news

مسؤولون سابقون بالبيت الأبيض ساعدوا الإمارات على تأسيس وحدة تجسس(2-2)

اقرأ القسم الأول من التقرير: هنا.

بدأت (جود هاربور) باستخدام ثمانية متعاقدين من (إس.آر.إيه) في تأسيس (دريد) في 2008 داخل مبنى يشبه حظيرة طائرات على مشارف مطار البطين في أبوظبي. وبدأ البرنامج كذراع لديوان الشيخ محمد بن زايد الأميري وكان يديره في بادئ الأمر ابنه خالد.

وأسس المتعاقدون المشروع من الصفر ودربوا طاقما إماراتيا محتملا على التسلل الإلكتروني وأعدوا شبكات كمبيوتر سرية وحسابات خفية على الإنترنت يمكن للإمارات استخدامها في عمليات التجسس.

وأظهرت وثائق (دريد) أن المجموعة بدأت في عام 2009 في عمل أداة تجسس أطلق عليها اسم (ذا ثريد)، وهي برنامج كمبيوتر يتيح للإماراتيين سرقة ملفات من أجهزة كمبيوتر تستخدم برنامج التشغيل ويندوز ونقلها لخوادم يسيطر عليها ديوان الأمير.

ولم يكن لشركتي (جود هاربور) و(إس.آر.إيه) دور حيوي في عمليات التجسس باستثناء التوجيه والدعم.

وكان الهدف من البرنامج هو تزويد الإمارات بقدرات إلكترونية تتيح لها تعقب التهديدات الإرهابية بنفسها. لكن ثلاثة من العاملين السابقين في (دريد) قالوا إن الأمريكيين وجدوا في غضون بضعة أشهر أنهم بحاجة لتولي القيادة من زملائهم الإماراتيين الأقل خبرة.

ولكن بعض المتدربين الإماراتيين بدوا فاقدين للحماسة والمهارة. وأظهر تقرير عن البرنامج اطلعت عليه رويترز أن مدربا وهو متعاقد سابق من (إس.آر.إيه) خبير في الكتابة بالشفرة يدعى كيث تاتل خلص إلى أن أحد تلاميذه "فقد الاهتمام" وأن آخر "ما زال يعاني مع التكنولوجيا".

وتزايدت طلبات التجسس الإلكتروني من قوات الأمن الإماراتية على الوحدة الجديدة بعد عيد الميلاد في عام 2009، أي بعد عام واحد من بدء (جود هاربور) في تأسيس (دريد). وتلقى زعماء الإمارات تحذيرات استخباراتية من هجوم وشيك وعنيف من متطرفين. ووصل طلب مذعور لفريق التجسس الإلكتروني الوليد فحواه: ساعدونا في التجسس على حركة تواصل على الإنترنت متجهة للخارج وآتية من شبكة كمبيوتر بمنزل شخص يشتبه في أنه متطرف بالمنطقة الشمالية من البلاد.

وكان ما زال أمام العاملين في دريد بضعة أشهر لاستكمال برنامج ثريد للتجسس على ويندوز. وقال شخصان على علم بالواقعة إن العاملين الأمريكيين انخرطوا فجأة في إعداد أدوات تجسس مؤقتة تستند إلى برنامج لاختبار أمن الكمبيوتر متاح بالمجان على الإنترنت.

ونجحوا خلال أسابيع في التسلل إلى المتطرف المشتبه به في مهمة اعتبرها الإماراتيون نجاحا مهما ربما يكون قد منع هجوما. ومثلت الواقعة نقطة مهمة في العلاقة. وقال شخصان مطلعان إن طلبات التجسس زادت بعد هذا النجاح وتعمق دور الأمريكيين.

 

* 40 أمريكيا و34 مليون دولار

في غضون عامين تمكن جومتو من زيادة عدد الأمريكيين بالبرنامج من نحو 12 فردا إلى ما يصل إلى 40. وأمكنه جلب أكثر من 12 من أروقة وكالة الأمن القومي أو قائمة المتعاقدين معها. وبلغت ميزانية (دريد) السنوية ما يقدر بنحو 34 مليون دولار وفقا لوثائق المشروع.

وتملكت بعض العاملين الأمريكيين مخاوف تتعلق بالعمل لدى جهاز تجسس أجنبي. لكن ارتباط البرنامج بشخصيات تحظى بالاحترام في مجال الأمن القومي مثل كلارك وكيرتس وجومتو دفعهم للاعتقاد بأن هذه الجهود فوق مستوى الشبهات حسبما قال أربعة عاملين سابقين.

وقال جوناثان كول ضابط المخابرات الأمريكي السابق الذي انضم إلى (دريد) في عام 2014 إنه يعتقد أن مهمة الإمارات تحظى بمباركة واشنطن بسبب مشاركة طاقم (سايبر بوينت) في ماريلاند في برامج سرية أخرى لصالح الحكومة الأمريكية. وأضاف "وضعت بعض الافتراضات".

في عام 2011 انتقل البرنامج لأول قصر من سلسلة قصور سرية عرفت باسم (الفيلا) وأطلق عليها المتعاقدون الأمريكيون اسم مشروع ريفين.

وقال جومتو لرويترز إن مهمة المتعاقدين الأمريكيين كانت تقتصر على تدريب الجواسيس الإلكترونيين الإماراتيين وإنهم كانوا ممنوعين من المساعدة في العمليات بأنفسهم. ويمنع القانون الأمريكي بشكل عام الأمريكيين من التسلل إلى أجهزة كمبيوتر في أي مكان، ويمنع بشكل خاص استهداف مواطنين أو شركات أو خوادم أمريكية.

وأدار جومتو عقد (دريد) لمدة خمس سنوات من بالتيمور، لكنه قال إنه لم يعلم قط بحدوث مثل هذه الأنشطة بين طاقمه. وأضاف أن رؤيته كانت محدودة إذ كان يزور طاقمه في الإمارات خمس أو ست مرات في السنة.

وأضاف "لم أنخرط في أنشطة البرنامج اليومية... إذا كان لدينا شخص مارق فليس هناك ما يمكنني عمله".

ومع ذلك، سرعان ما شغل الأمريكيون كل المناصب الرئيسية في البرنامج. وساعد عاملون أمريكيون في تحديد حسابات أشخاص مستهدفين واكتشاف نقاط ضعفهم وتدبير هجمات إلكترونية. ولتجنب مخالفة القانون، قال عشرة عاملين سابقين لرويترز إن الأمريكيين لم يكونوا يضغطون على الزر الأخير لشن هجوم، بل كانوا في أغلب الأحيان يقفون حرفيا وراء الإماراتي الذي يفعل ذلك.

وبعد أن هزت انتفاضات الربيع العربي المنطقة، خشي خبراء الأمن الإماراتيون أن يأتي الدور على بلدهم. وبدأت أهداف برنامج (دريد) تتحول من مكافحة الإرهاب إلى فئة منفصلة أطلقت عليها الإمارات اسم "أهداف الأمن القومي" - فساعدوا في حملات واسعة النطاق على معارضين وآخرين ترى الحكومة أنهم يمثلون خطرا سياسيا. وشملت العمليات اختراقات لم يكشف عنها من قبل على جماعة ألمانية مدافعة عن حقوق الإنسان ومسؤولين من الأمم المتحدة في نيويورك ومسؤولين تنفيذيين في الفيفا.

وفي الفترة من 2012 إلى 2015 أوكل إلى فرق منفردة التجسس الإلكتروني على حكومات منافسة مع تحول تركيز البرنامج من مكافحة الإرهاب إلى التجسس على خصوم جيوسياسيين بحسب الوثائق.

وكان بين الأهداف دولة قطر، وتم وضع الخطة لسرقة معلومات يمكن أن تضر بمسعى قطر للفوز باستضافة بطولة كرة القدم ويمكن تسريبها لإحراجها. وأظهرت مذكرات تخطيط عمليات لدريد اطلعت عليها رويترز أن عملية التجسس الإلكتروني على الفيفا، واسمها الحركي (بروتال تشالينج)، خطط لها كريس سميث المحلل السابق في (إس.آر.إيه). وبعث المتسللون رسائل مفخخة على فيسبوك وعلى البريد الإلكتروني تحتوي على رابط باسم (وورلد كاب جيرلز) وبالضغط عليها تنشر فيروس تجسس على كمبيوتر الشخص أو الجهة المستهدفة.

ولم ترد اللجنة العليا للمشاريع والإرث على طلب التعليق، وقال متحدث باسم الحكومة القطرية إن بلاده اعتبرت مسعاها الناجح لاستضافة كأس العالم "فرصة ليرى العالم منطقتنا من منظور جديد".

وقالت متحدثة باسم الفيفا في بيان إن الاتحاد الدولي لكرة القدم "ليس على علم" بأي عمليات تسلل متعلقة بالمسعى القطري لاستضافة البطولة.

 

* رخصة أجنبية ورقابة ضعيفة

حصلت (سايبر بوينت) على رخصة خدمات دفاع أجنبي من وزارة الخارجية الأمريكية في الفترة من 2010 إلى 2014 لإدارة أعمالها في الإمارات.

وكُتبت الاتفاقات التي اطلعت عليها رويترز بصياغات فضفاضة، فوصفت عمليات التجسس الإلكتروني بأنها "جمع معلومات من نظم اتصالات داخل الإمارات وخارجها". ولم تضع الاتفاقات أي قيود على استهداف النشطاء في مجال حقوق الإنسان أو الصحفيين أو حلفاء الولايات المتحدة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية إن الوزارة تدرس بعناية قبل منح مثل هذا الترخيص اعتبارات حقوق الإنسان. وأضاف أن الترخيص لا يعطي الحق في انتهاك حقوق الإنسان، لكنه رفض التعليق على الاتفاقات المبرمة بين الوزارة و(سايبر بوينت).

لكن الاتفاقات مع (دريد) منعت البرنامج من المساعدة في عمليات تسلل ضد أمريكيين أو خوادم بريد إلكتروني يملكها أمريكيون. وحذر محام من (سايبر بوينت) في مذكرة صدرت عام 2011 من أن فعل ذلك "يعرضك للمسؤولية الجنائية بموجب القانون الأمريكي، حتى وإن تم تنفيذ هذه الأنشطة في الخارج".

لكن وثائق المشروع تظهر تحايلا متكررا على هذا القيد. فقد ساعد موظفو (سايبر بوينت) في التسلل إلى مئات الحسابات على مواقع جوجل وياهو وهوتميل وفيسبوك، وعرضوا لقطات لصفحات حصلوا عليها من التسلل في عروض أمام مسؤولي مخابرات بارزين في الإمارات. وعلى سبيل المثال اخترق (دريد) حسابات على جوجل وياهو لسرقة تاريخ التصفح على الإنترنت لأحد الأشخاص المستهدفين وأبرز المتسللون ما رأوه مهما في تقارير رفعوها لرؤسائهم.

وفي عام 2012 استهدف البرنامج حسابات على هوتميل وجوجل تخص خمسة من العاملين في مؤسسة كونراد أدينور وهي جماعة ألمانية مناصرة للديمقراطية كانت في ذلك الوقت تضغط من أجل المزيد من حريات الصحافة والتعبير في الإمارات. واعترض دريد رسائل من حساب على جي ميل يخص أحد مدراء المؤسسة. وجاء في رسالة من أحد المديرين لموظف لديه "أظن أن جميع قنوات الاتصال" قد تم تحييدها.

ومن وراء الكواليس، ذكر مصدر مطلع أن السفير الألماني لدى الإمارات استُدعي للقاء مسؤولين من وزارة الشؤون الخارجية الإماراتية قالوا إنه يتعين على المؤسسة الألمانية غير الهادفة للربح مغادرة البلاد.

وساعد عاملون أمريكيون كذلك في استهداف حسابات على جي ميل وفيسبوك تخص أحمد غيث السويدي، وهو اقتصادي إماراتي وعضو بجماعة الإخوان المسلمين، في 2011. وبعد شهرين أُلقي القبض على السويدي وأُودع سجنا سريا قال إنه تعرض فيه للتعذيب وأُجبر على التوقيع على اعتراف وفقا لمنظمة العفو الدولية. وأدين في عام 2013 في إطار محاكمة 94 ناشطا متهمين بالتحريض على قلب نظام الحكم وصدر عليه حكم بالسجن عشر سنوات. وقال صديقه الناشط محمد الزعبي إن السويدي لم يدع قط لانقلاب وإنما كان يطالب فقط بإصلاح سياسي.

 

* "منحدر زلق"

بمرور الوقت، نشبت صراعات بين الأمريكيين والإماراتيين بشأن اختيار الأهداف التي اعتقد الأمريكيون في بعض الأحيان أنها تجاوز الخط باستهداف كيانات مرتبطة بالولايات المتحدة. وفي بعض الحالات استتبع عمليات تجسس قام بها برنامج (دريد) تعذيب للأهداف.

وقال عامل سابق في (دريد) إنه في عام 2017 تم اختراق البريد الإلكتروني لناشطة حقوق الإنسان السعودية لجين الهذلول بعد أن حاولت تحدي حظر على قيادة النساء للسيارات في المملكة. وقبل ذلك بثلاث سنوات اعتقل السعوديون الهذلول التي كانت تدرس في الإمارات بعد أن حاولت القيادة عبر الحدود وسجنوها 73 يوما. وأعطى العاملون في (دريد) الذين يراقبون لجين الهذلول الناشطة اسما حركيا هو السيف الأرجواني.

وفي عام 2018، وقبل بضعة أسابيع من صدور مرسوم ملكي يسمح للنساء لأول مرة بقيادة السيارات في المملكة، اعتقلت قوات الأمن بالإمارات لجين الهذلول مرة أخرى في أبوظبي وأعادتها بطائرة خاصة لبلدها. وسجنتها قوات الأمن السعودية لدى وصولها لاتهامات بالتحريض وإثارة الفتن وقال شقيقها وليد الهذلول لرويترز إنهم عذبوها في منشأة سرية خارج جدة وإنها ما زالت محتجزة بها.

وتحقق هيئة محلفين اتحادية في واشنطن فيما إذا كان الطاقم الأمريكي انتهك قوانين التسلل الأمريكية في مهمته بالإمارات.

ويطرح الكونجرس تساؤلات كذلك وكتب أعضاء بالكونجرس في أيار لمدير المخابرات ووزارة الخارجية يقولون إن حكومات أجنبية "استغلت فيما يبدو التدريب المتطور وخبرات أفراد طوروا مهاراتهم التقنية أثناء العمل في الخدمة القومية بالولايات المتحدة".

 

 

في الصورة: تم اختراق البريد الإلكتروني للناشطة السعودية لجين الهذلول، قبل اعتقالها تعذيبها وترسليمها لسلطات الرياض

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب