وثّقت كلٌّ من أطباء من أجل حقوق الإنسان – الولايات المتحدة، بالتعاون مع العيادة العالمية لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، وأطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل، في تقريرين منفصلين صدرا بشكل متزامن، كيف أدّت الحرب على قطاع غزة إلى ارتفاع حاد في وفيات الأمهات والمواليد الجدد، وإلى ولادات في ظروف بالغة الخطورة، إضافة إلى تدمير منهجي لخدمات الرعاية الصحية المخصّصة للنساء.
وأوضحت المنظمتان أن التقريرين، ورغم إعدادهما وبحثهما بشكل مستقل، جرى إطلاقهما معًا في ضوء تراكُم النتائج والشهادات والاستنتاجات المشتركة، ولا سيما ما يتصل بالاحتياجات العاجلة للنساء والأطفال في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ودعت المنظمتان، إلى جانب العيادة الحقوقية المشاركة، الحكومة الإسرائيلية إلى رفع جميع القيود فورًا عن إدخال الأدوية والغذاء والمساعدات الإنسانية إلى القطاع، وضمان الوصول الفوري والكامل إلى خدمات الصحة الإنجابية.
وقدّم التقرير الأميركي تحليلًا سريريًا لانهيار النظام الصحي في غزة وتبعاته الطبية من منظور الطواقم الطبية العاملة ميدانيًا، في حين ينقل التقرير الإسرائيلي أصوات النساء الفلسطينيات أنفسهن، كاشفًا الثمن الإنساني العميق الكامن خلف الأرقام والإحصاءات. وخلص التقريران إلى أن ما يجري ليس حوادث معزولة، بل نمطًا متواصلًا من الإضرار المنهجي بصحة النساء وأطفالهن في غزة، يصل إلى حدّ العنف الإنجابي.
واعتمد التقرير الأميركي، الذي حمل عنوان: "تدمير الأمل بالمستقبل: العنف الإنجابي في غزة"، على 78 مقابلة مع طواقم طبية دولية عملت في قطاع غزة بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر 2025. ويوثّق التقرير كيف أن تدمير البنية التحتية الطبية، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال الغذاء والأدوية والمعدات الطبية – بما في ذلك مستلزمات التوليد، وحليب الأطفال، ووسائل العلاج الأساسية – حرم النساء والمواليد الجدد من الحصول على خدمات طبية منقذة للحياة.
وأشار التقرير إلى أن هذه السياسات أدّت إلى ارتفاع كبير في وفيات الأمهات والمواليد الجدد، وزيادة الولادات المبكرة وحالات الإجهاض، فضلًا عن إلحاق أضرار طويلة الأمد بالقدرة الإنجابية وصحة النساء الجسدية والنفسية.
وقال سام زريفي، المدير التنفيذي لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – الولايات المتحدة: "إن تدمير البنية التحتية الصحية في غزة من قبل إسرائيل، إلى جانب سوء التغذية غير المعالج الناتج عن القيود المفروضة على الغذاء والمستلزمات الطبية – بما في ذلك حليب الأطفال – خلق بيئة جرى فيها تدمير العمليات البيولوجية الأساسية للتكاثر والبقاء بشكل منهجي، ما أدّى إلى أذى ومعاناة ووفيات كانت معروفة ومتوقعة مسبقًا".
وأضاف: "على إسرائيل أن تسمح فورًا بدخول الغذاء والمعدات الطبية الأساسية إلى غزة، وأن تنفّذ خطة طبية منظّمة لمساعدة السكان المحاصرين."
في المقابل، سلّط تقرير أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل، الذي حمل عنوان "الأمومة تحت النار: إلى أي حدّ تستطيع المرأة أن تحتمل؟"، الضوء على البعد الإنساني للأزمة من خلال شهادات مباشرة لنساء حوامل وأمهات مرضعات في غزة، أُجبرن على النزوح من منازلهن ويعشن في ظروف حرمان شديد. ويستند التقرير إلى مقابلات معمّقة مع 21 امرأة أُجريت في شباط/فبراير 2025 داخل القطاع، إضافة إلى مقابلات متابعة مع النساء أنفسهن في أواخر تموز/يوليو 2025.
ونقل التقرير أصوات النساء ويمنح الأرقام وجوهًا إنسانية: شهادات عن الولادة دون تخدير وفي ظروف بدائية، والرضاعة في ظل الجوع ونقص الغذاء الحاد، والمشي لمسافات طويلة تحت القصف للوصول إلى رعاية طبية أساسية غالبًا ما تكون غير متوفرة. وتكشف هذه القصص الثمن الجسدي والنفسي والعاطفي الباهظ الذي تدفعه النساء، في واقع يُجبرهن على الاختيار بين نجاتهن الشخصية ورفاه أطفالهن، ويحوّل الحمل والأمومة إلى حالات خطورة قصوى.
وقالت لمى بكري، منسّقة مشاريع في قسم الأراضي المحتلة في أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل: "خلف كل رقم في هذين التقريرين تقف امرأة تُجبر على الحمل والولادة والرضاعة في ظروف تفتقر إلى الأمان، والرعاية الطبية، وأحيانًا حتى إلى الغذاء". وأضافت: "تُظهر الشهادات التي جمعناها كيف تتغلغل الحرب في جسد المرأة نفسه، وتُجبر النساء على دفع ثمن انهيار النظام الصحي وتدمير شروط الحياة الأساسية – جسديًا ونفسيًا."
من جهتها، قالت أنجلي بارين، مديرة العيادة العالمية لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو: "إن حجم الخسارة والصدمة التي تعيشها النساء والمواليد الجدد سيترك أثرًا لأجيال، ويهزّ مختلف جوانب الحياة الفلسطينية." وأضافت: "يفرض القانون الدولي على إسرائيل أن تتيح فورًا المساعدات وأن تدعم إعادة بناء النظام الصحي. ومن دون ذلك، وحتى في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار، ستستمر الوفيات التي كان يمكن تفاديها، لا سيما بين النساء الحوامل والمواليد الجدد."
يوثّق تقرير أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل شهادات شخصية لنساء يعشن هذه الوقائع يوميًا. من بينهن مها يونس، 20 عامًا، من مدينة غزة، التي كانت في شهرها الرابع من الحمل عندما قُصف منزلها في تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحوصرت تحت الأنقاض في يوم عيد ميلادها. وتصف في شهادتها إصابة مباشرة في جسدها وصحتها، إلى جانب غياب الرعاية الطبية الأساسية حتى بعد إنقاذها: "اعتقدت أنني متّ. لم أسمع شيئًا ولم أرَ شيئًا – كنت محاصرة تحت الأنقاض."
لاحقًا، تصف مها ولادة مبكرة، وعمليات جراحية أُجريت دون تخدير كافٍ، وجوعًا مستمرًا، والعيش في خيمة بلا شروط صحية – واقع تتحول فيه الأمومة إلى صراع يومي من أجل البقاء.
كما تنقل الشهادة الثانية قصة نريمان عمر شقورة، 33 عامًا، أم لطفلين من بيت لاهيا، تعيش اليوم مع عائلتها في خيمة بدائية بعد أن نُزحت مرات متكررة. وتصف في شهادتها الحمل والولادة في ظل انهيار النظام الصحي وغياب كامل للأمان: "كنت قلقة جدًا. ظللت أفكر طوال الوقت: كيف سألد عندما يحين الوقت؟ لا توجد مستشفيات، ولا وسائل نقل، ولا سيارات. كنت خائفة للغاية." تسرد شقورة رحلات نزوح متكررة، وولادة في ظروف خطيرة، ونقصًا حادًا في الرعاية الطبية – في صورة تُظهر كيف يصبح الحمل نفسه حالة تهدد الحياة.



.jpeg)

.jpg)