقد مجتمعنا. وكانت الناصرة مسرح التجربة، تَعَرّف فيها فياض وبطله، على مجتمع المدينة. والدليل هو أنّ الكاتب يحترم الناصرة ويراها العاصمة الثقافية والسياسية، كما صرّح بذلك في لقاء معه، ردّا على سؤال حول رواية "المشوّهون": "خصصت بها أحداثا جرت في مدينة الناصرة التي تُعدّ العاصمة الثقافية والسياسية للأراضي الفلسطينية وسكّانها الذين بقوا تحت نير الاحتلال. الرواية تناولت سلبيات المجتمع العربي داخل فلسطين". لم يقل سلبيات الناصرة. لذلك فاتّهامه بالإساءة للناصرة ونسائها باطل. وجرأته في كشف المكان كما أسلفت، جاءت تعبيرا عن حاجة مجتمعنا للجرأة في مواجهة آفاته وأمراضه الاجتماعية وغير الاجتماعية. وقد قال ذلك بشكل مباشر وبصيغة جمع المتكلم (نحن)، التي تعني المجتمع كلّه: "إذا كان الظلام قد فُرض علينا، فلماذا لا نضيء طريقنا؟ ... إنّنا جبناء!!" (ص 120). وكان قد ذكر العبارة نفسها لأهميّتها، كعبارة ميتاقصيّة قبل الدخول في النص (ص 5)، ليستفزّ بها القارئ باعتباره شريكا يتوجّب عليه أن يفهم أنّ الذي يفرض علينا الظلام، هو جهلنا وخضوعنا له ولعاداتنا، قبل السلطة السياسية التي تُرسّخه فينا، وتعاقبنا إذا لم نذعن لها. بدليل إشارته: "أخي (السجين) ليس مجرما" (ص 95). 

ما رآه سعيد في المدينة مزيّف وخانق، سبّب له صدمة. حتى بعض أبناء المدينة أنفسهم لا يحتملونه. وقد وجده سعيد بعيدا كل البعد عن أصالة القرية التي يتوق للعودة إليها، ويعشقها كذلك بعض أبناء المدينة، لأصالتها رغم ما فيها من أمراض. سامي، ابن المدينة يقول: "أود لو كنت قرويا. جوّ المدينة يخنقني" (ص 9). 

أهل المدينة علاقاتهم نفعيّة، سطحية وشكلية، تُعبّر عن مصلحة لا عن جوهر. لذلك رأى سعيد، أنّ كثرة المساجد والكنائس، لا تُعبّر عن عمق الإيمان. وانعدام المواخير لا يُعبّر عن التمسّك بالقيم والأخلاق، فحقيقة التشوّه الصادمة تكمن في البيوت، وأعمق من ذلك في النفوس؛ "لعنت المدينة بصوت مرتفع. لا يوجد فيها ماخور واحد؟ كنائس ومساجد ... وثم كنائس ... يصعب على الطلاب العثور على زانية في هذه المدينة. مواخيرهن في بيوتهن" (ص 50).

ملامح البؤس ومظاهر الزيف والرياء في المدينة، قد تراها في كلّ زاوية وفي كلّ شيء. وسعيد الذي يهرب من سجن العادات والتقاليد في القرية، يقع في سجن يفوقه ظلما وظلاما، سجن الزيف والرياء في المدينة. يقول: "أخذ الخريف يُلملم أشياءه. تاركا خلفه خطوط البؤس وملامح الكآبة على كل شيء في المدينة ... تتراءى بيوتها وكأنّها أدران عارية ... صوت أجراس الكنائس، أصوات الباعة المختلفة في السوق، تحيّات المارّة لبعضهم في الصباح، زرافات الناس في الآحاد، بملابسهم الأنيقة، ليالي الأعراس الساهرة بكل ما فيها من عزف ومرح ورائحة خمر، ومرح الطلاب في الصباح، كذبة كبيرة كلّها ... رياء متكلّف" (ص 24). 

مفاهيم القرية والمدينة والصراع بينهما:

حين كان الفقر وسجن العادات والتقاليد يتحكّمان بالقرية، كان الزيف والرياء هما سجن المدينة. ولكن، كانت الحياة في القرية، وكذلك العلاقات فيها، رغم كثرة قيودها الاجتماعية، تتمتّع بأصالة تفتقدها المدينة وعلاقاتها التي تقوم على المصالح المادية، والمظاهر البرّاقة، ما أدّى إلى انتشار الزيف والرياء في تلك العلاقات.

في القرية كانت الفتاة محرومة من التعليم، بينما كان أفراد العائلة، وهي كثيرة العدد عادة، يُقتّرون على أنفسهم في المأكل والملبس، ويُضحّون من أجل تعليم ذكر من ذكورها. أمّا في المدينة فقد كان يُسمح للفتاة بالذهاب إلى المدرسة، ليس إيمانا بحقّها في التعليم كإنسانة، وإنّما كمظهر من مظاهر التّميّز الشكلي والرقيّ المزيّف. دليل ذلك أنّ عائلة نوار، أوقفتها عن الدراسة، بعد انكشاف علاقتها بسعيد. "والدها ادّعى أمام الناظر أنّها مريضة ... (بينما الحقيقة أنّه) اطّلع على حبها (لسعيد)، فحرّم عليها ارتياد المدرسة" (ص 118). الادّعاء بأنّها مريضة، كذب يُؤكّد أنّ حرمانها لم يكن حرصا عليها وعلى شرفها كإنسانة، بل حرصا على "شرف العائلة" المزعوم المتمثّل بمكانتها  الاجتماعية/الاقتصادية بين سكان المدينة، والتي قد تتزعزع بسبب الفضيحة. "فالعيب الذي يشعر به الفرد العربي هو "ما يقوله الناس عنه"، بمعنى أن لا عيب في ما لا يراه الناس ولا يسمعونه".

حتى السلوك القبيح في القرية، لا يصل بقبحه إلى مستوى السلوك القبيح في المدينة. قال سعيد "وقفت لأبول في زاوية مظلمة من الزقاق. كدت أفقد وعيي. أحسست بأصابع رجل متوحشة تُغرس في عنقي، انفصل عن امرأة. سمعت شهقتها الفزعة" (ص 76). لا شكّ أنّ في الفعلين قبحا مرفوضا، ولكنّ القروي يتبوّل في الزوايا المظلمة، لأنّه لا يملك مرحاضا، بينما المدني الذي يملك مرحاضا في بيته، يُمارس الجنس في الشارع، فأيّهما أشدّ قبحا؟ كما أنّ التبوّل في هذه الظروف وغيرها، قد يكون فعلا اضطراريا، بينما استراق الجنس في الشارع، فعل اختياري. كان سعيد يُدرك أنّ مجتمع القرية قبيح ومشوّه، ولكنّ مجتمع المدينة صدمه، إذ وجده على غير ما توقّع، أشدّ قبحا وتشوّها.

 

"المشوّهون" والمرأة!

في روايات المنفى، يلجأ الكاتب وبطله إلى المرأة كملاذ وخلاص، يستعين بها كرفيقة درب أو شريكة تُعينه على جحيم شعوره بالوحدة والاغتراب. وسعيد، الطالب القروي، بسبب الفارق الكبير بين حياة القرية وحياة المدينة وصدمته فيها، وجد نفسه غريبا منفيّا في المدينة، ككلّ القرويين الوافدين إليها طلبا للعلم أو العمل. ساهمت المدينة في تعميق شعورة بالمنفى والاغتراب عن ذاته. يظهر منفاه فيها واغترابه عن الذات والمكان، جلّيا في قوله لصديقه، زياد، القروي: "أرغب برؤيتك فقط. وخصوصا في تلك الحانة المشؤومة. ربما لأنّك تُشاركني منفى شبابي أكثر من أي إنسان آخر (ص 47)، وفي تساؤله: "لماذا موجود أنا هنا؟ في هذه المدينة أعيش وحدي" (ص 25)، وفي حنينه للقرية (ص 25). شعور سعيد باغترابه في المنفى، جعله يبحث عمّا يُخلّصه من معاناته، فجاء دور المرأة كرمز للملاذ والخلاص. بحث سعيد عن ناديا ونوار، وكان لا بدّ من أن يجدهما. ولكن رغم ملاذه بهما، يُصرّح: "ليست نوار وحبّها، أو ناديا وشبقي إليها، كل ما يصنع حولي هذا القلق ... وهذا الضيق بكل شيء من أشياء حياتي وأشياء الآخرين. ثمّة أشياء غامضة لا أفهمها، تنبع من مستنقع ذلك المجهول من العدم الذي يلفّنا، وتدفعنا في زحمة هبائه ... فتتجسّم كلّها في شخص نوار، أو غير نوار لتكون رمزا لها، إذ لا بدّ لنا من وجودها في حياتنا. وإن لم توجد، فلا بدّ لنا من خلق هذه النوار، لتكون الصنم لها" (ص 49)، هذا التصريح، يُؤكّد أنّ الكاتب لم يلجأ إلى الجنس لذاته، وأنّ الجنس وشبقه الجنسي بالمرأة، ليس هو ما يُقلق الكاتب وبطله. هناك أشياء أخرى غامضة ومجهولة، تُشير إلى عناصر تشوّه المجتمع التي تجعل حياته فيه هباء، فتنمو حاجته إلى المرأة التي يُضطر لخلقها. كل رجل يشعر بحاجته للمرأة، ولكن ليس بالضرورة لتحقيق رغبته الجسدية فقط، فالرجل الحقّ، يحتاج المرأة كرفيقة درب وشريك، تُساعده على احتمال همومه الفردية والجمعية.

في رواية "المشوّهون، كان الكاتب وبطله قاسيين على المرأة. أكثر من مرّة نعتها سعيد بالغباء، بالإضافة إلى ما قاله عنها وعن مواخير المدينة. ولكن قسوة الكاتب وبطله عليها، لم تنبع من احتقارهما لها، بل انعكاسا لتشوّه مجتمعنا واحتقارا له، لأنّ المجتمع هو الذي يحتقر المرأة ويُهمّشها، ويُعاملها كأداة أو سلعة أو قطعة للزّينة.

"بيت الجنون"، هل أكّدت نبوءة فياض أم دحضتها؟

يقول غسان كنفاني: "المفروض أنّ سامي (بطل المسرحية)، يقف على خشبة مسرح منصوبة في فلسطين المحتلة ذاتها، وبالتالي فإنّ الجمهور الذي يتجه سامي بالكلام إليه في بعض مقاطع المسرحية هو بطل آخر في الأحداث، ليس سوى المستوطنين اليهود". ويقول أيضا: "تُشكّل المسرحية حلقة في الحوار الثقافي والسياسي القائم بين المثقّفين العرب في الأرض المحتلة ذاتها". هذا فهم صحيح للمسرحية، خاصة وأنّ كنفاني لم يقرأ رواية "المشوّهون"، لأنّ "الحصول عليها كان متعذرا". 

المسرحيّة عامّة، تنهض على الحوار بين طرفين متضادّين، الأنا المتكلمة والآخر، وقد يكون الأخر، هو "الأنا" ذاتها. وفي "بيت الجنون"، قراءتان مختلفتان لطرفي الحوار. في الأولى، البطل "سامي" الذي يُمثّل الإنسان الفلسطيني المغتصَب، مقابل الجمهور الذي يُمثّل المستوطنين اليهود، الغاصبين الذين دخلوا بيته عنوة. أمّا الثانية، فالبطل الذي يحمل صوت الكاتب، مقابل الجمهور كممثِّل للمثقّفين الذين أغضبوه بنقدهم العنيف لروايته. أي أنّ الكاتب ضرب عصفورين بحجر. فالمسرحية تدور أحداثها بُعيد النكبة وفي أجوائها. وقد كُتبت باعتراف فياض نفسه، ردّا غاضبا على المثقّفين العرب الذين هاجموه وروايته. وعدم فهم المثقّفين للرواية وعمق ما رمى إليه فياض فيها، ونقدهم لها نقدا سطحيا متسرّعا وظالما، أدّى إلى أن يُصبح أولئك المثقّفون تجسيدا لعناصر تشويه المجتمع. وقد خدموا بذلك، السياسة الداخلية والخارجية التي تعمل على تشويه المجتمع وترسيخ جهله ودوام تخلّفه.

ويُضيف كنفاني وبحقّ، أنّ المسرحية: "حملت النبوءة بالثورة". ففي عام صدورها، (1964)، حدثت نقلة نوعية في مسار الشعب الفلسطيني الذي عاش مرحلة من اليأس بعدما شرّدته النكبة. فقد بدأ ثورته الحقيقية بظهور منظمة التحرير الفلسطينية ومباشرة دورها  في قيادة كفاحه المسلّح. والمسرحية تدعو للصمود والوقوف من جديد، وتدعو للثورة على النكبة ومواجهة كل أسبابها ومسبّباتها ونتائجها. ولكن، بالمقابل لظهور منظمة التحرير وبداية الثورة، وإلى جانب عناصر تشوّهنا الداخلية، بدأت تظهر وتتحكّم بنا عناصر تشويهنا الخارجية التي كانت تعمل في الخفاء. وقد استعانت بعناصر تشوّهنا الداخلية واستغلّتها بشكل ممنهج. 

وها نحن بعد كل ما مررنا به من أحداث، وآلت حالنا إلى ما هي عليه الآن، نشهد على المستويين: العربي والفلسطيني، انكشاف الإخوة الاعداء، ونقف على حافة "صفقة القرن"، التي ربما تكون الصفعة الأخيرة. صحيح أنّنا لم نفقد العزم على مواجهتها ومقاومتها، ونصرخ "على أجسادنا"، ولكنّنا لا ندري كم سنصمد، لأنّنا لا نملك القدرة، لا العسكرية ولا السياسية، لمواجهتها. وتظلّ الحقيقة المؤلمة إلى يومنا هذا، أنّنا مشوّهون، نعيش اليوم في حضيض أخلاقي وسياسي واجتماعي وثقافي يفوق عمقا وتعقيدا، الحضيض الذي بلغناه بعد النكبة. 

على المستوى المحلّي، كل شيء في حياتنا استهلاكي، حتى الأخلاق والثقاقة. نقف عاجزين أمام إغراءات عالم الاستهلاك، مشتّتين بفكرنا وأجسادنا. نحتاج إلى من يجمع أشلاءنا، وأن يكون من لحما ودمنا. وقد أشار كنفاني لذلك في روايته، "ما تبقّى لكم" (1966)، إذ جعل "حامد"، بطل الرواية المشرّد من يافا، ينطلق في ظروف صعبة، بين غزّة والضفة الغربية، كإشارة إلى بداية معركة التحرير مع العدو الصهيوني، لإعادة اللحمة بين أشلاء الوطن الممزّق. أمّا فياض فقد أشار إلى جمع أشلاء المجتمع والوطن، في اقتباسه الموفّق لأسطورة "أوزيريس"، في بداية المسرحية، "انهض، انهض يا أوزيريس ... أنا ولدك حوريس ... جئت أعيد إليك الحياة، وأصل أعضاءك، أنا حوريس الذي تكون أباه، حوريس يُعطيك عيونا لترى، وآذانا لتسمع، وأقداما لتسير، وسواعد لتعمل، ها هي أعضاؤك صحيحة، وجسدك ينمو، ودماؤك تدبّ في عروقك، إنّ لك دائما قلبك الحقيقي، قلبك الماضي، فانهض، انهض يا أوزيريس" (ص 10). 

ما كان عليه فياض من وعي، يُثير الدهشة فعلا. يتجلّى وعيه في إدراك أوضاعنا، وفي اختياره لهذا المقطع الذي يتضمّن بشكل رهيب، توصيفا دقيقا لحالتنا آنذاك، وحاجاتنا إلى من يجمع أشلاءنا ويضمن لنا النهوض. ولكن طوال هذه السنين، هل نهضنا؟ نعم نهضنا، ولكن كبونا مرّة أخرى، ونهضنا وكبونا، مرّات عديدة ولأسباب لا تُحصى. قد يكون أقواها اليوم خارجيا، ولكن على رأس قائمة الأسباب الداخلية، تقف عقليتنا القَبَلية المشوّهة، وتمسّكنا بعناصر تشوّهنا، الاجتماعية والسياسية والثقاقية، التي تتغيّر شكلا وتبقى جوهرا ومضمونا. وربما لهذا أيضا، رسم فياض بطلَ مسرحيته مدرّسا للتاريخ يُفْصَل من عمله بتهمة تزوير التاريخ. دأب أعداؤنا على تزوير تاريخنا واتهامنا نحن بتزويره، لأنّنا أردنا لأبنائنا أن يعرفوا الحقيقة التي يرغب أعداؤنا بإخفائها. ولكنّ المؤلم أكثر هو أنّ يُساعد في التزوير، نفر من مثقّفي أبناء جلدتنا. "أخرجتموني من عملي، جردتموني من كل شيء، لكي أموت جوعا، وليسهل قهري عليكم، ولماذا؟ لأنّني أشكّل عليكم وعلى مصالحكم المقيتة خطرا! لأنّني أزيّف التاريخ كما تدّعون! لأنّي أشوّه الأدب!! أمّا أنتم فلا!؟" (ص 27). الكاتب، عبر بطله المتكلّم، يُوجّه عبارة "أزيّف التاريخ" إلى الجمهور الذي يرمز للمستوطنين اليهود، وبالتالي للسلطة الغاصبة. أمّا عبارة "لأنّني أشوّه الأدب"، فيُوجّهها للمثقّفين الذين نقدوا روايته. وأمّا عبارة "أمّا أنتم فلا"، فموجّهة لكليهما. فالسلطة الصهيونية معنية بتزوير تاريخنا؛ ومثقّفونا شوّهوا الأدب بفهمهم السطحي ونقدهم المتسرّع للرواية التي عجزوا عن سبر أغوارها.

في حينه، نفخت فينا "بيت الجنون"، روحا متفائلة بدّدت الظلام الذي كان يلفّنا، لأنّها حملت نبوءة بالثورة، إلّا أنّ غضب فياض فيها، وروحه المتشائمة كذلك، حملهما إليها مرغما. كأنّه أحسّ أنّه قبل اكتمال البناء وتحقيق حلم اللحمة، سوف تنقلب النبوءة إلى ضدِّها. أو ستعود إلى أصلها، إلى النبوءة باستمرار تشوّهنا، كما حملتها "المشوّهون". ومن منطلق هذا الفهم، برزت الحاجة للإجابة الواعية عن السؤال المركزي لهذا المقال، انطلاقا من "المشوّهون"، مرورا بنهوضنا وكبواتنا، وصولا إلى واقعنا الراهن. 

هل ما زالنا مشوّهين فعلا، وأكثر؟

لا أبالغ إذا قلت إنّ عناصر تشوّهنا التي سادت أيام كتب فياض روايته، ما زالت موجودة. تغيّرت شكلا وليس جوهرا. وهي الآن أكثر حدّة وسوءا مما كانت عليه. ودليل ذلك، بقاؤنا متمسّكين بعقليتنا القَبَلية التي ما زالت راسخة في عقولنا وأعماق نفوسنا. لقد تغيّرنا تغيّرا رهيبا، ولكنّه مجرّد تغيّر شكلي لم يترك أيّ أثر إيجابي على سلوكنا وجوهر عقليّتنا. ما زلنا "في شكّ من أنّنا سنخرج يوما من هذا الرغام؟!" (ص 76). أوضاعنا مثيرة للتشاؤم، وأكاد أقول نقف على حافة اليأس، ولكنّنا شعب لا يفقد الذاكرة والأمل، لأنّه لو فعلنا، لأكلتنا الضباع.

إذا استعرضنا أوضاعنا اليوم، سنجد أنّنا أصبحنا أكثر فقرا. لا أحد منّا يشعر مع الآخر ويرحمه، لأنّنا لا نشعر مع أنفسنا ولا نرحمها. نعيش أفرادا فرادى منفردين متفرّدين بفرديّتنا، رغم كل أشكال التواصل بيننا. وفقرنا اليوم لم يعد ماديّا فقط. من الناحية المادية، الفارق بين فقرائنا تلك الأيام وفقرائنا اليوم، أنّنا جميعا نتصرّف اليوم كأغنياء، نأكل ونلبس و"نشمّ الهواء". كلّنا عبيد حساباتنا المصرفية المثقلة بالديون، يُرهقها السحب الزائد، لأنّنا نأكل أكثر مما ننتج. ابتسمت وأنا أقرا ما كتبه الشاعر حسين مهنا في زاوية "صباح الخير"، شعرت أنّ هناك من يُفكّر مثلي ويُؤكّد ما أقول. قال: "ولكنّ ما دفعنا إلى نبش التاريخ هو البذخ الذي نراه اليوم. كثيرون منّا يأخذون قروضا مصرفية باهظة لكي يُزوّجوا أبناءهم وبناتهم. وقد يكون هذا التصرّف اللاعقلاني بسبب الضغط الاجتماعي الذي كثيرا ما يفرض علينا ما لا نُريد". وهذا أيضا، بعض ما دفعني لنبش التاريخ، أنّ تصرفنا في معظم نواحي حياتنا، هو ردّ فعل للضغط الاجتماعي بما فيه من عناصر التشوّه التي تتحكّم بنا وقلّما ينجو منها أحد. قلّما نتحدّث في لقاءاتنا عن الثقافة والأدب، وإذا تحدّثنا فللتظاهر وليس للفائدة. ولا استثني المثقّفين. وكثيرا ما نتحدّث عن المظاهر الشكلية في الطعام والمرض والملبس والسفر. ليس بيننا من يُفكّر بدعم ماديّ لمشروع جمعي يُخلّصنا من آفاتنا، وإذا وُجِد، فالأموال تذهب هباء وليس لأهدافها الحقيقية. ودليل ذلك أنّ آفات مجتمعنا تزداد سوءا يوما عن يوم. وللتمثيل فقط: هل تعلمون كم تنفق سلطاتنا المحلية على تمويل الوظائف الزائدة التي لا تعترف بها وزارة الداخلية ولا تموّلها، لأنّها وليدة الصفقات الانتخابية التي يتحوّل فيها دعاة التغيير إلى دعاة تبذير؟ وهي لا تُنفق شيئا يُذكر على المشاريع الثقافية، وقلّما تستغلّ الأموال المخصّصة لهذه المشاريع وغيرها، فالحكومة لا تدفع إلّا إذا أنْجِزَ العمل، ونحن لا نعمل ولا نُنجز؟ هذا الوضع، يرتبط ارتباطا وثيقا بفقرنا الأكبر، فقرنا المعنوي والفكري، وبعدم تغيّر عقليّتنا القَبَلية. فما معنى أن يكون لدينا هذا الكمّ الهائل من حَمَلة الألقاب الجامعية، وما زلنا نعالج آفة العنف بلجان الصلح العشائري التي تُحدّد أسعار الجريمة ولا تُعالجها؟ ألم يكن أجدادنا، أيّام الجاهلية، يُعالجونها بالطريقة نفسها؟ ألا يُؤكّد ذلك أنّنا لم نتزحزح قيد أنملة عن تفكيرنا القَبَلي؟ جرائم إطلاق النار تكتسح شوارعنا علنا، وسقوط ضحايا العنف أصبح يوميا! آفات مجتمعنا التي تُثبت فقرنا الفكري، كثيرة، والعنف عيّنة فقط، أذكرها لأنّها محرقة، تحتاج إلى علاج فوري. فهل سيأتي؟ هل تعلمون أنّ ما يُنفقه جهلاء قومنا سنويّا على اقتناء السلاح يفوق المليارات؟ أزيز الرصاص في ليل قريتنا، يُسمع بكثافة من قريب ومن بعيد. قبل بضعة أشهر نشبت على فترات متقطّعة استمرّت نحو عام، حرب بالرصاص الحيّ بين فريقين من الشباب اللامسؤول في القرية، من عائلتين تجمعهما علاقات طيبة. تعدّدت الإصابات وتنوّعت. وقفت الشرطة كعادتها، موقف المتفرّج. تَدخَّل بعض العقلاء من العائلتين والقرية، وطوّقوا المشكلة وجمعوا بين الطرفين وأصلحوا بينهما. ولكنّ أزيز الرصاص ظلّ يُسمع بكثافة، وأخبار الإصابات تتوالى. وفي القرى الأخرى هناك أخبار يومية عن جرائم إطلاق النار وسقوط الضحايا. وإذا انكشف المجرم، فالصلح العشائري سيّد الأحكام، وليس القانون. رغم إدراكنا لما في القانون الإسرائيلي من إجحاف وتمييز ضدّنا، فذلك جانب آخر من مشكلتنا. ولا أقصد بالرصاص، المفرقعات التي نطلقها في أعراسنا، فتلك آفة أخرى تحتاج إلى علاج.

أمّا عن الجنس والجوع الجنسي، فرغم كل التطوّر الذي مرّ به مجتمعنا، حتى يومنا هذا لم يزد عن كونه تطوّرا شكليا. لقد خرجت ممارسة الجنس من الزوايا المظلمة في الشارع، إلى أماكن سريّة مضاءة. التربية في مسألة الجنس وتحريمه لم تتغيّر. العلاقة بين الرجل والمرأة، وإن أخذت أشكالا مختلفة تشي بالانفتاح، ما زالت محرّمة كما كانت وربما أكثر. يشهد بذلك، تصرّف الشباب من حيث المبدأ، بالطريقة ذاتها التي مرّ بها سعيد. ما زال الذكر يُجيز لنفسه ما يُحرّمه على أخته وعلى غيره من الذكور. يُؤكّد ذلك ازدياد العنف بسبب ما يُسمّى شرف العائلة، وازدياد عدد ضحاياه من النساء بشكل ملموس عمّا كان عليه أضعافا مضاعفة. كما أنّ أحداث الرواية والواقع الراهن، تُظهر أنّ مجتمعنا ما زال كما كان، عاجزا عن الاعتراف برغبات الفرد، وعاجزا عن كبت تفجّرها في الخفاء. وإذا نظرنا بعمق أكثر إلى ما يخشاه مجتمعنا من الجنس، سنجد كما أشرت سابقا، أنّه لا يخشى ممارسة الجنس لذاتها، حتى خارج إطار الزواج، بل يغضبه ويرعبه خروج أبنائه عن سيطرته، وتُرعبه الفضيحة التي ستجعل أفرادا منه خاضعين لسيطرته، يُطأطئون رؤوسهم بين الناس. وقد أشار فياض إلى ذلك في مساعدته لوالده في جزر أخواته. والأمر لا يختلف إلّا شكلا في المدينة، حيث قام والد نوار الذي يُمثّل التربية والمجتمع، بتوقيفها عن دراستها، بعد انكشاف علاقتها بسعيد. تمرّد نوار على قيود المجتمع وسجن عاداته، زجَّ بها في سجن البيت داخل سجن المجتمع! في أيامنا أيضا، ما زال الكثير من الفتيات يُمنعن من الدراسة الجامعية للسبب نفسه، أو بسبب الفقر أو كليهما.

سجن العادات والتقاليد في القرية، لم يتغيّر رغم مساحة الحرية التي يتمتّع بها الفرد في مجتمعنا اليوم، رجلا كان أم امراة. تبدو المساحة شاسعة، مقارنة بما كانت عليه في الماضي، ولكنّنا حين نُخضِع هذه الحرية للامتحان، نجدها شكلية، هشّة، تستند إلى المظهر، بينما جوهرها لم يتغيّر. وسبب ذلك أنّ نمط تفكيرنا لم يتغيّر. وما زلنا نعيش انفصام الشخصية كما كنّا. وبالإضافة إلى ما ذكرته حول علاقة الرجل بالمرأة، كلّنا نتحدّث يوميا عن حبّ الوطن وضرورة وحدتنا، وعن الكرامة والشرف والأخلاق والمصلحة العامّة، ولكنّها جميعا كحريّتنا، هشّة لا تصمد عند أول امتحان. ولنا في فرقتنا وخلافاتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية وتباعد مواقفنا، وفي طريقة تعاملنا وعلاجنا للعنف ومسألة شرف العائلة وغيرها من الآفات، أمثلة جيّدة.

كانت الحياة في المدينة مزيّفة، بينما كانت القرية تتمتّع بشيء من الأصالة. أمّا الآن، فحياة القرية والمدينة أصبحت مزيّفة، يُشوّهها الرياء وتمسّكنا بالمظاهر. ألا تكفي نظرة واحدة إلى بؤس ما يدور اليوم من عنف في شوارعنا، وبؤس ما نفعله في أعراسنا، لنرى أنّ الذي تغيّر هو انهيار الحواجز بين عالم القرية والمدينة فقط. فبينما كان بعض سكان المدينة يتوقون للهرب منها والانتقال إلى القرية، نزحت القرية كلّها إلى المدينة واستمرأت زيفها ورياءها؟ أليست أعراس المدينة والقرية اليوم، بل وحياتنا كلّها، مجرد مظاهر خادعة، كذبة كبيرة، ورياء متكلّف؟ في أيامنا، سقطت مفاهيم القرية والمدينة و"اختلط الحابل بالنابل". تقوّض الجدار الفاصل، وذابت الفوارق الجوهرية. المؤسف حقّا، أنّ القرية لم تتخلَّ عن عاداتها وتقاليدها، بل تخلّت عن أصالتها لصالح المدينة التي طغت مفاهيمها، بزيفها وريائها، على القرية وأخلاقها وعلاقاتها.

ولذلك، ليس غريبا أنّ نظرتنا للمرأة لم تتغيّر، رغم كل ما مرّ به مجتمعنا من تغيير؟ تغيّرت مصالحنا وأشكال تشوّهنا. بَهَرَنا عالم التكنولوجيا الذي لم نحظ منه بشيء غير نقمة الاستهلاك. وسمحنا مرغمين بخروج المرأة لميادين الحياة المختلفة، ليس من منطلق حقّها كإنسانة، بل غيّرنا المفاهيم الاجتماعية شكليا من أجل المنفعة الشخصية، سياسيا واقتصاديا في الغالب. ودليل ذلك أنّ مجتمعنا ما زال بتفكيره وسلوكه، يقمع المرأة ويُهمّشها. فهل يُمكن أن يتحرّر أو يتغيّر، مجتمع كان نصفه وما زال مقموعا ومهمّشا؟ كُثر هم الذين يقرأون يوميا، الآية الكريمة التي تقول: "لا يُغيّرُ الله ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم"؛ منذ قرون نقرأ ولا نُغيّر شيئا!

مؤسّسانا الاجتماعية والسياسية عاجزة عن توفير الحلول. السلطة الحاكمة في إسرائيل، هي المستفيد الأكبر من جهلنا وتشوّهنا وعجزنا، تجلس على الجدار تراقب وتضحك، فرحا وسخرية. تستثمر جهلنا وتخلّفنا، وتنفق لبقائهما أضعاف ما تدفعه من حقوقنا، وأضعاف الميزانيات التي تدفعها لسلطاتنا المحلية، وتسكت عن تبذير هذه الأخيرة لتلك الأموال في أوجه لا تخدم المجتمع ولا مصالحه العامّة. 

لو عدت اليوم يا توفيق فياض، وعاد أولئك الذين نقدوا روايتك، "المشوهون"، وهاجموك لكتابتها، لو عادوا ورأوا ما نحن فيه من بؤس الفكر والثقافة، وما يجتاحنا من آفات العنف وتجارة السلاح والمخدّرات وغيرها، ومن بؤس بيوتنا ومدارسنا التي تركت تربية أولادنا للشوارع والشبكة العنكبوتية والهواتف الخلوية ومقاهي الأراجيل، لأعادوا النظر فيما قالوه عنك وعنها، وتراجعوا عن هجومهم عليكما وعن اتّهاماتهم الباطلة لكما. وإن لم يفعلوا، وهذا ما أتوقّعه، ليس تشاؤما بل استنادا إلى الواقع الذي نريد أن نغيّره، فمردّ ذلك إلى كونهم ما زالوا حلقة مشوّهة ملوّثة في مجتمع المشوّهين، جلّ همّهم أن يأكلوا من صحن السلطان ويضربوا بسيفه.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب