news

لغة "الحرم"!

رحم الله الحاجّة الفاضلة نبيهة إبراهيم محمد ريان (أم حسن)، ورحم والديها ووالدي والديها. حزنت لرحيلك يا ابنة عمتي وحزنت حين سمعت نعيك. فاجأني نعيك. لم أكن أعلم ولم أتهيّأ!

سمعت النعي يا حاجّة نبيهة. "ننعى إليكم وفاة حرم المرحوم صبحي ريان أبو حسن"، رحمه الله. صدمني نعيك وأثار حفيظتي. من نعاك إلينا ألغاك ومحا أثرك وجرّدك من هويّتك واسمك وذاتك وكيانك وتاريخك كله، وجعلك حرمًا، حرمًا لرجل له اسم وكيان وعنوان وكنية. أما أنت فنكرة. دخلت إلى هذه الدنيا نكرة وخرجت منها مثلما دخلت نكرة نكراء.. عيب علينا!! من نعاك يا حاجّة نبيهة نطق من حنجرة الثقافة المريضة المتوغّلة المتغلغلة في عمق الوعي العام، ثقافة الحرام والحريم والعورة. وهل اسمك عورة يا حاجّة نبيهة حتى يتحرّجوا من ذكره؟! اسمك جميل وعميق وغني بمعانيه ودلالاته الجميلة. وهل أنتِ مجرّد حرم فلان؟! لو كان هذا الذي نعاك يعلم معنى ابتسامتك الصافية التي ما فارقتك ولا فارقتها، ابتسامة القناعة والرضى والقبول، لما نعاك. لو كان يعلم ما في قلبك الكبير من الحنان والمحبّة لاستحى وما فعل. لو كان يعلم كم كابدت وكافحت بصبر وجلد لذاب خجلا...

ما هذه "الحَرَم" المعشّشة في لغتنا؟! إن نعوا امرأة جعلوها "حرمًا" وإن هم دعوا إلى فرح البنت جعلوها باسم الرجل و"حرمه". طبعا فهو أبو العروسة أما أمها فهي حرم زوجها. ما هذه الخُلُق؟! ما هذه اللغة؟! المشكلة ليست في اللغة بل فينا نحن. هي مسألة ثقافة وعقلية آن أوان محوها وقطع دابرها بقوّة. وما دمنا في اللغة فاسمحوا لي بملاحظة لغوية عابرة. إذا كان النعي هو خبر الوفاة فلا نقول في لغتنا  "ننعى إليكم وفاة..."، حتى وإن كان الأمر من باب التوكيد، وإنما "ننعى إليكم فلانًا...". لكنّ هذه الملاحظة هي محصّلة حاصل، ولا تقع في دائرة اهتمامنا الآن.

إذا كانوا يقصدون بالحَرَم المرأةَ التي لا يحلّ انتهاكها يحميها زوجها وتحرم إلا عليه فلماذا لا يكون هو حرمها ما دامت تحميه هي، مثلما يحميها، وما دام يحرم إلا عليها مثلما تحرم؟! لكنّ العقلية الذكورية الفحوليّة المتراكمة تجعل كلّ شيء ضمن مقتنيات الذكر وأشيائه ومستلزماته حتى زوجته. وإن هي صارت كذلك حَرُم عليها اسمها. حتى اسمها يحرم عليها! من جعل الزوجة حرمًا لزوجها ولم يجعله حرمًا لها فقد سلّط الذكر على الأنثى بغير وجه حقّ فضلّ وأضلّ وفسق..لماذا لا يتّخذها خليلة له مثلما تتّخذه؟ وقد اتّخذ الله إبراهيم خليلا وأحبّه حبّا تامّا لا يناله خلل وأصفى له المحبّة وأخلصها.. والخُلَّة هي أعلى درجات المحبّة الصادقة النقيّة الصافية وأقصاها. والخليل من خلصت صداقته وتخلّلت محبّتُه القلبَ فصارت في خلاله أي في عمق أعماقه. قال الرسول العربي الكريم (ص) "لو كنت متّخذًا من أمّتي خليلا لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي". ولم يقل النبي (ص) ما قال إلا لأنّ قلبه قد طفح بحبّ الله ولم يعد قادرًا على تقاسم الخُلّة مع أحد سواه... ما أجمل هذا المعنى وما أجمل لغتنا، فلا تشوّهوها ولا تعطّلوها بالمعاني المحرّمة.

اشطبوا هذه "الحَرَم" من وعيكم تسقط من لغتكم. اشطبوها ولا تخافوا من الحقّ!!

(إبراهيم طه)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب