news-details

وقفات مع علم الجمال - الاستيتيكا| د. فؤاد خطيب

ما هو علم الجمال، هل هو فرع من فروع الفلسفة؟ أم هو علم هذا الوجود وهذا الخلق الكوني الجميل بكل أبعاده وجماله. كلما عرفنا عن هذا الكون أكثر تفجر الجمال أمامنا أكثر. وكأننا نقوم من جديد بإعادة صور منذ بداية الخلق، أي نرى انبساط هذا الجمال اللانهائي في مسافات من الزمن لم يصلها العلم ولن يصلها. هذا الجمال يسير طرديا مع معرفتنا من جديد لهذا الكون. اذًا الجمال وضع وحالة خاصة وعامة بذات الوقت، أكبر من كل العلوم وأقدم منها ولا يمكن وضع أسس وقواعد لهذا العلم اذا صح هنا هذا التعبير. لأنه كما أسلفنا الجمال الكوني ببساطة يتمدد ويتطور مع حركة الكون الأبدية التي لا نعرف بالضبط روابطها ولا بدايتها ونهايتها. فكيف لنا أن نضع أطرًا لشيء لم ينته ولا زال منذ مليارات السنين الضوئية في مرحلة الخلق والتكور والتبلور وخلق معادلات فلكية كل دقيقة، وكل رمشة عين أو  فمتوثانية، وهو جزء من مليون مليار جزء من الثانية (وقد اكتشفها العربي المصري - الامريكي العالم أحمد زويل والتي غيرت الى الأبد مفهومنا للوقت وغيرت كل العلوم الرياضية وساهمت في تعقيد كل خوارزميات هذ الوجود).

كل فلاسفة العصور حاولوا وضع أسس لعلم الجمال أو تعريف لهذا العلم- الظاهرة الكونية المتحركة في المكان والزمان ولم يفلحوا. عادة عندما لا يفلح عبقري في مجال العلم والأدب والفن تجسيد فكرة أو ابداعية يركنها ويخمرها في زاوية فلسفية غير معروفة على أساس أن الفلسفة تحوي كل العلوم، حتى تأتي لحظة المخاض والخلق. تكون الفكرة عندها مفتاحا لعالم علمي واسع أو لحقيقة لا نعرفها اليوم أو البقاء على فوهة عدم لا نهاية ولا بداية لها. العقل هو ذاك الكهف العجيب الذي لا نعرف كل أسراره. أي أن المبدع يأخذ من وعيه ويضعه في ركن في لاوعيه وينتظر. ربما تتبلور الفكرة كاملة في حلم يقظة أو أمنية أو لحظة عاطفية حساسة وحاسمة التي تداعب احساس العقل المبدع ليخرجها الى الناس. المبدعون على أهوائهم هم أكثر الناس حساسية تطاردهم الافكار ويطاردونها في حرب مستعرة حتى ساعة الخلق أي خلق الفكرة التي تصبح ربما نظرية جديدة أو معادلة جديده أو منارة فكرية في بحر المعرفة المتلاطم الذي لا حدود له.

قال الفيلسوف ابن سينا "الجمال موجود بذاته ووجوده أو في ذلك الرابط بين الأجزاء التي تؤلف الكل". حاول قبله الإغريق القدماء أن يضعوا أسسا لعلم الجمال لا تقيده معادلات أو تبادل طاقات أو أسس يبني هذا العلم ذاته عليها، أذا أخدنا بعين الاعتبار أن العلوم الطبيعية والانسانية تقوم على أسس ونظم تكون هي الأساس البناء لهذا أو لذاك العلم. في أواخر القرن الثامن عشر كان زمن الانبعاث الحضاري الأوروبي الذي استمد وجوده وقيامة ومن ثم حضارته من الحضارة العربية، والتي قامت بمشروعين عملاقين كانا الأساس في سبب النهضة التي تعيشها الانسانية الآن، الأول الترجمة من الحضارة الاغريقية والثاني الابداع العربي العلمي الفلسفي الخالص وفي مجالات العلم والفلك والطب الذي انتقل من الاندلس الى الغرب عن طريق جبال البرينيه التي تعتبر الحدود الطبيعية بين فرنسا واسبانيا، وحينها الحدود بين أوروبا العصور الوسطى المظلمة في عز وتـألق الحضارة العربية المزدهرة حينها التي وصلت الاندلس من بغداد ومن دمشق وقاهرة المعز لدين الله الفاطمي. في أواخر القرن الثامن عشر حاول فيلسوف الماني أسمه الكسندر جوتليب وضع أسس لعلم الجمال، علم جديد يحلق بين المثالية التي اكتسحت أوروبا في ذاك الحين وبين مادية هيجل وماركس. أي وضع أسس مادية لا بد الا أن تنتهي في بناء مثالي أو العكس. حاول هذا جمع وحدة النقيضين المتنافرين في فهم هذا العلم وتاريخه ووجوده واسباب جماله أو قبحه ولم يفلح.

ما نراه اليوم ليس الا شطحات فكرية جميلة لا تعتمد على أسس علمية مثبتة. نعم نرى اليوم حالات جمالية علمية أو أدبية سواء كانت نثرا أم شعرا أم ما بين الحالتين أي النظم والشعر، وما نراه في ابداعات الرسم والنحت والموسيقى. أي في أقصى الحالات وأبعدها حاول هذا الفيلسوف ايجاد قواعد لبعض حالات الابداع والجمال وليس لعلم الجمال أي- الاستيتيكا الذي يدرس اليوم في الجامعات معتمدا على ما وصلته التقنية العصرية من أدوات لم تكن متوفرة قبل عقود قليلة. نحن نرى في الحياة والممارسة أن الجمال مرتبط ما بين الابداع والخيال ومن ثم قدرة العقل المبدع التي تحوّل هذا الاحساس أو الشعور المتعارف عليه الى حالة جمالية لم يشعر بها أحد قبله.

الوردة الجورية حالة من حالات الجمال يراها الجميع في الحدائق وعلى أطراف الطرقات، ولكن المبدع وحده هو القادر على اخراج جمالها من الظلمات الى النور ومن ثم اجادة الوصف وايصاله الى المتلقين. كما أسلفنا الجمال هو خلاصة كل العلوم وأحيانا كثيرة يمكننا القول أن الجمال هو سبب هذا الوجود وديمومته وغايته من وجوده هذا. ما خلفته الحضارات القديمة من آثار مبدعة وقف خلفها وجود مبدع وعقل انساني فردي مبدع في كل شيء وفي كل عصر هو وحده القادر على خلق هذا الجمال وتجسيده.

الانتاج الأدبي العربي من شعر ونثر حاضر في وجوده ذلك الجمال التائه في الطبيعة والحياة وجسّده بأبدع الصور. وللوصول الى ابداع حالة جمالية لابد من حضور الموهبة والخيال والاحساس كأدوات انتاج وبضعا من صور ولمحات من الجمال وليس الجمال كله، كم بالحري ايجاد أسس وقوانين علم الجمال. لنأخذ حالة من جاهلية العرب الذين أبدعوا على فطرتهم كيفا وكما. على سبيل المثال لا الحصر نورد بعض الامثلة بعجالة. كتب أو قال عنترة العبسي الشاعر والفارس:

"ولقد ذكرتك والرماح نواهل/ منّي وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها/ لمعت كبارق ثغرك المتبسم

حاله ابداعية جمالية راقية لا شك في هذا. أي أن الشاعر في المعركة حتى ودمه ينزف من السيوف لم ينس شفتي حبيبته ورأى لمعان السيوف ببعضها كثغرها واراد تقبيله وهي التي تنتظر على جمر خائفة علية ليلثم شفتيها ويتم الوصل ويتم اللقاء.

كتب نزار الدمشقي الذي غير صورة الشعر العربي وأبدع في وصف حالات العشق والهوى وغنت ايقونة الغناء العربي العشقي نجاة الصغيرة:

كفاك تلعب دور العاشقين معي وتنتقي كلمــات لست تعنيهــا

كم اخترعت مكاتيبـا سترسلها وأسعدتني ورودا سوف تهديهــا

وكم ذهبت لوعد لا وجود لـه وكم حلمت بأثـواب سأشريهــا

وكم تمنيت لو للرقص تطلبني وحيـرتني ذراعي أين ألقيهـــا

صورة عشق جمالية رائعة لم يكتب مثلها أحد من قبله ولم يصور أحد قط حيرة العاشقة المتلهفة بل أودعها اياها شاعر عاشق مبدع يخترع أحاسيس وكلمات جميلة ويخطو خطوات خالق للجمال في أجمل صورة. تطورت الصور حتى التقنية الرقمية ولكن الأحاسيس بقيت والحب بقي شقيا وأن اختلفت ادوات التعبير وسبلها.

إن الخلق بمجمله بديع تتجلى فيه صور جمالية أبدية والعقول المبدعة تغرف من هذا النبع وتجمل هذا الوجود. أنظروا حولكم، الجمال موجود في كل زاوية وبوفرة. تمتعوا به وبوجوده فهو حقا روح هذا الوجود وسبب علته ووجوده.

 

في الصورة| أكروبوليس – للفنان اليوناني ستيرس غيراسيموف (1898-1987)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب