news-details

50 بالمئة من فقراء مصر خارج مظلة الحماية الحكومية

في ظل تنفيذ الحكومة المصرية لبرنامج الاصلاح الاقتصادي – وفقا للاتفاق المبرم مع صندوق النقد الدولي- والذي يهدف الى الغاء الدعم والرفع المباشر لأسعار السلع والخدمات وزيادة الضرائب واسعار الوقود والكهرباء والمياه والغاز الطبيعي.. الامر الذي ادى الى زيادة الاعباء على المواطنين وتدهور مستوى معيشتهم، ولذلك أطلقت الحكومة مجموعة من برامج الحماية الاجتماعية خلال السنوات الماضية للتخفيف من حدة الإصلاح على الفقراء، وشملت هذه البرامج كلا من "تكافل وكرامة، ومبادرة حياة كريمة".. والسؤال الذي يطرح نفسه هل برامج الدعم النقدي المتمثلة في تكافل وكرامة كافية لمواجهة الفقر؟!
من جانبها اعلنت د. هالة السعيد، وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، أنه لولا برامج الحماية الاجتماعية التي نفذتها الدولة المصرية، في الفترة الماضية، لكانت نسبة الفقر ارتفعت إلى معدلات أكبر بكثير.
وقالت الدكتورة غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعي خلال مؤتمر إعلان نتائج بحث الدخل والانفاق والاستهلاك، إن برنامج تكافل وكرامة له أثر كبير في تراجع نسبة الفقر وارتفاع مستوى الفرد في قرى الصعيد، مشيرة الى أن 86% من تمويل البرنامج وجه لمحافظات قنا وأسيوط وسوهاج.
وبالنسبة لبرنامج "تكافل" الذي تطبقه الدولة كمساعدة شهرية مؤقتة لحماية الفقراء من آثار الإصلاح الاقتصادي فهو يستهدف الاسر الفقيرة بشرط انتظام أبنائها في تلقي خدمات صحية والانتظام في الدراسة، وتبلغ قيمة المعاش 325 جنيها في الشهر، بالإضافة إلى 60 جنيها للطفل دون عمر السادسة، ويرتفع إلى 80 جنيها لطفل المرحلة الابتدائية، 100 جنيه لطالب المرحلة الإعدادية 140 جنيها للمرحلة الثانوية، ويشترط لحصول الأسرة على الدعم أن يستمر أطفالها في الحضور الى المدارس بنسبة لا تقل عن 80% من أيام الدراسة الفعلية، والحد الأقصى للأطفال المستفيدين من هذا البرنامج هو ثلاثة أطفال للأسرة الواحدة، تم اقتصاره على طفلين بداية من كانون الثاني الماضى. وبرنامج "كرامة" فهو يستهدف كبار السن فوق 65 عاما والأشخاص ذوي الاعاقة غير القادرين على العمل – بنسبة إعاقة 50% فأكثر يوفر 325 جنيهًا شهريًا لكل فرد تنطبق عليه شروط البرنامج داخل الأسرة، ومبلغ 425 جنيهًا للفردين داخل الأسرة الواحدة، و550 جنيهًا لثلاثة أفراد (وهو الحد الأقصى للبرنامج) داخل الأسرة الواحدة.
برامج الحماية الاجتماعية لم تؤت ثمارها لأنها تصل الى عدد محدود من المواطنين يتقاضون مبلغا هزيلا لا يسمن ولا يغنى من جوع وبلغة الارقام فهناك نحو 32 مليون مواطن فقير، والمخصص للدعم النقدي في موازنة العام الماضي يبلغ نحو 17.5 مليار جنيه.
وبحسب وزارة التضامن، فإن إجمالي عدد الأسر المستفيدة من برامج الدعم النقدي قد وصل إلى 3.839.446 أسرة، بواقع 15 مليون مواطن مستفيد، ورغم ذلك لم تفلح المعاشات الجديدة في منع ارتفاع نسبة الفقر التي زادت من 27.8% في 2015 الى 32.5 % عام 2017/2018 (وفقا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء).. فقد ساهمت سياسات الدولة المالية في زيادة اعداد الفقراء.. هذا ما اكدته دراسة بعنوان "النقود وحدها لا تكفي" صادرة عن "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" في شباط 2018.
واشارت الدراسة، إلى أن عدد المستفيدين من تكافل وكرامة ليس محدودًا فقط، لكن أيضًا بالمقارنة بمعدّل الفقر الذي وصل إلى 27.8% في عام 2015 أي قبل عام من تطبيق إجراءات نوفمبر الاقتصادية من تحرير سعر صرف الجنيه، وما ترتب عليها من موجة تضخمية.
ونوهت الدراسة إلى أنه عند المقارنة بـ"التجربتين الرائدتين في مجال الدعم النقدي المشروط، البرازيل والمكسيك"، اللتين غطت فيهما تلك البرامج نحو ربع السكان في البلاد، فإن تغطية كل من المعاشات المشروطة وغير المشروطة في مصر تعد "محدودة للغاية".
واوضحت الدراسة، انه لا قيمة لتحفيز الأبناء على الدراسة طالما أن معدلات البطالة مرتفعة في أوساط الفئات الأعلى تعليمًا، كما أن تطبيق برنامج تكافل في الوقت الذي لا تلتزم فيه الدولة بالإنفاق الدستوري على التعليم يجعل هذا المعاش مجرد أداة لإسكات الفقراء عن الاحتجاج على الضغوط التضخمية وليس معاشًا تنمويًّا كما تزعم الدولة.
وترى الدراسة، أن سياسة التحويلات النقدية بمفردها لن تكون قادرة على مواجهة الفقر بصورة مستدامة بدون سياسات كلية تهدف إلى تحفيز النمو وخلق فرص عمل مستدامة تستجيب لمعايير العمل الدولية.
واوضحت د. يمن الحماقى، استاذ الاقتصاد في جامعة عين شمس، أن اقل الطرق كفاءة لمواجهة الفقر في هذه المرحلة الانتقالية هو الدعم النقدي لأنه اسلوب ثبت فشله، مشيرة الى أن التمكين الاقتصادي للأسر الفقيرة من الاجراءات الحمائية المطلوبة في الوقت الراهن، وهو اهم كثيرا من المنح المؤقتة والبرامج الاجتماعية، فيجب وضع خطة واضحة للتمكين الاقتصادي لأبناء الطبقة الكادحة بمعنى توفير فرص عمل لهم ومساعدتهم على عمل مشروعات لها عائد مضمون وتمكنهم مستقبلا من الاعتماد على أنفسهم، وشددت على ضرورة الاهتمام بقطاع الصناعة والزراعة لانهما من القطاعات التي تعطينا فرص لتنوع هيكل الانتاج، مشيرة الى أن جميع الدول الناجحة في مواجهة الفقر ركزت على التمكين الاقتصادي للنهوض بالأسر الفقيرة وحل المشكلة من جذورها كما حدث في الصين.
وأكد د. هاني الحسيني، القيادي في حزب التجمع والخبير الاقتصادي، أن الحكومة المصرية لم تتبن مبدأ العدالة الاجتماعية الواجبة من اجل حياة كريمة لكافة المواطنين، ولكنها تركز على الحماية الاجتماعية، وهناك فرق كبير بين العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية مشيرا الى أن مبدأ العدالة الاجتماعية يعنى تحمل الاغنياء للجزء الاكبر من الاعباء الاقتصادية، وحصول الفقراء على نفس الحقوق التي يحصل عليها الاغنياء كالعمل والتعليم والصحة، وتوزيع عادل للدخل، وللأسف هذا ليس موجودا في مصر، فالمواطن الفقير هو الضحية للإجراءات الاقتصادية الصعبة التي انتهجتها الحكومة، ولذلك تسعى الحكومة لحمايته اجتماعيا حتى لا يزداد فقرا وذلك عن طريق تحويل دعم نقدي مؤقت ومشروط مثل برنامج تكافل وكرامة.
وتابع، أن الدولة تحاول التوسع في هذه البرامج الحمائية، وفي نفس الوقت تتجه الى تقليص الدعم الحقيقي الموجه للمواطن الفقير.. مشيرا الى أن هذه البرامج تأتي تنفيذا لنصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي يوصى بها لضمان عدم حدوث توترات اجتماعية بعد تنفيذ إجراءات الاصلاح، اي أن الهدف منها سياسي وليس هدفا اقتصاديًا اجتماعيا، واضاف ان مواجهة تزايد معدلات الفقر تتطلب برامج عدالة اجتماعية تتمثل في تكافؤ الفرص في توزيع معدلات النمو، ووضع برامج شاملة لمحاربة البطالة وتوفير فرص عمل دائمة وليست مؤقتة، وإرساء قواعد هدفها تحسين مستوى معيشة المواطنين وخفض الاسعار. وتابع: اما برامج الحماية الحالية فهي مجرد مسكنات للأزمة، ويخشى الحسيني تفاقم الاوضاع وزيادة الشعور بالحرمان في حالة عدم إتخاذ إجراءات العدالة الاجتماعية. وهو الامر الذي ينذر بكارثة حقيقية.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب

المزيد..