news-details

 هَمْلانين هَمّكو !| نمر نمر

الطّيّبون والطّيّبات في مُجتمعنا ما زالوا كُثُراً، لديهم الكثير الجَمّ من المشاعر الإنسانيّة، التّرابط الاجتماعي والتّكافُل، الشّهامة والمروءة، المزايا الحميدة وَجَبْرِ الخواطر، هناك الظَريفون والظّريفات، خفيفو وخفيفات الظّلّ، دَمِثو الأخلاق، بعضهم يكتفون بمكالمات هاتفيّة على جناح السّرعة، وفي أوقات مناسبة، والبعض يتكبّد مشاقّ السّفر، مِثِلْ طَلّة الدِّبِق العرموني، دقائقُ معدودةُ من المجاملات العامّة، بَلا طول سيرة مِن طقطق للسّلام عليكو، تأنس بهم وأسْرتك من صماصيم قلبك، سرعان ما يستأذنون ويودّعون تاركين مِسْكاً وعنبرا، عدا عن الشّذى الطّيّب وأصول الزّيارة و(الإتيكيت) في هذه الظّروف الرّاهنة، وكأنّ لميحة تُحاكي فريد الأطرش:

جَبْر الخواطر على الله، / مِشّ طالِبْ مِنَّكْ غير طَلّة/

تعالَ سَلِّمْ وانا اسَلِّمْ / بِالعين وْبَسّ! حَنِتْكَلِّم/

مجروح وْمِشّ قادر أتْكَلِّمْ...

وسرعان ما تتغير الأحوال الجوّيّة رأساً على عَقِب، ويُنْبِئُكَ الرّاصد الجوّي: ترتفع درجات الحرارة بصورة ملحوظة، جوٌّ خماسيني، رياح عاصفة تحمل السّموم والهموم، مُحَذّرةً من أوباء وأعباء غير متوقّعة في مثل هذا الموسم السّنوي، تَحُطُّ الحُزْن في الجرّة، وَتَهْمَلُ همّاً فوق الهموم وهذا الحظّ المشؤوم، وفجأة يَبُصّ أمام ناظِرَيْكَ: طرفة بن العبد بِشحمه ولحمه وعظمه، دون التباس وِشَنْكَشَة، وقلبي دليلي:

سَتُبْدي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهلاً/ ويأتيكَ بالأخْبار مَن لم تُزَوِّدِ

وَيأتيكَ بالأخبار مَن لم تَبْغَ لَهُ/ بتاتاً، وَلَم تضْرِبْ لَهُ وَقْتَ موعِد!

-وين راحوا دار الشّيخ!

-تْفَضّلوا، أهلا وْسهلا!

-عليم الله هَمْلانين هَمْكو، جايين نِتْطَمَّنْ عليكو، ما بْتستاهلوا غير كُلّ خير، الله يشفيكي خالتي/عمتي/سِتّي، جارتي، رفيقتي، وغير ذلك من المجاملات التي لا تمتّ للحقيقة بأيّة صِلة...

ضَعِ الكلمة المناسبة في...، وقاموسنا الاجتماعي هو محيط المحيط، من المحيط إلى المحيط، لا تُضاهيه أيّة لغة في هذا الباب.

وتَتَّسِعُ النّدوة، ليس على (الزّوم) وعن بُعْدّ، بل وجاهيّاً ومصافحة وبوس أيادي وِدْقون! يلعن أبو الكورونا والّلي جابها، وتنوء المضافة بجمهور العائدين والعائدات، مطرح الضّيق بوسع مِيْتْ صْديقّ، كُلّ هَزّة بْراجل، تتزاحَم مُقدِّمات نشرات الأخبار الاجتماعيّة، مُذيعاتٌ لَبِقاتٌ، عَ الموضة، آخِر صَرْخة وتقليعة في عالم الأزياء، ما يَنْقُصُهُنّ فقط البنطلونات/ البناطلين المُمَزَّقة/ الممزوعة وْغير مرقوعة على الرُّكَب وما فوقها وما تحتها! تتنافس المذيعات على تقديم النّشرات الطّازجة، كلٌّ منهُنّ تَتَألّقُ بصوتها المخملي الجذّاب، المذيع الرّئيسي يُهَدّئ من روعهن وتنافُسِهِنّ، مؤكّداً للجميع: سيُعطى الوقت الكافي لكلّ منْكُنَّ صرنا نِهْمَلْ هَمّ، الوقت لا يشكو من قلّة البرامج، والمذيعات تشكون من قِلّة الوقت!

ترمقُ لميحَةُ ظِلّها باختلاس نظرة عابرة مع تعابير باكية: ما هذا؟ إلى أين وصلنا؟، يتمالكُ هذا أعصابه المفقودة: الله يْجيبِكْ يا طولة الرّوح.

كُلُّ مذيعة تتخيّل نفسها إحدى أشهر وأجمل المذيعات اللبنانيّات على شاشة المِرناة: ديما صادق، رشا الخطيب، جَسيكا عازار، ألين وطفة، منى أبو حمزة، أيميّة صيّاح، دوللي عيّاش، دينا عازار... وتنتقل إلى محطّة الجديد المُتلفزة، تتخيّل أنّكَ تستمع إلى تقاريرَ: فاطمة قاسم، يُمْنى فوّاز، راشيل كرم، دلال بِزّي ودارين شاهين، موجز النّشرة: فلانة طلّقها جوزها، علاّنة قايمة القيامة، أبو زعبر أعلن الحرمان الدّيني، أبو صْغَيّر على أهبة الاستعداد...، وإليكم تفاصيل النّشرة...

 تتذكّر طُفيليّات أشعب، وتتراءى أمامك بعض النباتات الطّفيليّة مثل: أبو هالوك، الحامول، الدّبْق الصّغير والعُلّيق الحامض الشّائك، ونبلع ريقنا وَنسرطه على مَضض، الله يْجيبك يا طولة البال، ونتجمّل بالصّبر، ونتذكّر كلمات المطربة أحلام:

-يا عطّارين دِلّوني الصّبْر فين أراضيهْ/ وْلَوْ طلبتوا عيوني خُذوها، بِسّ ألاقيه...

وتأتيكَ إحداهن فارعة دارعة، مُتخطّيةً كافّة الحواجز والعقبات، لا شور ولا دستور، وبصوت رهيب: وين رايْحين!!

-عمّالين نِسْتَنّا الأمبولانس!

-وْليش... قاعدة على كرسي العجلات!

-أسْتَغْفِرُ اللهَ العليّ العظيم!

-يا الله بَسْتنّا معكو! أنا مِش مستعجلة!

-بَسّ إحنا مستعجلين كثير يا بنت النّاس!، ولا حياة ولا حياء لِمَن تنادي!، تحاول صرفها بالتي هي أحسن، تعتذرُ لها بلطف، طَنّشَتْ، وْحَطَّتْ راسها بالحيط، بِتّقُلّها تيس! بتقول إحِلْبوه!

وتأتيكَ أخرى بحجّة الغُبْطانيّة والأمليّة لزيارة المريضة، وتطول الزّيارة لِأربع ساعات، وتتخلّلها إعلانات تجاريّة، ثمّ قائمة طلبيّات مستعجلة عمّي بّدّي سَفْطِة ورق دوالي!

-هذيك الدّوالي قُدّامِكْ، حَوّشي سَفِطْتين بدل سفطة!

-كمان بدّي تِشْليشة من هاي الّلي ورقها كبير خصوصي لِلّفّ!

-تكرمي، بس مش اليوم زرعو، تعالي قي أوّل الشّتويّة!

-لأ بدّي إسّا، وأنا بسقيها! وْخوذْ عْلاكْ وْحَكي فاضي بلا طَعْمة، عدا عن المرْقحة والرّندحة.

-وَتَدْحَشُ إحداهنّ ورقة نقديّة كبيرة مع فنجان القهوة!

-إحنا مِشّ شحّادين، وْلادِكْ أحَقّ منّا، إعملي معروف ضُبّيها!

وتتخيّل سلام الرّاسي أمامك هامساً: محتار بْأمْرو بو لْياس، النّاس جْناس جْناس، في ناس بْتِرْكَبْ ع َ جْحاش، وْفي جْحاش بْتِرْكَبْ ع َ النّاس!

وتنظر إليك لميحة برفق وحنان، كأنكَ تقرا مكنون صدرها في زمن الغفلة: من شين الله سامحها ولا تواخذها، يهزّ هذا برأسه موافقاً، ولسان حالك يقول: أصبحنا نادياً ومُلتقىً للضّالين والشّاكين من الفراغ، بعضهن يتركن بيوتهن لساعات في طقّ الحَنَك والقيل والقال، أصبحنا ملهىً نهاريّاً وليليّاً لِمَن فقد الأصالة، وهذا لا يعني التّعميم أبداً، وتعود سورة البقرة إلى الأذهان: (واتّقوا يوماً تُرْجعون فيه إلى الله، ثمّ تُوَفّى كلُّ نفس ما كَسِبَتْ وَهُم لا يُظلمون)

ويأتيك الفرج، الطّبيب الكفرساوي الخلوق: خليل إندراوس يهاتفكَ لتنسيق موعد لعيادة القرينة في بيتها، في اليوم المحدّد والسّاعة المُتّفق عليها، مُصْطحباً عدّتَهُ الطّبّيّة الكاملة، يجري فحوصات أوّليّة، يتمعّن في التّقارير الطّبّيّة، يعرض خدماته ويُطمئن إلى حدّ ما، يُلملم ما بعثره هامّاً بالانصراف على جناح السّرعة، منعاً لإرهاق المريضة، تعرض عليه تكاليف الزّيارة والسّفر، يرمقك بنظرة عتاب وأمل وألم!

-عَمّي أنا مش جاي عشان المصاري! هذه زيارة مهنيّة واجبة عليَّ، كُنْ على ثقة: إنّ كافّة زياراتي المهنيّة في البلدة وخارجها هي مجانيّة، وأنتَ بالنّسبة لي: ابن بلد، بكلّ ما تحمل الجملة من معان قريبة وبعيدة، والجَنّة بلا ناس ما بْتِنْداس! بْخاطْرِكْ خالتي! بْخاطرَكْ عمّي!

مفارقات غريبة، في ناس وفي ناس! والمعذرة من كلّ النّاس، وحديث النّاس، والخنّاس الوسواس! والله يساعد الّلي بْتُسْخُن مَرَتو! والله صُرْنا نِهْمَلْ هَمّ زيارات بعض الثُّقلاء! ونطلبُ معذرة الظُّرفاء، والمسامح كريم!

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب