news-details

وعند جهينة النقد المرآويّ الموازي| راوية بربارة

مساؤكم انتصارٌ على الذاتِ وهو أجمل ما يمكن، لأنّنا حين ننتصر على ذاتنا، نطوّرها نحن الأفضل؛ ونحن في كتاب "مرايا نقديّة في أدب المرأة الفلسطينيّة" تستوقفنا المجالات الأربعة الّتي انتصرنا فيها على ذواتنا، وحلّقنا قدُمًا، هذه المجالات هي:

  • مجال المرايا العاكسة للأدب.
  • مجال الأدب والنقد
  • مجال المرأة
  • المجال الفلسطينيّ

والسؤال: كيف يمكن للمرايا أن تكون مجالًا في النقد الأدبيّ؟

يأخذنا هذا السؤال إلى ما قاله طه حسين: «الناقد مرآة صافية واضحة كأحسن ما يكون الصفاء والوضوح والجلاء، وهذه المرآة تعكس صورة الأديب نفسه كما تعكس صورة الناقد». على اعتبار أن الناقد أديب وأن النقد أدب، حيث كان طه حسين يقول: «في قراءة القصيدة أو استماعها لذة فنية، وفي قراءة النقد أو استماعه لذة فنية لعلها تربي على اللذة الأولى"، وعليه، فإذا كان النقد أدبًا، فإنّ الناقد يدخل داخل المرآة، ومن خلال نقده نرى انعكاساتِ ثقافته، وفكرِهِ ومقدرتِه، وهكذا يقع الناقد أيضًا تحت سلطة النقد، وهو ما نفعله في قراءتنا، إذ نقوم بنقدٍ على النقد، ننقد نقد جهينة لكتابات الأديبات والمبدعات الفلسطينيّات في الداخل، نفهم من هنا أنّ الأدب السابق للنقد دومًا، بإمكانه أن يحيل النقد حوله إلى أدبٍ إذا مورسَت عليه سلطة نقد النقد، عدا عن أنّ الناقد يبقى مكبَّل اليدين لاعتباريْن أساسيّيْن: اعتبار أنّ الأديب هو منتِج العمل الأصليّ، والذي قد لا يستسيغ النقد حول إبداعه؛ ومن جهة ثانية خوف الناقد المشروع، من نقد النقد، أي نقد ما كتبه حول العمل المبدَع.

يمكن للقراءات المرآويّة أن تكون قراءات موازية وعاكسة في الوقت نفسه، أي أنّها تعبّر عن العلاقات بين مختلف وجوه الظاهرة الأدبيّة، وهذا ما فعلته جهينة خطيب حين أدخلت العلوم التطبيقيّة في النقد، العلوم الموازية للأدب اتّخذت وضعيّة المرآة العاكِسة، حين تحدّثت د. جهينة عن علم الأحياء في "عين خفشة" لرجاء بكريّة معنونةً مقالتها "عين خفشة وعلم الأحياء الخلَويّ مقاربة نصيّة بين رواية عين خفشة للأديبة رجاء بكريّة وبيولوجيا الخليّة؛ كما يمكننا أن نلحظ المرايا الموازية في قراءتها لمجموعاتي القصصيّة تحت عنوان: "القصّة القصيرة وعلم الفلك، مقاربة نصيّة، تفكيكيّة فلكيّة".

إنّ حركة التحوّل النقديّ هذه من انعكاسات المرايا، إلى المرايا الموازية يحيلنا إلى المفهوم الماثل في مصطلح القانون الأدبي،  (canon)، الكلمة اليونانية التي تعني بالإنكليزية المقياس، أو القضيب المعدني، أو مسطرة النجار، أي المعيار المعتمد أو مقياس الجودة.

وجهينة في مراياها الموازية غيّرت المقاييس في مسطرة النجّار، غيّرت المعايير المعتمَدة في النقد، ويبقى السؤال للقارئ المتلقّي "غير الناقد" ليعطي سلطته الراجعة على النصّ النقديّ ويقرّر القيمة النقديّة، والقيمة الأدبيّة للنصّ المطروح.

فرغم النقد، ونقد النقد لا بدّ للقارئ من ممارسة سلطته على النصّ، وفي هذه الحالة على نصّ النقد الأدبيّ على الإبداع، وهذا يتطلّب منه مهارات أكبر وتوقّعات أكبر من مجرّد الاستمتاع بالقراءة.

لا ننسى أنّه بين كلّ هذه المرايا مهما انعكست مرآة الكاتب الأصليّ فهي صورٌ انعكاسيّة لرؤية نقديّة لا علاقة له بها، ولا سلطة له، فكم من ناقد على مرّ التاريخ، نقَدَ نصًّا فأضفى عليه جماليّات لم يكن يعيها الكاتب ساعة الكتابة، وربّما لم بكن بقصدها، أعطاها النقد من عندِه موقعها وجماليّتها، وكم من ناقد نبش في النصّ فكتب ما لم يقصده الكاتب، ألم يحدث هذا مع نجيب محفوظ حين نشروا المقالة النقديّة عن روايته "زقاق المدق" وكتبوا: "الزقاق هو البطل"، قال أعجبتني القراءة والتحليل لكنّني لم أقصد ذلك،  تعلّمنا من يومها أنّ القصديّة لا تكمن عند الكاتب، فهو يكتب النصّ ويموت على حدّ اعتبار رولان بارت، ويأتي القارئ/الناقد ليحييه من جديد بمعارفه وثقافته وتجربته ومفاهيمه، وعليه أبطلْنا من يومها السؤال: ماذا قصد الكاتب؟

الكاتب ما قصده كان لنفسه، والقارئ والناقد ما قرأه كان لذاته وعن ذاته، لذلك لا يمكن أن تقول لناقدٍ: "أخطأْتَ" فكلٌّ واعتباراته، ولا يمكن أن تقول لكاتب "ما أجدْتَ"، فالتاريخ والقرّاء أقوى من القراءات النقديّة، والذوق الأدبيّ يختلف حلوه عن حامضِه وعن مرِّهِ.

ألم يذكر أدونيس أنّ “هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته”. الثابت عنده جوهر سباتيّ يجب أن يُهدم بجوهر متحوّل في ثنائية ضدّيّة ولكنّها معياريّة. وهذا يعيدنا إلى الأصل الضدّ المفضّل لدى أدونيس، بل إلى مفهوم الأصالة الذي يتعزّز لديه بالتكرار، والقراءة النقديّة الضديّة هي هدم للثبات، هي تحوّل، هي تكرار بصورة مختلفة للأصل.

وهذا الجدل الديالكتيك القائم على مفهوم التناقض، هو منهج سقراط الذي طوّره هيغل وماركس فيما بعد. وفي جميع الأحوال يشتغل الجدل عبر مفهوم التناقض نفسه، ويوضع النصّ الأصليّ موضع الفحص من خلال الاستجواب والاستطلاع، استجواب مضمون النصّ عمّ يتحدّث فعلًا، هل يتحدّث عن "أورغازما النوستالجيا1" كما وجدت الناقدة في قراءتها لكتاب "مزاجيّة مفرطة" لحنان جبيلي، أم أنّ ما وجدته الناقدة أعجب الكاتبة، أو تحدّث عِوَضًا عنها فسكتت، وتحوّل ثابتها النصيّ إلى متحوَّل نقديّ؟

برأيي إنّ العلاقة بين النصّ المبدَع والنصّ النقديّ تشبه العلاقة بين الظواهر الاجتماعية المكوّنة من العنصرين اللذين كان أوغست كونت يسمّي أحدهما ثباتاً واستقراراً، ويسمّي ثانيهما تحوّلًا وانتقالًا”.

ولا ننسى أنّ العناصر التقليديّة في النقد توازن حركة النقد الحديثة، كما تفعل تلك العناصر التقليديّة في النصّ الأدبيّ، إذ كما يقول أدونيس في كتابه الشعريّة العربيّة يقول "إنّ الإبداع لا عمر له. لذلك ليست كلّ حداثة إبداعًا. أما الإبداع فهو أبديًّا، حديث”.؛ وفي كتاب جهينة خطيب تحوّل النقد نوعًا من الإبداع، لذلك هو أبدًا يتمتّع بالحداثة، عدا عن كونه يطرح أدب المرأة، ذاك الأدب الذي تكلّله الحداثة على مستوى المضامين وعلى مستوى التجريب: المبنى واللغة.

 إذ على حدّ قول  "ضحكة الميدوزا" لم أجد أجرأ من المرأة على كسر المسلّمات الأدبيّة، وها هنّ أديباتنا يكسرن مسلّمات اللغة، والمضمون، والأسلوب والمبنى؛ وها هي ناقدتنا د. جهينة تكسر بدورها المسلّمات النقديّة وتغيّر زوايا النظر في مرايا النقد.

وأخيرًا: في مقالة إليوت “تأمّلات في الشعر الحرّ” (1917) قول قد يفيد في حالتنا الأدبيّة والنقديّة. يقول إليوت “لا وجود للانقسام بين الشعر المحافظ والشعر الحرّ، لأنّه لا يوجد سوى شعر جيّد وشعر رديء”.، وبرأيي لا يوجد أدب مرأة، وأدب رجل، بعيدًا عن الأدب النسويّ الذي له حيثياته وظروفه، فالمرأة تكتب من جسدها، من ذاتها، من تجربتها، من موقعها الاجتماعيّ في الهرم الذكوريّ السلطويّ، من موقعها التاريخيّ والتراثيّ والحضاريّ، لذلك أؤمن بوجود أدب جيّد يجب أن يوضع تحت محكّ النقد المبدِع، وأدب رديء يستحقّ هو الآخر مقصّ النقد.

بوركت الجهود والمساعي النقديّة التي أعطت أدبنا المحليّ زخمه ووجوده.

 

حيفا في 5-08-2021

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب