بين كل التحديات التي لا يمكن التنبؤ بها في وجه الصحة من تغير المناخ او الامراض المعدية المستجدة ام الجرثوم القادم الذي ستتطور عنده المقاومة الدوائية، هناك نزعة مؤكدة واحدة الا وهي ان تشيخ السكان يتسارع بوتيرة عالية في كل صقاع العالم وان عواقب هذا،  على الصحة والنظم الصحية والقوى العاملة والميزانيات.
التشيخ مرحلة طبيعية يمر بها كل كائن حي وهي نتيجة لتغيرات تطال خلايا اعضاء الجسم، هذه التغيرات لا تشكل امراضا بحد ذاتها بل هي ضعف امكانية الخلايا على التلاؤم والتكيف مع المستجدات المحدَثة فيها ما يؤدي الى اضطراب عملها وبطء وظيفتها.
يعني التشيخ مجموعة التغيرات التدريجية التي تحدث على مستوى الخلية والعضو والكائن الحي ككل والتي تنتج عن مرور الزمن وتقدم السن. التشيخ اذا هو مرحلة لا بد منها في حياة الانسان وهي تشكل جزءا منها اسوة بباقي المراحل، انطلاقا من هذا الواقع تعتبر الشيخوخة مظهرا طبيعيا يتميز بتباين توقيته ونمطه بين فرد وآخر.
فإذا سلمنا بان الشيخوخة عامل طبيعي لا بد من حصوله فهل يعني ذلك ان العجز كذلك؟ الجواب هو ان الشيخوخة والعجز لا يتلازمان بالضرورة، وان الابحاث جارية لايجاد الوسائل الكفيلة بإبعاد شبح العجز المبكر قدر المستطاع.
اليوم ولأول مرة في التاريخ يمكن ان يتوقع اغلب الناس ان يعمروا حتى ستين او اكثر، هذه التغييرات دراماتيكية وتداعياتها عميقة، فان طول العمر مورد قيم للغاية فهو يقدم الفرصة لاعادة التفكير ليس في ماهية التقدم في العمر فحسب بل في كيفية مضي حياتنا ككل. الا ان مدى الفرص المنبثقة من طول العمر ستعتمد بشدة على عامل اساسي واحد وهو الصحة. يتطلب تشيخ السكان استجابة صحية عمومية شاملة، ولكن النقاشات حول ما يجب ان تشمله هذه الاستجابة لا يزال في بدايته ومع ذلك لا بد من بناء هيكلية استراتيجية من اجل الافعال الصحية العمومية مع قائمة بالاعمال والخطوات العملية الضرورية اللاحقة التي يمكن تكييفها لاستخدامها في البلدان في كل مستويات النمو الاقتصادي من اجل الحفاظ والوصول الى ظروف وخدمات صحية تخدم فترة التشيخ لفترة اطول دون الوصول او بالاصح تأجيل الوصول الى العجز.
لذلك مهم جدا تسليط الضوء على الاسهامات الكبيرة التي يقدمها المسنون في المجتمع، ومهم جدا العمل على رفع مستوى الوعي بالمشاكل والتحديات التي تواجهها الشيخوخة في عالم اليوم.
وفي اليوم الدولي للمسنين عام 2016 تم اتخاذ موقف حيال التمييز ضد المسنين، والذي شكل تحديا امام الجميع لكي ينظروا في موضوع التمييز ضد المسنين – المواقف السلبية والتمييز ضد المسنين على اساس السن – وتأثيره السلبي عليهم.
فالتمييز ضد المسنين من الاشكال النمطية والتمييزية المستشرية على نطاق واسع ضد الافراد على اساس السن، وهو ممارسة غادرة تخلف اثارا ضارة على صحة المسنين، ولذلك مهم جدا القيام بتحديد تلك المواقف المتأصلة بشأن التمييز ضد المسنين والتحقيق فيها وفهم اثارها الخطيرة.
ويطرح التمييز ضد المسنين تحديا يوميا امام هذه الفئة من السكان، اذ يهمشها ويعزلها عن مجتمعاتها المحلية اثر اهمالها وحرمانها من العمل وتقييد سبل حصولها على الخدمات الاجتماعية وتصويرها في قوالب نمطية في المؤسسات الاجتماعية والصحية والاعلامية. ويستشري هذا التمييز في الحالات التي تصور فيها وسائل الاعلام المسنين على انهم افراد "عجزة" و"عالة" على المجتمع، وهذا يؤثر سلبا على ادخال تعديلات مناسبة واستثمار في البنية التحتية والخدمات اللازمة للمسنين ويؤدي الى تهميش المسنين داخل مجتمعاتنا وتؤثر سلبا على صحتهم ورفاههم، وقد ينظر المسنون الذين يشعرون بأنهم يشكلون عبئا على المجتمع الى حياتهم على انها عديمة القيمة، مما يعرضهم لخطر الاصابة بالاكتئاب والانزواء في المجتمع، وتثبت البحوث ان المسنين الذين لديهم وجهات نظر سلبية عن شيخوختهم قد يعيشون عمرا اقصر بمقدار 7.5 سنة في المتوسط من اقرانهم الذين يتخذون مواقف ايجابية في هذا المضمار.
ولذلك جاء في "التقرير العالمي عن الشيخوخة والصحة" اهمية "مكافحة التمييز ضد المسنين"، وفي هذا المجال تم التأكيد على ان الاشكال النمطية القائمة تؤثر على المسن في السلوكيات وعمليات وضع السياسات وحتى في البحوث، ويجب ان تدرج انشطة التصدي لها في صميم جميع استجابات الصحة العمومية لشيخوخة السكان.
 
تشيخ سكان العالم – في البلدان النامية والبلدان المتقدمة – مؤشر على تحسن الصحة العالمية، غير ان هناك الى جانب هذه الفوائد مشكلات صحية محددة باتت مطروحة في القرن الواحد والعشرين، وعلى هذا الاساس فلا بد للمجتمع من كسر الصور النمطية الخاصة بالمسنين واستحداث نماذج جديدة في مجال الشيخوخة حتى يمكن لكل فرد الاستفادة من المجتمعات المحلية واماكن العمل والمجتمعات التي تشجع مشاركة المسنين على نحو نشط وظاهر.
وهنا اطرح بعض الحقائق عن الشيخوخة، الحقيقة الاولى هي ان سكان العالم آخذون في التقدم بالسن بسرعة، مثلا سيرتفع عدد السكان الذين يبلغون من العمر 60 عاما او اكثر من 900 مليون نسمة الى ملياري نسمة في الفترة الواقعة بين عام 2015 و2050 (أي بزيادة نسبتها من 12% الى 22% من مجموع سكان العالم).
بعد هذه المقدمة نقول بان للتشيخ مظاهر عديدة منها الفيزيولوجي ومنها النفسي السلوكي ومنها الاجتماعي الاقتصادي.
المظهر الفيزيولوجي للتشيخ:
تحدث لدى كل انسان مجموعة من التغيرات الفيزيولوجية (الوظيفية) المؤدية الى الشيخوخة وتغير الوضع الصحي العام، فعدد سنوات الحياة مهما بلغت، ما زالت محدودة بعشرات السنين (70-100 سنة)، يمر خلالها الانسان بفترات من النمو، ثم الثبات، ثم نقص النمو وفقا لمحددات وراثية تختلف بين الاجناس البشرية من جهة، وبين الذكور والاناث من جهة اخرى.
تتكون الدورة الحياتية عند الانسان من ثلاث مراحل متتابعة هي: النمو والنضج والشيخوخة.
تتميز المرحلة الاولى التي تستمر حتى نهاية البلوغ (18 – 21 سنة) بنمو خلايا الجسم وتطور اعضاءه، وتمكّن الانسان من الوصول الى مرحلة التوالد والانجاب، بعد ذلك يبقى الجسم محافظا على وتيرة واحدة من تحديد خلايا اعضاءه والتعامل مع المؤثرات الخارجية ويمتد ذلك حتى سن 50 – 60 سنة، وتتميز هذه المرحلة لدى الاناث بحصول سن اليأس الذي تفقد فيه الانثى امكانية الانجاب، وتضعف لدى الذكور قدرة الخلايا الجنسية، وابتداء من العقد السادس يزداد لدى الانسان الشعور بالشيخوخة كلما تقدم به العمر.
مع تقدم السن تشيخ معظم اجهزة الجسم ويختلف ذلك من جهاز الى آخر، وبشكل عام فان اداء معظم اجهزة الجسم (كالقلب والكليتين والرئتين والمعدة.. الخ) لوظائفها يظهر تراجعا متدرجا ويعود جزء من هذا التراجع الى تغيرات في خلال هذه الاعضاء ونسجها، سواء من حيث بنيتها او عملها الوظيفي وقد تنخفض طاقة الضخ بين سن العشرين والتسعين بنسبة 50% خاصة طاقة الضخ التي تلي الجهد العضلي، ولكن هذا لا يعني ان هنالك اشخاصا في الثمانين من عمرهم لدى قلبهم نفس الطاقة لابن الاربعين.
(يتبع)
أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..