news

ضربة جريئة لأوهام مهاويس الحرب 

صلاح دباجة

تحاول إدارة الرئيس الأمريكي المتهوِّر ترامب جاهدة إيجاد المبررات المقنعة لجريمة إغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال، قاسم سليماني، في العراق. فوزير الحربية الأميركي، مارك إسبر، ناقض ترامب بقوله إن المخابرات لم تقدم ادلة محددة على أن إيران كانت تخطط لمهاجمة أربع سفارات، الأمر الذي كان أكده الرئيس الأمريكي.

وفي مقابلة أخرى مع شبكة (سي.إن.إن) قال إسبر إن الإدارة الأميركية تلقت "معلومات مخابراتية دقيقة" ترجح وقوع هجوم واسع النطاق على عدد من السفارات وإن هذه المعلومات لا يمكن أن يطلع عليها سوى "مجموعة الثمانية" وهي مجموعة من كبار قادة الكونغرس الذين يتم اطلاعهم على المعلومات الحساسة التي لا يمكن لباقي أعضاء الكونغرس الحصول عليها.

وقال آدم شيف، رئيس لجنة المخابرات في مجلس النواب، وهو ديمقراطي وعضو بمجموعة الثمانية، إن المجموعة لم تتلق أي معلومات بشأن هجمات محتملة على أربع سفارات.

وأضاف شيف "لم تناقش مجموعة الثمانية في أي إفادة استهداف أربع سفارات... تحديدا".

 وفي خضم هذه التناقضات فان ذريعة إدارة ترامب "الدفاع عن النفس" بائسة وفارغة من أي مضمون وغير مقنعة. وكذلك محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بسليماني من جانب هذه الإدارة هي أكثر بؤسًا ولا ترتكز على ايَّة أدِلَّة، خاصة وان هذا الجنرال كرس كل جهده لمحاربة الإرهاب في العراق وسوريا وتحدى بكل بسالة المخططات الإرهابية للإدارات الأمريكية في المنطقة على مدار سنوات.

وهذا الرأي يكون أكثر مقنعًا اذا ما استعرضنا بعضًا من التجارب التي عايشناها في السنوات الأخيرة مثل احتلال العراق وتدميره بزعم القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها والتي تَبَيَّن فيما بعد انها مجرد وهم وخدعة على مستوى العالم!! وكذلك السيطرة الأمريكية على مكامن النفط في سوريا بذريعة منع داعش من السيطرة عليها مجددًا!! والامثلة على هذه السياسية العدوانية كثيرة ولا تقصر على منطقتنا وحدها. فكل ما يشهده عالمنا من عدم استقرار وتوتر وحروب، للإدارة الأمريكية دور بارز واساسي فيه بهدف فرض هيمنتها ولابتزاز خيرات الشعوب وإرادتها وليس لها حتى الان من رادِعٍ!! وما يساعد هذه الإدارة في تنفيذ مخططاتها العدوانية حول العالم هو تحكمها بمصادر التمويل والتسليح بالإضافة للدعم السخي من الانظمة الرجعية والدكتاتوريات الارهابية التي تحظى بحماية واشنطن وتدين لها بالبقاء.

وما نقلته القناة الإخبارية الأمريكية "ان بي أس" حول ما جمعته المخابرات الأمريكية من معلومات عن رحلة سليماني من مطار دمشق الدولي باتجاه مطار بغداد تقاطع مع معلومات استخبارية إسرائيلية حول هذا التحرك وهذا ما ساعد على تنفيذ الجريمة بعد خروجه من مطار بغداد. وهذا قد يكون دليلًا واضحًا على دور إسرائيلي في هذه الجريمة خاصة وهي صاحبة باع طويل في هذا المجال. هذا هو الإرهاب الحقيقي وانتهاك حرمة وسيادة الدول ومثل هذه الجريمة نفذت أمريكا وزعانفها ومنهم إسرائيل آلاف الجرائم حول العالم دون رادعٍ ودون عقاب.

لكن الجديد في الامر اليوم هو الرد الإيراني على هذه الجريمة والذي يحاول البعض الاستهتار به والتقليل من أهميته وتصويره وكأنه متفق عليه وهناك من يحاول استغلال إسقاط الطائرة الإيرانية بأحد الصواريخ الإيرانية بشكل مبتذل، رغم انها مأساة إنسانية تستوجب الادانة، لتشويه صورة إيران وتقزيم هذا الرد.

يبدو ان هذه المرة الأولى في التاريخ الحديث التي تتجرأ فيها دولة مثل إيران بالرد على عدوان أمريكي. وان استهداف القاعدتين الامريكيتين في العراق بالصواريخ الباليستية هو أمْرٌ جديد بالنسبة للعنجهية الأمريكية، حيث ارغم آلاف الجنود الأمريكيين على الاحتماء بالأبنية المحصنة ساعات طويلة وصعقوا من هول الضربة وما خلفته من دمار. مثل هذا لم يحصل من قبل، عشرات الصواريخ الباليستية الإيرانية الدقيقة تدك تحصينات اسمنتية ومهابط طائرات وعتاد عسكري في قاعدة عسكرية أمريكية دون ان أي رد امريكي وصمت إسرائيلي مثير للريبة وهلع يثير الشفقة لدى ملوك وامراء وسلاطين دول الخليج التي تعيش تحت مظلة الحماية الأمريكية.

يبدو ان هذا الرد الجريء كسر القواعد السائدة حتى اليوم وكشف عن بعضٍ من القدرات العسكرية الإيرانية التي قد تمسي رادعًا ما لقوى العدوان. ماذا لو ان هذه الصواريخ استهدفت القطع البحرية الأمريكية في المنطقة او اذا ما استهدفت دولا في الخليج؟!

من الواضح ان الإمكانيات المتوفرة لدى إيران في مواجهة أي عدوان غير محدودة من حيث الأهداف ومن حيث القدرات والموقع الجغرافي الاستراتيجي والمساحة الشاسعة للبلد وكذلك الإصرار الإيراني على رفض الخنوع.

كما أنَّ العدوان الأمريكي وما تلاه من رد إيراني وضع الوجود الأمريكي في العراق على المحك وحمل البرلمان العراقي على اتخاذ قرار يطالب بسحب القوات الأجنبية من العراق كخطوة لا بد منها على طرق شطب الوجود الأمريكي في المنطقة.

هذا بالإضافة الى الرد الإيراني الشعبي المعادي لأمريكا وإسرائيل وأنظمة الارتهان في الخليج، الذي تجلى بأقوى صوره في أكبر جنازة في التاريخ للجنرال سليماني وعله يكون ذلك ناقوس خطيرًا لأمريكا واعوانها في المنطقة للتخلص من وهم ان شعب إيران لا بد له ان ينتفض ويطيح بالنظام بعد ان يجوع بفعل الحصار وتشديد العقوبات.

وما التهديدات الهستيرية لأركان الإدارة الامريكية لإيران الا تعبير عن هذه الصدمة المؤلمة. ويبدو ان التهديد والوعيد سيتحول الى خطة المواجهة القادمة ضدإيران مع تشديد العقوبات عليها وزيادة محاصرتها. إضافة الى استمالة أوروبا، التي كان موقفها ضد قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، الى ممارسة الضغوط على إيران من اجل التوصل الى اتفاق ما ينقذ شيئا ما من هيبة أمريكا وهيبة رئيسها السمسار المتهور قبيل الانتخابات الرئاسية. وهذه الخطة لن يكتب لها النجاح بسبب الموقف الثابت للقيادة الإيرانية من الاتفاق النووي ورفضها الإملاءات العنجهية للإدارة الامريكية ولغة التهديد.

ويبقى احتمال أخير هو ان تشن الإدارة الامريكية الحرب على إيران. فلا أحد يستهين بقدرات وإمكانيات الولايات المتحدة العسكرية ومن السهل ان تعلن واشنطن الحرب لكن أحدًا لا يعرف عواقب هذه الحرب على المنطقة بمجملها وسيكون من الصعب حسم هذه الحرب او انهائها وقد تتحول الى مستنقع أكثر خطورة من مستنقع فيتنام.

 

//ص

واشنطن ترفض طلب بغداد سحب آلتها الحربية من أرضها (رويترز)

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب