نشر رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ أمس بيانًا استثنائيًا في أعقاب العدد المرتفع لضحايا الجريمة المنفلتة دون رادع حكومي ولا بوليسي في المجتمع العربي، قال فيه:
"إنه رقم مفزع يهزّ القلب ويجسّد إلى أي حدّ تحوّل العنف إلى آفة وطنية حقيقية. هذه الواقعة ليست قدرًا محتومًا. إنها مهمة وطنية بالغة الأهمية: تعزيز إنفاذ القانون، استئصال منظمات الجريمة، وإعادة الحقّ للمواطنين — في المجتمع العربي وفي المجتمع الإسرائيلي ككل — في العيش بأمان".
على الرغم من محدودية وزن هذا التصريح فمعناه هو توجيه اتهام وتحميل مسؤولية مباشر لكل من الحكومة والشرطة. مطلب تعزيز إنفاذ القانون معناه وجود تقصير في الأمر. وهذا مرتبط بتنصّل مسؤولين كثُر من مسؤولياتهم التي ينص عليها القانون.
للتذكير في 4 نيسان/أبريل 2023: نُقل أن مفوض الشرطة الإسرائيلي كُوبي شبتاي، في حديث مع وزير ما يسمى "الأمن القومي" إيتمار بن غفير، في سياق الحديث عن ارتفاع معدل الجرائم في المجتمع العربي، قال إن العرب يقتلون بعضهم البعض وأن ذلك “في طبيعتهم” و”عقلية العرب”. وبالحرف: "هم يقتلون بعضهم بعضًا. هذا هو طبيعتهم. هذه هي عقلية العرب."
كذلك، قال القائد العام الأسبق للشرطة، روني الشيخ، أواخر الشهر المنصرم، في مقابلة مع إذاعة 103FM، إن وزير "الأمن القومي" إيتمار بن غفير قال، خلال نقاش مغلق مع ضباط: "ما الذي يهمّني أن يقتل العرب بعضهم بعضًا". وأوضح ألشيخ أنه لم يكن حاضرًا في ذلك النقاش، لكنه قال: "شعرتُ بالقشعريرة حينما وصل الي القول، ففي المحصلة هذا خطر على دولة إسرائيل". وأضاف ألشيخ: "ليس لدي ثقة في أي مكان تصل إليه يد بن غفير"، معتبرًا أن تعيينه منذ البداية لم يكن ينبغي أن يتم. وقال: "كان واضحًا لي أنه، طالما يخطّط للقيام بما يقوم به، فلا فرصة له إطلاقًا لأن يقود الشرطة إلى أي نتائج".
أما نائب المستشارة القضائية للحكومة، المحامي شارون أفيك، فقد قال أواخر تشرين الثاني/نوفمبر الأخير، إنّ الحكومة لا تدفع إلى الأمام أي نشاط جدي لمواجهة الجريمة في المجتمع العربي، وتقوم بتعطيل سنّ قوانين من شأنها مساعدة الشرطة وجهاز إنفاذ القانون. وجاءت أقوال أفيك في رسالة استثنائية وجّهها إلى رئيس هيئة مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي في مكتب رئيس الحكومة، روي كحلون. وأشار ضمن رسالته: "على الرغم من تفاهمات رئيس الحكومة، ورغم أنه واضح لكل من يتعامل مع هذا الملف بأنه تحدٍّ متعدد الأنظمة، بين الوزارات، استراتيجي وطويل الأمد، فإننا لا نرى أي تعبئة حكومية حقيقية لخوض هذه المعركة". وأضاف أن هذا الأمر "صحيح اليوم أكثر من أي وقت مضى". وجاءت رسالة أفيك ردًا على ادعاءات كحلون بأن المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهارب–ميارا، التي تترأس الطاقم الوزاري الرفيع لمكافحة الجريمة، تمتنع عن عقد اجتماعات الطاقم ولا تقوم بما يكفي في هذا الشأن.
كما عدّد عددًا من القوانين التي قال إنها لا تُدفع قدمًا، ومنها قانون يساعد على مصادرة الأموال من عصابات الاجرام، وقانون يتيح استخدام وسائل التعرف البيومتري في الأماكن العامة، وقانون ينظم استخدام برمجيات التجسس التي حُظر استخدامها في الشرطة حتى صدور إطار قانوني واضح. وحذّر أفيك من أن "التهديد الاستراتيجي الذي تشكّله الجريمة الخطيرة عمومًا والجريمة داخل المجتمع العربي خصوصًا، تهديد بالغ الخطورة". وأضاف أنه وطاقمه أشاروا إلى "خطوات عديدة يمكن ويجب على الحكومة الإسرائيلية دفعها قدمًا، ونأمل أن يتم ذلك في أسرع وقت".
وفي نفس التاريخ تقريبا، أسقطت الكنيست اقتراحًا لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية لمحاربة الجريمة المنظمة في المجتمع العربي قدّمه النائب أيمن عودة، رئيس قائمة الجبهة والعربية للتغيير، بأغلبية ٢٤ ضد مقابل ٩ مع، وذلك في ظل الارتفاع الخطير في عدد الضحايا وتفاقم مظاهر العنف، وما يشير إليه ذلك من تقصير حكومي جسيم في حماية المواطنين العرب.
وأكد عودة خلال خطابه أنّ قضية العنف هي “الموضوع الأكثر إيلامًا للمجتمع العربي، وينبغي أن تكون قضية مؤلمة لكل إنسان في المجتمع الإسرائيلي”. وشدّد على أن الجريمة التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في المدن والبلدات العربية لا يمكن تركها دون معالجة جذرية ومسؤولية مباشرة من قبل الدولة. وقال: “على كل نائب أن يسأل نفسه: عندما تنشط عصابات الجريمة المنظمة، من هي الجهة المسؤولة عن مواجهتها؟ في كل دول العالم، الدولة هي التي تتحمل هذه المسؤولية.80% من السلاح غير المرخّص في المجتمع العربي مصدره قواعد الجيش الاسرائيلي! أكثر من 300 ألف قطعة سلاح تتسرّب من قواعد الجيش إلى الشارع العربي. فهل معقول أنه في دولة اسرائيل الأمنية يتمّ تسريب سلاح بسهولة؟ أو أنه مسموح فقط لتغذية الجريمة بالمجتمع العربي؟ هذا لوحده يشكّل دليل قاطع أنّ المسؤولية تقع على عاتق الدولة.”
رئيس لجنة المتابعة السابق محمد بركة، أكد في اجتماع للجنة أواسط 2023، أن قضية الاجرام ليست مسألة احصائيات، فالإحصائيات تعكس حجم الجريمة الدائرة، والذروة الحاصلة في هذا العام، 65 ضحية منذ مطلع العام وحتى ظهر يوم السبت، تؤكد مجددا دور "الدولة العميقة"، في ما يجري في مجتمعنا، بمعنى الحكومة وجهاز الشرطة وجهاز المخابرات العامة، فهذا قرار حكومي مؤسساتي لضرب مجتمعنا أكثر.
وشدّد على أن حكومة إسرائيل وأجهزتها تضرب شعبنا في وطنه بذراعين: عصابات المستوطنين المسلحة بأسلحة إسرائيلية، وتنشط بدعم وحماية حكومتها، لتضرب أهلنا في الضفة والقدس المحتلة، وذراع عصابات الاجرام، المسلحة بأسلحة إسرائيلية، وترتكب جرائمها بدعم أجهزة المخابرات، وهذا قرار سياسي إسرائيلي مثبت.
وكان رئيس بلدية اللد، الليكودي المعروف بإطلاق تصريحات عنصرية، يائير رفيفو، أصدر في شباط الماضي تعقيبًا حادًا، انتقد فيه نهج إسرائيل تجاه الجريمة المتصاعدة في المجتمع العربي، حيث أنه خلال أسبوعين، قُتل أربعة أشخاص من أبناء المجتمع العربي في مدينة اللد، ومع ذلك، لم يتم القبض على أي مشتبه بهم. وقال: "إذا كنت أبدو كما لو أنني أعيش في عالم من الأوهام، فليشرح لي أحد كيف تم قتل أربعة عرب في مدينتي في غضون أسبوعين، ولم يُقبض على 'إرهابي' واحد، ولم يتم إطلاق النار على 'إرهابي' واحد أثناء المطاردة، بينما يستمر كل شيء كالمعتاد." وأعرب عن غضبه الشديد إزاء فشل الشرطة وأجهزة الأمن في وقف موجة القتل، ووجه انتقادات حادة لسلطات إنفاذ القانون، متهمًا إياها بإهمال المجتمع العربي وعدم اكتراثها بتفاقم الوضع المميت. وقال: "نحن نشهد معدلًا سنويًا يتجاوز 300 جريمة قتل في المجتمع العربي في إسرائيل، والأمر لا يبدو أنه يزعج أحدًا سواي."
وفي تشرين الثاني 2023 قال مدير مركز عدالة المحامي حسن جبارين، إن "المؤسسة الإسرائيلية لم تكتفِ بإدامة العنف الممنهَج ضد مواطنيها الفلسطينيين، المتمثل في استعمال العنف المفرط، والأدوات غير القانونية لتفريق المظاهرات والتجمعات، وانتهاك حق الاحتجاج والحق في التعبير عن الرأي، بل طوّرت أشكال القمع والظلم تجاه مواطنيها الفلسطينيين من خلال سياسة ممنهجة تتمثل بعدم كبح جماح الجريمة وانتشار العنف والتي تفتك بالمجتمع العربي، داخل الخطّ الأخضر".
وقال إن "ثمة علاقة تجمع بين ثقافة العداء الشُّرَطي تجاه المواطنين الفلسطينيين، وبين عدم أخذ دورها في مكافحة الجريمة المتفشية اليوم في المجتمع الفلسطيني داخل الخطّ الأخضر، والتي تؤدي إلى تمزيق المجتمع وهدم الأسر الآمنة واستباحة دم المدنيين العزّل بشكل يومي". وأضاف أنه "بهذه الطريقة تنضم الشرطة إلى أذرع الدولة الأخرى التي تديم ’وصمة التمييز ضد مواطنيها العرب، بمختلف أشكالها وتعابيرها’، التي أوصت لجنة ’أور’ الدولة العمل على إزالتها".




