news
ملحق الجمعة

"الرامة، رواية لم تُرْوَ بعد" ،حكاية قرية تُجسّد وطنا| د. نبيه القاسم

إنّه حلم تَحقّق

صدر في الأيام الأخيرة عن "دار طباق للنشر والتّوزيع"، رام الله 2020، الكتاب الموسوعة "الرامة: رواية لم تُرْوَ بعد 1870-1970" للدكتور المرحوم أديب القاسم حسين وابنته الكاتبة نسب أديب القاسم حسين في 640 صفحة بحجم 28/20 التي كرّس لها الدكتور أديب سنوات طويلة من عمره، ومات ولم يُحقّق حلمَه بإتمام الموسوعة وإصدارها.

وبعد وفاته في 28.9.1993 حاولتُ وابن العمّ الشاعر سميح القاسم أنْ ننجز العملَ، ولكنّنا وجدنا الصّعوبات الكبيرة وعدم إمكانيّات العمل لالتزام كلّ منّا بأعمال ومسؤوليّات مختلفة، فأجَّلنا العملَ لمستقبل قد يأتي. وكبرتْ نسب التي كانت في سنّ السادسة عند وفاة والدها، أنهت دراستَها الثانوية ومن ثم الجامعيّة في الجامعة العبرية في القدس في كليّة الصيدلة وشقّت طريقَها الإبداعي في القصة القصيرة والرواية، وكان كتابُها المميّز عن مواقع ومَعالم وأهل القدس "أسرار أبْقَتها القدس معي" دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس 2016" ممّا بَوّءَها مكانة أدبيّة وثقافيّة أهلّتها لنَيْل جوائز أدبيّة عديدة في القصّة القصيرة، ثم مَنْحها "جائزة دولة فلسطين في الآداب والفنون والعلوم الإنسانيّة للمُبدعين الشباب" عام 2015 من يد الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس.

لم تنس نسب العهدَ الذي قطعته على نفسها بتحقيق حلم والدها، فأقامت متحفا على اسمه في بيت العائلة القديم في الرامة "متحف الدكتور أديب القاسم حسين" وأخذت تعمل جاهدة لإتمام مادّة كتابه عن الرامة حتى أتمّت العملَ وصدر الكتاب الموسوعة عن قرية"الرامة" التي أحبّها أديب وحمَلها معه في إقامته ما يزيد عن سبع وعشرين سنة للدّراسة في الولايات المتحدة ومن ثم للعمل طبيبا للأسنان في سويسرا.

تُهدي نسب الكتاب "إلى روح أبي لتستكين في رقاد أو قيام وإلى جميع حُرّاس الذّاكرة وأبطالها وإلى كلّ مَنْ آمَن بحلم وجعله حقيقة".

 

الهاجس المستمرّ

تقول نسب في توطئتها للكتاب "وعيتُ على أبي وهو يُعِدُّ كتابا، وأدركتُ أنّ لاسمي منه نصيبا، فهو يختصّ بنَسَب العائلات . لكن متى بدأ بالإعداد لهذا الكتاب، أو كيف أراد له أنْ يكون؟ بقي هذا السؤال لمدّة طويلة دون جواب، أو يحمل نصفَ جواب، حين رحل فجأة إثر سكتة قلبية في 28 إيلول 1993 وهو في الرابعة والستين من العمر، دون أن يرى كتابَه الذي عمل عليه سنوات طويلة. رحل وظل سؤالُ كلّ مَن قابلَهم وانتظروا الكتاب لي: ما هو مصير كتاب د. أديب؟ سؤال لاحقني منذ الطفولة، وتمنيّتُ أن يُعْثَر له على جواب عند غيري، وحاولتُ أن أتمّ دَيْني تجاه أبي، بالإرث الثقافي الذي تركه لنا، بتحويل بيت جدّي القديم الذي توفّي فيه وهو يرمّمه ويحلم بإعادة الحياة إليه إلى متحف يحمل اسمَه، ويفتح أبوابَه أمام أبناء القرية وكلّ مَن يهتمّ بالتّعرف على التراث العربي في الجليل حتى عُدْتُ قبل خمس سنوات لأواجه هذا السؤال وأراجع هذا الكتاب الذي تورّطتُ ووجدتني شريكة فيهدون أنْ أقصد. وأنا أكتشف كلّما تقدّمتُ خطوة أنّني لا أقف على حقائق وأحداث عن قرية صغيرة تقع وسط الجليل، بل أقف على نموذج مُصغّر لفلسطين وأثر نكبتها عام 1948 عبر تفاصيل رامتي".(ص9)

 

الرامة عروس الجليل

قرية الرامة حتى منتصف سنوات الثمانين من القرن الماضي، القرن العشرين، كانت بمثابة عاصمة الجليل وقرى الشاغور، فهي كما سمّاها الجميع "عروس الجليل"، وملتقى طالبي العلم الذين يأتون إلى مدرستها الثانوية الوحيدة في المنطقة وقد أقيمت سنة 1952، وكانت الأولى التي مُنِحَتْ علامة الوقاية لامتحانات البجروت، وضمّت كادرا انتقائيّا من المدَرّسين في مختلف المواضيع. كما عُرفت الرامة بالعدد الكبير من المتعلمين وشاغلي المناصب الحكوميّة والإدارية والمثقفين والكُتّاب والشّعراء الذين عُرفوا على الساحة الثقافيّة الفلسطينيّة والعربية أمثال الشاعر ناصر عيسى والشاعر يوسف نخلة والشاعر يوسف حنا والكاتب المحامي علي حسين وفيما بعد بالأستاذ الشاعر سلمان فراج والشاعر الدكتور نزيه قسيس والشاعر نديم حسين والدكتور شوقي قسيس والباحث الدكتور خليل نخلة والكاتبة نسب حسين وشاعر العروبة سميح القاسم. وكانت مركز إشعاع ثقافي لكل البلدات المحيطة بها، فرئيس مجلسها المرحوم حنا مويس كان الرئيس الأول للجنة القطرية للسلطات المحليّة العربية ورئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، وفي الرامة وُقّعَت وثيقة الجماهير العربية، كما كانت لسنوات طويلة مركزا تجاريّا وملتقى خطوط السفر الرئيسيّة إلى أنحاء البلاد، وفيها توجد فروع المصارف المختلفة ومركز للبريد وعيادات المرضى وأطبّاء يستقبلون المرضى من كل القرى القريبة. كما تميّزت بمستوى حياة سكانها المعيشي والعلاقات الطيّبة المتسامحة بين أبناء الطوائف الثلاث وبالمحبّة التي يكنّها لها سكانها، فكان الواحد، ولا يزال، يشعر بالفخر والاعتزاز بانتمائه للرامة.

تؤكّد نسب في مقدّمة الكتاب أنّ "هذا الكتاب يطرح رواية جمعيّة تبيّن العلاقة بين الإنسان والمكان، حاملة أبعادا ومركّبات أساسيّة في الحياة اليوميّة لسكان القرية منها التاريخيّة والجغرافيّة والاقتصاديّة والإداريّة والثقافيّة والصحيّة إلخ، كما وتُقدّم عَرضا موجزا وشاملا  عمّا حصل عام 1948عند احتلال الرامة من قبل القوّات اليهوديّة والسنوات التي تلتها".(ص13).

 

هذا الكتاب الموسوعة

يتوزّع الكتاب على ثلاثة فصول طويلة وخاتمة وأربعة مَلاحق وقائمة بالمراجع المعتمَدَة.

الفصل الأوّل وقد كتبته نسب يتناول الفترة الممتدّة من سنة 1870 إلى سنة 1947ويهتم بالنّواحي التّاريخيّة والجغرافيّة والإداريّة والاقتصاديّة والتّعليم والثقافة والصّحة والجوانب الاجتماعيّة، وما تَحفظه الذّاكرة الشعبيّة من قصص ونوادر وأشعار شعبيّة.

الفصل الثاني كتبته نسب أيضا ويتمحور في فترة وقوع القرية تحت احتلال القوّات اليهوديّة للرّامة عام 1948 وما أعقب ذلك من مَظالم ومُلاحقات وتغيير وجه الرامة وبنيتها بتهجير العديد من أهلها إلى لبنان والأردن، وترحيل أهالي قرى إقرث بين 6-8/11/1948 وكفر عنان وفَراضية خلال عامي 1950- 1951 إلى قرية الرامة.إضافة إلى فَرْض قوانين الطوارئ والحكم العسكري على العرب حتى عام 1966،  ويروي قصص المواجهات الحادّة التي جرت بين سكان الرامة والسلطات الإسرائيلية حول العديد من القضايا.

الفصل الثالث والأساس والدّاعي لهذا المبحث كتبَه الدكتور أديب القاسم وفيه عملَ على تأريخ وتحقيق أنساب العائلات التي سكنت الرامة حتى عام 1948 بدءا من الجدّ الذي انتقل إلى الرامة وصولا إلى المواليد حتى عام 1960 تقريبا. وبحث في جذور العائلات وتسجيل أنسابهم مع إيراد أصول بعض العائلات، وولادة بعض أجدادها. وقد اعتمد الدكتور أديب على أسلوب المقابلة والرّواية الشّفويّة، وأجرى العديد من المقابلات وقارنبين الروايات للتأكّد من صحّة المعلومات. وقام بتكرار بعض الأحداث لإيراد قسط أوفى من التّفاصيل. وقد تمّ جمع المعلومات في فترات مختلفة:

 المرحلة الأولى 1978-1990 حيث قام الدكتور أديب بمقابلات كثيرة  شكّلت القسم الأكبر من الفصل الثالث.

 أمّا المرحلة الثانية فقامت نسب بإجراء عددا من المقابلات ما بين 2018-2020.

جدير بالذكر أن الكتاب يحتوي على أسماء وسجل العائلات التي سكنت الرامة حتى عام 1948، ولهذا لن تظهر أسماء عائلات كثيرة تسكن الرامة اليوم، كما أنّ القائمة تشمل أسماء عائلات كثيرة لم تعد تعيش في الرامة ومنها مَن انقرضت.

اعتمد كلّ من الدكتور أديب وكذلك نسب على تدعيم مصداقيّة الأحداث التي سجّلوها على الصّور التي صوّر الدكتور أديب معظمَها، وبعضها أُعطيَت له من قبل الذين قابلهم واستمع إلى رواياتهم. كذلك الرسومات قسم كبير منها الدكتور أديب قام برسمها. كما أنّه اعتمد على سجلات النّفوس الرّسميّة وعقود الزواج والطلاق والولادة والوصايا ودفاتر المذكّرات وأوراق ثبوتيّة مختلفة. كما وقامت نسب بالتّحقّق من الكثير من المعلومات ببحثها في الأرشيف الإسرائيلي وما نُشر في الصحف الفلسطينية.

 

أخيرا

ليس كتاب "الرامة رواية لم تُرْو بعد" كتاب تسجيلي كأيّ كتاب قَصَد التّسجيل التوثيقي الجاف للمكان والناس، وإنّما هو موسوعة كبيرة تتناول إلى جانب القَصْد التّوثيقي الجوانب الإنسانيّة، وتتوسّع في عَرض المناحي الاجتماعيّة والعلاقات الفرديّة والجماعيّة المتميّزة بين أهل الرامة على مختلف انتماءاتهم العائليّة والدينيّة. موسوعة تحفظ التاريخ الجميل لأهل الرّامة، هذه البلدة التي كانت ولا تزال عروسا وقنديلا للجليل وأيقونة على صدر فلسطين.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب