news
ملحق الجمعة

"كيف سقينا الفولاذ"

ما هو دور الثقافة إذا لم تكن أداة كي تستخرج هذه الأمة مكنونات هذه الأمة!
 

يقول غرامشي: كل جماعة اجتماعية يظهر لها وجود على الأرض الأصلية لوظيفة أساسية في عالم الانتاج الاقتصادي، تخلق بنفسها عضويًا، طبقة أو أكثر من المثقفين يمنحونها تجانسًا ووعيًا بوظيفتها الخاصة ليس فقط في المجال الاقتصادي، ولكن أيضًا في المجال السياسي.

يستخدم غرامشي مصطلح المثقف بشكل عريض، ليشير إلى كل أولئك الذين لديهم دور تنظيمي ثقافي إيديولوجي في المجتمع اي الجماعة، فعلى سبيل المثال معلمو المدارس، وتقنيو ومديرو المصانع، موظفو الخدمة العامة … إلخ. مثلًا رجل الأعمال الرأسمالي يخلق إلى جانبه التقني الصناعي، والمتخصص في الاقتصاد السياسي، ومن يقومون بتنظيم ثقافة جديدة ونظام قانوني جديد إلخ.

وفي حالة ما سنسرد، نبني للفعل وللمقاتل جسدًا وروحًا كي نحيا معه وبه، كي ندرك أن النقاش ممكن أن يكون بعيدًا عن ثقافة الهزيمة! 

إنّ ما يحدث من حولنا من نقاشات بين التيارات السياسية والاجتماعية على أساس محاولات فرض الرؤى السياسية كل منها على الاخرين من دون الرجوع الى حقائق المواضيع على أسس ومسلك فكري وتاريخي واضح غير ما تم أعداد تفكيرنا كي يسير عليه.

فلنعد للبحث عسى أن نستعيد هوية الانسان الفلسطيني ونتكلم هنا عن تيار سياسي ليس بمعزل عن المتغيرات التي عصفت بشعبه.

بالأخضر كفّناه بالأحمر كفّناه 

هي بيروت كانت حلم كل مقاتل وحالم وشاعر 

هي البندقية التي تتكئ على نفسها خوفا على نفسها من برد الشتاء القادم من الغرب البارد

والقاتل السالب لكل أرواح الحالمين في الحرية 

وريح الشرق المفعم بروايات القتال والصمود

هي حضارة قتالية دشنها هذا الشعب وخطوطه السياسية وأرسلها للعالم من فوهات البنادق الحالمة والكتب التي كانت مخازن للبنادق ولعقول المقاتلين والشعراء.

لا يمكن أن نتحدث عن الثورة الفلسطينية من دون رواد المنجل والشاكوش فلهم فيها البريق الحالم ولهم فيها أن كان "لدوزانهم" الأدبي دور في نشوء هذه الحضارة المقاتلة 

وللفعل الثوري كانت "الأنصار" واحفظوا عهدها هي كحلم للمقاتل والشاعر وللمقاتل في جبال جرش والمقاتل في بيروت ومن أدبها ودمها أرسلت الفتيات الفلسطينيات "رسائل حب وحرب" كي تهدئ أساريرهن عن حبيب أو زوج أو أخ أو أب ذهب بعيدا مع "الأنصار" بكامل الحب وبكامل العرفان أنهم اختاروه

ومن أغاني الأنصار وسجلهم في الفعل الثوري تدريبهم، البذرة التي شكلت الحرس الشعبي التابع للحزب الشيوعي اللبناني فكانت النواة العسكرية الاولى للحزب الشيوعي اللبناني التي شكلت جبهة المقاومة الوطنية لاحقا مع ثوار لبنان مع الحزب القومي الاجتماعي ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان، فما أجمل الأغاني التي تشتم في ريحها الاستشهادية الشيوعية لولا عبود وسناد محيدلي وعلوان والجبهة التي حررت أرض لبنان من الصهاينة. 

 

//حكاية أغنية: بالأخضر كفناه بالأحمر كفناه.

كان الشاعر العربي الفلسطيني عز الدين المناصرة في بيروت أثناء حصار بيروت عام 1982، وكان زميله في السكن فدائي فلسطيني من الاردن من قوات أنصار الشيوعية التابعة للحزب الشيوعي والذي أصبح لاحقا حزب الشعب الفلسطيني وهو من قرية حوّارة بمحافظة اربد.

لم يكن يعرف الشاعر المناصرة عن هذا الفدائي سوى أن اسمه الحركي "زياد القاسم" وأن زياد هذا له شقيق فدائي آخر جاء معه من الاردن، حيث كان من مقتضيات العمل الفدائي والسلوك الثوري ومن ضرورات الأمن في تلك الفترة ان لا يسألوا عن الاصول والمنابت ولا عن الاسم الصريح، فكل التعامل والمعرفة كانت في حينها عن طريق الاسم الحركي.

وكان الاسم الحركي في حينها بمثابة بطاقة الاسم والهوية التعريفية الجديدة للمناضل والفدائي والذي يتخذه بمجرد ان ينخرط في العمل الفدائي، بحيث يختار المناضل اسما غير اسمه الحقيقي للتواصل مع الاخرين والتعريف عليه، وكان هذا الاسم هو ما يطلق عليه مصطلح الاسم الحركي، وهذا الاسم عادة ما يكون تيمنا بمناضل سابق او اسير او شهيد او علم من اعلام السيرة العربية والاسلامية او الثوار العالميين والغاية منه ابتداءً امنية وثانيا بهدف احياء سيرة ونهج الثوار والرواد الاوائل والاقتداء بهم والسير على نهجهم وحفظا لذكراهم، وثالثا وهو الاهم نكران الذات في سبيل الشعب والفكرة والثورة وتغييب صيغة المفرد والانا لصالح الفكرة الجمعية نحن.

يقول الشاعر الدكتور عزالدين مناصرة: "كنا نعيش معا متآخين همنا الثورة"، ويذكر كيف أن والدة الشهيد "زياد" كانت تحضر إلى لبنان بلباسها الشعبي كي تطمئن على أولادها "وتقابلنا جميعا وتحتضننا وتطمئن علينا جميعا ومن ثم تودعنا كلنا كأننا أولادها".

ويتابع الشاعر الكبير عزالدين المناصرة الحكاية فيقول: استشهد زياد في احدى المعارك البطولية ضد العدو الصهيوني في بيروت ومن شدة القصف المتواصل على بيروت لم يستطيعوا أن يدفنوا زياد إلا بعد ثلاثة أيام عندما هدأ القصف، وفي أثناء مراسم الدفن تصادف وجود ام فلسطينية "ختيارة" حاضرة لمراسم التشييع وقالت بلهجتها العامية البسيطة (سبحان الله جرحه لسة أخضر) أي أن جرحه ما زال ينزف.

علقت كلمات العجوز البسيطة في عقل وذهن الشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة لتنفجر فيما بعد قريحة الشاعر ويكتب بعدها قصيدته الشهيرة بالأخضر كفناه. 

سمع الموسيقار مارسيل خليفه القصيدة والقصة التي كانت السبب في القصيدة، فلحنها وغناها ونشرها في أرجاء الوطن العربي، وكان مارسيل قد غنى قصيدة الشاعر المناصرة (بالأخضر كفناه) عام 1984 في ملعب الصفا في بيروت أمام (مائة ألف متفرج).

زار الشاعر عزالدين مناصرة منزل الشهيد زياد سليمان طناش الشطناوي في منطقة حوارة في اربد ونقل لذويه ولأمه التي كانت تزورهم دائما في بيروت خبر استشهاد ابنها زياد، ولتلك الزيارة وتفاصيلها والشجن والعبق الذي اكتنفها حكاية أخرى لها فصول مبكية سنوردها في مقام آخر. وعلى أثر هذه الحادثة المبكية والموجعة حد التعب كانت هذه القصيدة وهذه الاغنية.

 

بالأخضر كفناه

 

بالأخضر كفّناه بالأحمر كفّناه

بالأبيض كفّناه بالأسود كفّناه

 

لا الريح تحاسبنا إن أخطأنا لا الرمل الأصفر

لا الموج ينادينا إن خطف النوم أعيننا

والورد إحمرّ

يا دمَهُ النازف إن كنت عذاباً يومياً

لا تصفرّ 

 

المثقف المتخصص هو الذي يقطع نهائيًا مع دعوى الشمولية والكونية والكلية ويمارس يقظةً سياسية نظرية أخلاقية في ميدان عمله أو محيطه الاجتماعي.

 المثقف الجديد هو المحلل والناقد لأنظمة الفكر والتي أصبحت تشكل بديهيات، والتي ترتبط بشكل عضوي مع مفاهيمنا ومواقفنا وسلوكنا الذي اقتنعنا أنه لا يمكن الخروج منها. وليست مهمة المثقف الجديد سن القوانين واقتراح الحلول وتقديم النصح، وإنما مهمته التحويل، أو التغيير من خلال ميدانه، وذلك بتشخيص الحاضر وربطه في التاريخ كي يتعلم أكثر قبل أن يسقط في صفحات التاريخ من دون مستقبل.

طولكرم

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب