تحليل اخباري | ماذا يحدث في فنزويلا؟ النفط والصين وعقيدة مونرو الامبريالية المتجددة

A+
A-
مشهد لمدينة كاراكاس، عاصمة فنزويلا، فجر اليوم السبت (شينخوا)
مشهد لمدينة كاراكاس، عاصمة فنزويلا، فجر اليوم السبت (شينخوا)

لفهم ما يجري في فنزويلا اليوم، لا يكفي تتبّع التطورات الآنية أو قراءة التصعيد بوصفه أزمة ثنائية بين واشنطن وكراكاس. ما نشهده هو تفعيل فج لأحد أقدم ثوابت الإمبريالية الأميركية: عقيدة مونرو. هذه العقيدة، التي صيغت في القرن التاسع عشر، قامت على مبدأ استعماري امبريالي صريح مفاده أن نصف الكرة الغربي هو مجال نفوذ أميركي حصري، وأن أي محاولة من قوة خارجية لبناء حضور استراتيجي فيه تُعد اعتداءً مباشرًا على "الأمن القومي" للولايات المتحدة، أي على حقها في الهيمنة الامبريالية.

لم تختفِ هذه العقيدة يومًا، لكنها أُعيد تغليفها أو جرى تعطيلها تكتيكيًا خلال عقود العولمة، صعود الصين، وانشغال واشنطن بحروبها التدميرية في الشرق الأوسط. ما يفعله دونالد ترامب اليوم ليس ابتكار سياسة جديدة، بل نزع الأقنعة عن هذه العقيدة وإعادة تفعيلها بصيغة أكثر خشونة ووقاحة: أقل دبلوماسية، أقل تبرير أخلاقي، وأكثر اعتمادًا على القوة العارية.

في هذا السياق، لا تُستهدف فنزويلا بسبب طبيعة نظامها السياسي فحسب، بل لأنها عقدة استراتيجية في الصراع الإمبريالي الأمريكي على الطاقة. فنزويلا تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، لكنها خلال العقد الأخير لم تُدمج في منظومة السوق الغربية، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية خارج السيطرة الامبريالية الأميركية. معظم نفط فنزويلا تدفّق إلى الصين، ليس عبر عقود تجارية اعتيادية، بل ضمن منظومة "نفط مقابل ديون"، وفرت لبكين طاقة رخيصة، طويلة الأمد، ومحصّنة نسبيًا من العقوبات والاضطرابات الجيوسياسية.

بالنسبة للولايات المتحدة، هذا ليس تفصيلًا اقتصاديًا تقنيًا، بل اختراق استراتيجي غير مقبول لهيمنتها الامبريالية. الصين لا "تشتري نفطًا" فقط، بل تبني عمقًا طاقويًا داخل ما تعتبره واشنطن المجال الحيوي التاريخي لهيمنتها الامبريالية. أي أن بكين، من منظور الإمبريالية الأميركية، لا تنافس في آسيا أو أفريقيا فحسب، بل تنتهك الخط الأحمر في "الفناء الخلفي".

 بالنسبة للصين،  فنزويلا لم تكن مجرد حليف سياسي، بل أحد عناصر الأمن الطاقوي الصيني المهمة خارج المنظومة الغربية الامبريالية. تعطيل هذا المصدر لا يعني خسارة نفط فقط، بل محاولة ضرب نموذج كامل من "العولمة الانتقائية" التي بنتها بكين لتقليل اعتمادها على الأسواق والمؤسسات الغربية وخارج سياق الهيمنة الامبريالية الأمريكية.

فنزويلا ليست دولة هامشية في سوق الطاقة العالمي. إنها دولة تمتد على أكثر من 900 ألف كيلومتر مربع، يسكنها أكثر من 30 مليون نسمة، وتملك نحو 303 مليارات برميل من النفط المؤكَّد، أي ما يقارب 18% من الاحتياطي العالمي المثبت، وهو نفط قابل للاستخراج بتكنولوجيا متوفرة وكلفة اقتصادية معقولة. هذا الثقل هو ما جعل فنزويلا، تاريخيًا، ساحة صراع دائم بين الدولة والقوى الإمبريالية.

في النصف الأول من القرن العشرين، كانت صناعة النفط خاضعة شبه كليًا لشركات أجنبية، خصوصًا أميركية. لم تبدأ محاولات استعادة السيطرة إلا تدريجيًا، إلى أن بلغت ذروتها عام 1976 بتأميم القطاع وإنشاء شركة النفط الوطنية. لاحقًا، عمّق الرئيس الراحل هوغو تشافيز هذا المسار، خاصة في حزام أورينوكو الغني بالنفط، محوّلًا التأميم إلى مشروع سيادي سياسي في مواجهة الهيمنة الأمريكية. 

من هنا يُفهم خطاب ترامب عن "سرقة النفط الأميركي" لا كتوصيف قانوني، بل كجزء من سردية إمبريالية وقحة تعيد تعريف الموارد السيادية بوصفها "حقوقًا أميركية مسلوبة". فالشركات الأميركية لم تكن يومًا مالكة للنفط أو الأرض، بل حاصلة على امتيازات تشغيلية. ومع ذلك، يُستخدم هذا الخطاب لتبرير سياسة ضغط تهدف عمليًا إلى إعادة فتح قطاع الطاقة الفنزويلي بشروط استعمارية جديدة، تُقصي الخصوم -وعلى رأسهم الصين-وتُعيد دمج فنزويلا قسرًا في المدار الأميركي الإمبريالي.

المواجهة الحالية، إذًا، لا تتعلق بمادورو كشخص ولا بطبيعة نظام الحكم فقط، بل بجوهر الصراع الإمبريالي المعاصر: من يسيطر على الطاقة، ومن يملك حق الوصول إليها، وتحت أي شروط سياسية واستراتيجية. فنزويلا ليست أزمة داخلية، بل عقدة مركزية في إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي في مرحلة ما بعد العولمة الليبرالية.

وتوفّر استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب الإطار الفكري الأوضح لهذا المسار. فهي لا تطرح مقاربة أمنية محايدة، بل تؤسّس لمنطق إمبراطوري أكثر فظاظة، يشرعن استخدام القوة، الحصار، والتدخل العسكري كأدوات طبيعية لحماية الهيمنة الأميركية. خلف شعارات "السلام" و"الازدهار"، تُعاد صياغة العالم كساحات نفوذ، لا كمجتمع دولي.

تميّز إدارة ترامب نفسها ظاهريًا عن الإدارات السابقة بانتقادها لفكرة "الهيمنة الأميركية الدائمة على العالم"، لكنها عمليًا تتبنى طموحات مشابهة، مع اختلاف في الأسلوب لا في الجوهر. فبدل تبرير التدخلات باسم نشر الديمقراطية، تضع الاستراتيجية الجديدة القوة القومية، التوسع الاقتصادي، والتفوّق العسكري في صدارة الأولويات، وتتعامل مع العالم كساحات نفوذ يجب ضبطها، لا كشركاء متكافئين. 

هذا التحوّل ليس معزولًا عن التاريخ القريب. بعد هجمات 11 سبتمبر، شرعنت إدارة جورج بوش الابن الحروب الاستباقية باسم "الحرب على الإرهاب" ما فتح الباب أمام تدخلات عسكرية واسعة دمّرت دولًا بأكملها، خصوصًا في الشرق الأوسط. لاحقًا، ومع تآكل هذا المنطق، انتقلت النخب الاستراتيجية الأميركية إلى إطار جديد: المنافسة بين القوى العظمى، مع التركيز على الصين وروسيا بوصفهما التهديدين المركزيين للنظام الدولي. لكن إدارة ترامب الثانية تسير أبعد من ذلك. فهي لا تكتفي بمنطق المنافسة، بل تعيد إحياء شكل أقرب إلى الإمبريالية الكلاسيكية: استخدام القوة لفتح الأسواق، السيطرة على الموارد، وترسيم مناطق نفوذ مغلقة أمام المنافسين.

 في هذا السياق، تصبح أميركا اللاتينية، وفنزويلا تحديدًا، ساحة اختبار مركزية لهذا التوجّه. الاستراتيجية تستند صراحة إلى عقيدة مونرو، وتضيف ما يمكن وصفه بـ"ملحق ترامب" عليها: إعادة فرض الهيمنة الأميركية العسكرية في نصف الكرة الغربي، ومنع أي وجود استراتيجي لقوى منافسة، خصوصًا الصين. من هنا، لا يُفهم التصعيد ضد فنزويلا كأزمة مع نظام مادورو فقط، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة ضبط الجغرافيا السياسية للطاقة والنفوذ ضمن استراتيجية الامبريالية الأمريكية المنفلتة.

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

عرابة: وفاة الشاب بكر ياسين متأثرا بجراحه الحرجة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

الشرطة تُحيل ملف قضية قطر-غيت إلى النيابة العامة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

الصين تدعو الولايات المتحدة إلى إطلاق سراح الرئيس الفنزويلي وزوجته على الفور

featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

تقرير صيني رسمي: الضربة ضد فنزويلا تُظهر من الذي يقوّض حقا القانون الدولي

featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

زحالقة يتهم الشرطة بالقتل المتعمّد في ترابين الصانع

featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

تعيين نائبة مادورو في منصب القائم بأعمال الرئيس الفنزويلي

featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

عناصر البوليس قتلت شابا في ترابين الصانع بزعم "تهديدها" وبن غفير يرّحب

featured
الاتحادا
الاتحاد
·4 كانون ثاني/يناير

طقس الأحد: غائم جزئيا وترتفع درجات الحرارة ويبقى الجو باردا