news
ملحق الجمعة

 هل هو اعتراف بفشل سوق العمل الحر؟

بحث: النقابات العمالية واتفاقيات العمل الجماعية هما الضمان لتحسن عالم العمل والنمو الاقتصادي

التفاوض طريقتا لأعلى 

التقرير الصادر عن "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD) تحت عنوان "التفاوض طريقنا الأسمى - المفاوضة الجماعية في عالم متغير من العمل" يمتد على 270 صفحة، أثار العديد من ردود الفعل المتباينة، بل والمثيرة، خاصة وأنه حمل في طياته معطيات منافية لمواقف أولئك الخبراء المعادين للتنظيم النقابي والاتفاقيات الجماعية والعمل المُنَظَم، والمؤيدين لما سُمي "اقتصاد السوق" و "اقتصاد المعلومات"، وكل ما يتعلق بمقولة "حرية السوق" الرقمية -أي النيوليبراليين بفكرهم وممارساتهم-، بما في ذلك عدم تدخل الحكومات في علاقات العمل وأن السوق يجب أن يعمل بحرية مطلقة، كي تكون السيطرة لقوى رأس المال، أو كما كتب روبرت إسحاق في كتابه "مخاطر العولمة" الذي تناول فيه ما سماه ب"ثورة الاغنياء" وكيفية سيطرتهم على الاقتصاد، مستغلين الثورة الرقمية على اختلاف تشعباتها، وشل الحكومات من اخذ دورها ويقول ان: "هدف الثورة كان  وما زال تقليص عمل الحكومة الى حدود التشريعات، وفرض النظام في الداخل، من أجل حماية المشاريع الحالية... والى زيادة الإنفاق الدفاعي والى تحويل الحوافز باتجاه إعطاء الحرية الكاملة للسوق." أي بأن يكون دور الحكومة بمثابة "غطاء الممر الذهبي" للأثرياء -الرأسماليين الذين يشكلون أقل من 1% على حساب الأكثرية من المواطنين الذين يشكلون 99% وأكثر.

 

الغاء الاتفاقيات الجماعية والخصخصة تعميق للاستغلال 

حين اطلعت على مضامين هذا البحث الهام، عادت بي الذاكرة، الى العديد من النقاشات التي خضتها وما زلت مع العديد من الخبراء ومتخذي القرارات، على الصعيدين الحكومي والمحلي، والتي تمحورت حول قضايا ضرورة مواصلة الحفاظ على العمل المُنَظَم والاتفاقيات الجماعية وعدم التضييق على حرية التنظيم النقابي، ورفض أنماط التشغيل المُستحدثة، مثل المقاولة، والعمل وفق فترة محددة والغاء العمل بالاتفاقيات الجماعية بإدعاء انها لا تتناسب، ومسارات عالم العمل الذي أحبوا وصفه بكلمة "الحديث"، وطبعًا لم اغفل أن هذه "الإبداعات" ما هي الا محاولة بائسة لتجميل بلاغي لأسلوب استغلالي قام به أصحاب الفكر النيوليبرالي البغيض.

لا يمكننا أن نتغاضى عن الأهداف الحقيقية التي كان يحملها هؤلاء، الا وهي خدمة قوى رأس المال وتحقيق مآربها الهادفة السيطرة على كافة شرايين الاقتصاد محليًا وعالميًا خدمة لمطامعها الرأسمالية، عملية "تحييد" الدول او الحكومات من خلال فرض سياسة الخصخصة وبيع ممتلكات القطاع العام من مصانع ومؤسسات وبنوك وصناديق تقاعد وعقارات كانت تعود بالربح على الصندوق العام، وسط ضرب مكانة ودور النقابات العمالية قدمت لها الثروات والأرباح بلا حدود وبلا رقيب ومن دفع ثمن ذلك هم كافة المواطنون، وفي مقدمتهم الطبقة العاملة.

 

البحث شمل مسحا ميدانيا لعلاقات العمل في 36 دولة

يؤكد الباحثون أنهم قد قاموا بإجراء مسح تفصيلي، لعلاقات العمل في دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" بما في ذلك دور النقابات ونسبة تمثيلها للعمال في كل دولة والمعدل العام في جميع الدول الاعضاء، نسبة الاتفاقيات الجماعية وشموليتها لعدد العاملين، وتأثير هذه الاتفاقيات على مجمل الحراك الاقتصادي، وهل تلعب دورًا إيجابيًّا في النمو الاقتصادي ورفع الأجور والإنتاجية واداء سوق العمل وجسر الفجوة في المجتمع من اجل المساواة والاستقرار.

جاء في مقدمة البيان عند صدور البحث في الثامن عشر من تشرين ثاني 2019 ما يلي: "تعد المفاوضة الجماعية وصوت العمال من حقوق العمل الأساسية، ولكنها يمكن أن تُحَسن أيضًا أداء سوق العمل، وفقًا للنتائج الجديدة للبحث الذي أجرته "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية". ومع ذلك، يتعرض كلا هذين الحقين (التنظيم النقابي والاتفاقيات الجماعية) لضغوط بسبب الضعف العام لعلاقات العمل في العديد من البلدان وصعود أشكال العمالة الجديدة وغير المستقرة في الغالب.

وقال ستيفانو سكاربيتا، مدير التوظيف والعمل والشؤون الاجتماعية في "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، عند إطلاق التقرير في برلين (وكانت قد قامت الحكومة الألمانية بتمويل إجراء البحث): "إن المفاوضة الجماعية أكثر من أي وقت مضى، عندما تقوم على أساس الثقة المتبادلة بين الشركاء الاجتماعيين والمصممة لتحقيق توازن بين الشمولية والمرونة، يمكن أن تساعد الشركات والعمال على الاستجابة للتغيير الديموغرافي والتكنولوجي والتكيف مع عالم العمل الجديد." 

على امتداد صفحات البحث جرى تحليل الوضع التشغيلي -الاقتصادي في دول المنظمة عامة، بالاعتماد على المحور المركزي، وهو دور التنظيم النقابي والصوت العمالي كطرف في الاتفاقيات الجماعية، في تحسين اوضاع العمال من جهة، ورفع الإنتاجية في العمل ودفع النمو الاقتصادي للأعلى، وتقليص الفجوات وتحسين ظروف المساواة ما بين شرائح المجتمع من جهة أخرى.

وتقدم معطيات شاملة كيف كان للتنظيم النقابي الذي لم تهاجمه الدولة، بل وأعطته مناخًا منفتحًا لنشاطه بما في ذلك مواصلة توقيع اتفاقيات العمل الجماعية، وعدم تقليص أي منها، الدور في تنشيط اوضاع النمو الاقتصادي وتحسين الإنتاج وتقليص الفجوات، بعكس ما جرى في الدول التي قامت بتقليص دور النقابات والغاء اتفاقيات العمل الجماعية تحت إطار الخصخصة وحرية السوق.

 

تراجع في عضوية النقابات وشمل عمال في الاتفاقيات الجماعية

وفق البحث يتضح أن نسبة العمال الأعضاء في النقابات العمالية، قد انخفضت بشكل حاد، في جميع بلدان -منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية-، من حوالي 30 ٪ في المتوسط ​​في عام 1985، إلى 16 ٪ في عام 2018. كما وأن نسبة العضوية هي أقل من ذلك بكثير بين العمال الذين يعملون في وظائف غير ثابتة، مثل الأشخاص الذين يعملون بعقود محددة المدة، أو العمال المؤقتين، أو عمال الحسابات الخاصة.

كما وبالمثل، تقلصت نسبة العمال المشمولين في اتفاقية جماعية في عام 2017 إلى معدل 32 ٪   ​​في دول منظمة التعاون، مقابل 45 ٪ في عام 1985.

كما يؤكد التقرير أن عدد العمال الأعضاء في النقابات العمالية بدول المنظمة في عام 2018 بلغ 82 مليون عامله وعامل، وأنه إضافة لذلك فإن الاتفاقيات الجماعية المبرمة بين النقابات واصحاب العمل في القطاعين العام والخاص، شملت 160 مليون آخرين. 

أي حيث يتم توقيع الاتفاقيات الجماعية على المستوى الوطني، اتفاقية عامة، واتفاقية على مستوى النقابة المهنية أو اتفاقية محلية على مستوى مكان العمل ولجنة العمال. ثم يصدر أمر توسيع للاتفاقية يشمل جميع العاملين، أو العاملين في المهنة، مثال على ذلك النقابات الفرنسية نسبة المنظمين فيها 10%، وعندما توقع اتفاقية عمل جماعية عامة تسري على جميع العاملين في البلاد.

هذا المعدل يشمل جميع الدول، لكن لا بد من الإشارة هنا الى أن هناك دول فيها نسبة العمال المنظمين تفوق ال 80%، وكذلك شمولية الاتفاقيات الجماعية، وهي الدول التي برز فيها الدور الإيجابي والناجح اقتصاديا واجتماعيًا. 

تأكيدًا لذلك جاء في البحث بهذا الخصوص ما يلي: "تختلف كثافة العضوية في النقابات العمالية اختلافًا كبيرًا بين بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، حيث تراوحت بين 4.7٪ في إستونيا و91 ٪ في أيسلندا في عام 2018. وتظهر أحدث البيانات المتاحة أن 59 ٪ من العاملين في بلدان المنظمة كانوا يعملون في شركة كانت عضوا في منظمة صاحب عمل وكانت هذه النسبة مستقرة نسبيًا على مدى السنوات ال 15 الماضية ".

ووفق نتائج المسح فقد عبر بالمعدل 40% من الاشخاص بأنهم يثقون في النقابات العمالية بدول المنظمة، وفي فنلندا بلغت نسبة الثقة 65% مقابل 25% في كل من الولايات المتحدة والمكسيك.

 

أهم نتائج البحث

من أهم نتائج البحث التأكيد أولا أنه في البلدان التي وجد فيها تنظيم نقابي قوي لم تحاصره الحكومة بالتعاون مع أصحاب العمل، وتمت عملية المفاوضة الجماعية وتوقيع اتفاقيات عمل جماعية، تم إصدار أمر توسيع لها لتشمل أكبر عدد من العاملين، أدى ذلك الى استمرار النمو الاقتصادي العام، مما يعني أن نتائج النمو تصل الى أكثرية المواطنين وليس الى جيوب قلة قليلة، ففي هذه الدول - التي كانت القوة النقابية فيها متينة - استمرت عملية التشغيل بشمولية أكثر وذات إنتاجية عالية، وكانت نسبة عدم المساواة متدنية، كل ذلك حسب التقرير بفضل التنظيم النقابي وقيامه بتوقيع اتفاقيات عمل جماعية على مختلف مستوياتها .

الأمر ذاته يؤكده البحث، جرى حتى في الدول التي فيها نسبة العمال المنتظمين منخفضة، كان للاتفاقيات الجماعية التأثير الإيجابي على نسبة كبيرة من العمال، وبفضل أمر التوسيع للاتفاقيات تحسنت ظروف عمل نسبة كبيرة من العمال مما كان له أثر هام على الوضع الاقتصادي العام في تلك الدول.

يلفت البحث نظر واضعي السياسات في الدول الاعضاء في المنظمة الى ضرورة التنسيق ما بين جميع الأطراف، من اتحاد مشغلين وحكومة ونقابات عمالية بكل ما يتعلق بمسار توقيع الاتفاقيات الجماعية وسريانها، حيث يساعد ذلك أن يكون نشاط سوق العمل جيد ومستقر ويسير نحو النمو.

كما تتم الإشارة الى ملائمة مضمون اتفاقيات العمل الجماعية مع التطورات والمتغيرات الحادثة في سوق العمل بما في ذلك بما يتعلق من مرونة تتلاءم مع متطلبات مكان العمل (مثل حدوث مشاكل في التسويق أو تورط مكان العمل في خسائر).  في مثل هذه الحالات استطاعت اتفاقيات العمل الجماعية إنعاش مكان العمل والمحافظة على العمال فيه.

 

الاتفاقيات الجماعية وطموحات سوق العمل

تؤكد نتائج البحث أيضًا أن المفاوضات الجماعية، بمعنى آخر التنظيم النقابي في مكان العمل ومأسسة علاقات العمل وفق نمط الاتفاقيات الجماعية التي تهتم بحقوق العمال من جهة ونمو مكان العمل ورفع الإنتاجية فيه من جهة اخرى، هي من أهم أسباب التعامل مع طموحات سوق العمل المستقبلي وما يحدث من تغيرات في عالم العمل، أي أن يكون أسلوب المفاوضة الجماعية والتوصل الى اتفاقية جماعية الاكثر نجاعة ودقة في تنظيم سوق العمل مثل العمل من البيت أو العمل الرقمي، أو العمل المرحلي وغيرها.

ضمن نتائج البحث واتفاقيات العمل الجماعية لا يغفل معدو البحث، قضية شمولية الاتفاقيات هذه وبأن تلعب دورًا هامًا في مواجهة عالم العمل المتغير، بحيث تشمل بنود تضمن توفير دورات دراسية مهنية للتأهيل المهني للعمال في مكان العمل، كي يستطيعوا مواكبة التطورات والمتغيرات المتسارعة في عالم العمل، ورفع انتاجية مكان العمل وتطوير انتاجه عامة مما يعني ضمان استقرار دائم في علاقات العمل.

كل ذلك وفق البحث يتعلق في وجود تنظيم نقابي في مكان العمل على مختلف الأصعدة محليا او قطريا، كل ذلك يعتبره البحث رافعة هامة نحو الوصول الى جودة عمل عالية، من خلال عملية التنسيق ما بين ممثلي العمال -النقابة - وأصحاب العمل - الإدارة -، وتوفير وسائل الصحة والسلامة المهنية في مكان العمل، وعدم وجود تمييز او إساءة وظلم ما، وإيجاد توازن ما بين العمل واوقات الفراغ والتأهيل المهني وإدخال أساليب عمل جديدة ومتطورة، كل ذلك يتطلب إيجاد علاقات عمل ثابتة من خلال النقابات العمالية ولجان العمال في مكان العمل.

 

كلمة أخيرة: على الحكومات أخذ دورها لوقف التمييز القائم

نحن لا نتفق مع جميع ما جاء في التوصيات أو النتائج، لكن لا بد من الإشارة الى أن الكثير من النتائج التي توصل لها الباحثون، كنا قد أشرنا لها دائما، وما زلنا، وهي ان التنظيم النقابي والوحدة العمالية هما صمام الامان لضمان حقوقنا، وانه لا يمكن إعفاء الحكومات من مسؤوليتها في توفير الحماية والحرية النقابية وأن تأخذ دورها في الحفاظ على توازن في علاقات العمل، دون الانحياز لأصحاب الثروات والقوى الرأسمالية. عمليًا هذا ما تؤكده نتائج البحث ولذلك نعتقد ان المهمة الكبرى التي تقف أمام إدارة المنظمة، هي تنفيذ نتائج البحث وفرض ذلك على كافة الدول الاعضاء، خاصة وأن في هذه الدول هناك ملايين العمال الذين يعانون من ظاهرة الحصار على حرية التنظيم النقابي، وعدم الالتزام بتوقيع اتفاقيات عمل جماعية تضمن لهم عالم عمل عادل، لتأكيد ذلك هذا ما كتبه معدو البحث بخصوص المستقبل: "إذا نظرنا إلى المستقبل، فإن الاستفادة من المفاوضة الجماعية في عالم العمل في المستقبل، سوف تتطلب التدخل الحكومي، لا سيما لتوفير الوصول إلى حقوق المفاوضة الجماعية بما يتجاوز العمل العادي. إن تطبيق التصنيف الصحيح للعمال ومحاربة سوء التصنيف للعاملين لحسابهم الخاص عندما يكونون بالفعل في وضع مشابه لحالة الموظفين هو خطوة أولى أساسية (هذه الظاهرة منتشرة في الوزارات والمؤسسات الحكومية والمحلية، موظفون يقومون بالعمل نفسه بشروط واجور مختلفة - ج.ع). ولكن حتى مع التصنيف المناسب، سيكون هناك عدد متزايد من العمال في المنطقة الرمادية بين العمالة المستقلة والعمالة الذاتية، كما يجب تكييف لوائح العمل والمنافسة لضمان حصول هؤلاء العمال على حقوق المفاوضة الجماعية."

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب