في حلقة جديدة من بودكاست «حيّز عام»، استضاف البرنامج الباحثة في العلوم السياسية د. نجمة علي، المتخصصة في دراسات السلام والنزاع وبحث رؤى نقدية حول ديناميكيات المقاومة والثورة. تناولت الحلقة مسارات الحراك الشعبي المناهض للحرب على غزة والمناصر لفلسطين في الدول الغربية، وجذوره التاريخية وتطوره وتحولاته الراهنة، وصولًا إلى تحليلات حول مفهوم الصمود الفلسطيني ومآلات السلام في المنطقة.
بدأت د. نجمة الحوار بالتأكيد على أن التضامن مع القضية الفلسطينية ليس وليد اللحظة، بل هو تضامن تراكمي نشأ منذ عام 1967 ضمن موجة حركات التحرر الوطني حول العالم. أشارت إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية لعبت دورًا محوريًا في تدويل القضية الفلسطينية، ما جعلها قضية عالمية تُعبّر عن نضال ضد الإمبريالية والتمييز، وليست مجرد قضية إنسانية للاجئين. وأوضحت أن الحراك الشعبي الغربي المناصر لفلسطين تطور عبر مراحل، من تضامن نخبوي ثوري في السبعينيات إلى تضامن شعبي واسع يشمل فئات مهنية واجتماعية متعددة، من أطباء وصحافيين وأكاديميين إلى طلاب ونقابات.
تناولت الباحثة كذلك مفهوم «التقاطعية» (Intersectionality) الذي يميز الحراك الحالي في الغرب، موضحة أن الفئات المهمشة حول العالم — من الأفارقة الأميركيين إلى الشعوب الأصلانية — ترى في القضية الفلسطينية امتدادًا لمعركتها الخاصة ضد الظلم التاريخي. وأشارت إلى أن الفلسطينيين في الشتات أسهموا في بناء هذا الوعي العالمي، إذ أصبح كل فلسطيني «سفيرًا لقضيته» أينما وجد.
ورأت د. نجمة أن التحول في الرأي العام الغربي تجاه فلسطين لم يعد موسميًا أو عاطفيًا، بل هو تحول عميق قائم على مقاومة أخلاقية ترفض الظلم والإبادة. وأكدت أن الشعوب الغربية، خصوصًا في أوروبا، باتت تدرك تناقض الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان بينما يتواطأ مع الحرب على غزة. ووصفت ما يجري بأنه «معركة دائرية» داخل المجتمعات الغربية نفسها دفاعًا عن حرية التعبير وحق التظاهر.
في المحور الثاني، شددت د. نجمة على أن الضغط الشعبي لا يكفي ما لم يتحول إلى تحرك سياسي رسمي من خلال العقوبات والمقاطعة المؤسساتية. وأشارت إلى أن الدول الغربية ما تزال مترددة في فرض عقوبات على إسرائيل بسبب ارتباطاتها الاقتصادية والعسكرية بها، رغم بعض المبادرات الفردية كالموقف الإسباني. وأكدت أن نجاح المقاطعة الأكاديمية والشعبية يظل محدودًا إن لم يواكبه قرار سياسي واضح.
انتقل الحوار لاحقًا إلى مفهوم «الصمود» الفلسطيني، حيث أوضحت د. نجمة أن الصمود ليس مجرد بقاء في المكان بل هو أسلوب حياة وممارسة مقاومة يومية تختلف باختلاف السياق المكاني: في غزة يعني البقاء تحت القصف والحصار، في الضفة مواجهة الاستيطان، وفي لبنان رفض التوطين، أما داخل أراضي 48 فالصمود ارتبط تاريخيًا بالبقاء على الأرض والحفاظ على الهوية.
وتحدثت الباحثة عن تحولات مفهوم الصمود لدى الفلسطينيين داخل إسرائيل بعد 7 أكتوبر، موضحة أن المجتمع هناك يعيش حالة قمع ممنهج جعلته يتصرف كمجتمع «مقموع» يختار معاركه بعناية. بعد الهبّة الشعبية عام 2021 ثم الحرب على غزة، أصبح الفلسطينيون داخل إسرائيل أمام واقع جديد جُرّمت فيه أشكال الاحتجاج التقليدية كالمظاهرات والإضرابات والكتابة في الإعلام، ما أدى إلى تراجع المساحة الديمقراطية وإرباك في أدوات النضال.
واختتمت د. نجمة حديثها بالإشارة إلى أن سيناريو التهجير لا يزال مطروحًا، في ظل صعود اليمين الفاشي في إسرائيل وهيمنته على المجالين السياسي والإعلامي، محذّرة من ضرورة قراءة التحولات الديموغرافية والسياسية بعين يقظة. ودعت إلى تطوير أدوات جديدة للصمود والمواجهة، قائلة إن التحدي الأكبر اليوم هو «إعادة تعريف الصمود في ظل واقع استعماري متجدد».
بهذا، قدّمت الحلقة قراءة تحليلية معمقة تربط بين الحراك الشعبي العالمي والتحولات الداخلية الفلسطينية، وبين مفاهيم السلام، المقاومة، الصمود، والاستعمار، لتؤكد أن معركة فلسطين ليست فقط معركة جغرافية، بل معركة أخلاقية وإنسانية عالمية.
.png)




.jpg)


