حفل مهيب لإطلاق اسم الأديب والقائد الراحل محمد نفاع على المكتبة العامة بدعوة وتنظيم مجلس بيت جن

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

//تقرير "الاتحاد"

 

عُقدت، يوم الجمعة الثامن عشر من شهر اذار الجاري، في قرية بيت جن، أمسية لمناسبة إطلاق إسم الأديب والقائد الراحل محمد نفاع على المكتبة العامة في القرية، وذلك بقرار ومبادرة وتنظيم المجلس المحلي. وشارك حشد من أهالي القرية والضيوف في الحفل المهيب بينهم وفد لجنة المبادرة العربية الدرزية وعدد من رفاق الحزب والجبهة من المنطقة.

وتحدث في الأمسية التي عُقدت في قاعة المكتبة العامة وافتتحها وأدارها الشاعر نصر خطيب كل من من المحامي راضي نجم رئيس المجلس المحلي، وبروفيسور ابراهيم طه ابن قرية كابول، وباسم العائلة نجل الراحل الزميل هشام نفاع.

وقد تمت إزاحة الستار عن منحوتة حجرية نُقش عليها اسم الأديب الراحل نفاع، من قبل رئيس المجلس وأسرة الراحل بحضور لفيف من أهل القرية والضيوف.

وفيما يلي نص الكلمات التي ألقيت في الأمسية.

 

//الشاعر نصر خطيب:

//يَعتزُّ به كلّ أبناء قريتي، ووطني

 

ممّا قاله الأستاذ جمال قبلان في رثاء الرّاحل المقيم:

يشرّفني هذا الموقف بقدر ما يؤلمني، لأنّ مهما يُقال من كلمات فهي قد تقزّم حجم مسيرة عطائه، لكنّي سأتحدّث إلى فقيدنا كما تعوّدنا وبذاتيّة مطلقة.

حملتَ غبار تراب الزّابود فوق ثيابك المتواضعة لتنفضه في حواكير بيوتنا نهجا للنّضال في سبيل الدّفاع عن الأرض، فكتبتُ لك في ذكرى الزّابود أقول: حياة بعض القادة ليست محطّة عابرة، بل هي مجموعة مواقف تصبّ في مبدأ أساس لمجتمعه، يكوّنه ويصقله عبء المسؤوليّة الحقيقيّة، فيلتزم المسؤول بشقّ طريق لاختيار ما هو أفضل لمجتمعه، وقد يخسر القائد بعض المواقف الشّخصيّة ليكسب مواقف لمجتمعه ضمن المبدأ الأساس، وأمثال قائد كهذا، لا يمكن اعتباره ممثّلا لفئة قد تكون جزءا من كلّ، بل يكون ممثّلا لكلّ يتألّف من أجزاء لتصبّ جميع روافده في النّهر الأعظم، وأنت ذاك القائد.

- جميل أن يعتزّ الإنسان بالمكان، لكنّ الأجمل والأعظم أن يعتزّ المكان به،  هذا ما قلته لك في إحدى أمسيات منتدى الكاتب بيت جن أخاطب فيه بلَدَنا وأقول: يا بلدي، يا درّة في تاج الزّمان، يا تربة أنجبت الرّجال، ويا مدرسة أصيلة في النّضال، يا مبعث إلهام أدباء تغنّوا بتاريخ عزّ وأصالة نهج، فنسجوا بأقلامِهم النّازفة حبرا ثيابَ العزّ والكرامة بنتاج أدبيّ لا ينضب، يا بلدي، بوركت بالإنسان، الكاتب، الأديب، المعلّم، القائد المناضل أبي هشام محمد نفاع، وأنا حين أخاطب بلدي أشعر أنّني أخاطب محمد نفاع، والعكس صحيح أيضا.

هذه هي قمّة العطاء والإنسانيّة، وهذا هو مَن يَعتزُّ به كلّ أبناء قريتي، ووطني. إنّه ابنٌ بارٌّ، نهل من صغره الماء القراح من جداول حبَّ هذه القرية، وتربّى على تقديس ترابها، ودافع عنها من مخطّطات كثيرة للاستيلاء عليها وسحبها من شرايين حنان أجدادنا. فعاش بها مرفوع الهامة، غنيّا بحبّها، وحُبّ أهلها. فقيرا بالمادّة الدخيلة على ثراها المقدّس، لأنّه رفض أن تدنّسها وتدنّسه، عاش همومها وعايشت همومَه. فكانت قصصه الناطقة بعادات، وتراث الأجداد، مثل رقاع الثّلج الأبيض الناصع، ملحا- كما قال أجدادنا- ينقّي الأرض من الأمراض والجراثيم، بذورها امتصت خصوبة أرض بيت جن، فارتفعت أغصانها الغضة اليانعة لتعانق قمة "الديدبة" و"حيدر" "وجبلة عروس" "والجرمق".. لتُطعم كلّ محب لهذه القرية الأبيّة..

ستبقى في القمّة، في الجرمق يا أبا هشام..  

 

 

//رئيس المجلس المحامي راضي نجم

//أقوى من الغياب، بمواقفهِ وشجاعتهِ، بطيبتهِ وإنسانيتهِ

 

يعز علي أن أتحدث عن أبي هشام بلغة الغائب، فهو أقوى من الغياب، بمواقفهِ وشجاعتهِ، بطيبتهِ وإنسانيتهِ، غيبه الموت جسدًا، ولكنه عجز عن تغييبه روحًا وفكرًا، فبقيت صورته في الذهن لا تهتز، وهو حاضر بيننا بعطائه المميز، وإرثه الأدبي الثمين.

وبحسه الوطني والقومي، دخل أبو هشام قلوب الملايين من أبناء شعبنا العربي، واستطاع أن يكون لنفسه مكانة مرموقة في الصف الأول بين الأدباء المعاصرين محليًا وعالميًا.

هو كاتب الأرض، وفي كتاباته جسد صورةَ الفلاحِ المخلصِ للأرضِ والقريةِ، وأصبحَ يمثل نموذج الفلاح القروي الذي ينقلُ واقعَ الريفِ وهمومه وآماله. وكان في قصصهِ يرسمُ لنا لوحةً نثريةً لقريتنا بيت جن الشامخة بأهلها وناسها الطيبين، وهو بذلك يضيف بها بعدًا جديدًا، تراثيًا أصيلًا، وربما يريد أن يقول لنا إن هذه الأصالة التي عرفتها بيت جن هي أصالة دائمة لا تنتهي، وصونها والمحافظة عليها واجبٌ مقدس.

وعمل في روايته "جبال الريح" على صيانةِ اللغةِ العاميةِ واللهجةِ الجليليةِ البسيطةِ تمامًا كما عمل على صيانةِ صورةِ القريةِ الجبليةِ الفلاحيةِ وصيانةِ صورة أبنائها وناسها. وكان لأبي هشام حضورٌ مميزٌ في ميادين الشرفِ والنضالِ في القرى والمدنِ العربيةِ، وفي الزابود والوادي، دفاعًا عن الأرضِ وعدم التفريطِ بها. وفي خطاباته الرنانة والحماسية كان يدعو إلى الوحدة ورص الصفوف من أجل نيل الحقوق.

وخلال الفترة القصيرة نسبيًا التي أمضاها في الكنيست، عمل كل ما بوسعه وقدر المستطاع من أجل خدمة شعبه ومجتمعه.

مهما اختلفت مع أبي هشام في الرأي والسياسة، فلا تستطيع إلا أن تحترمه وتقدره لما تحلى به من كرم أخلاق وتواضع وأسلوب شيق في الحديث. وكان منفتحًا على الآخر، ويحاور دون تعصب، ولا يدع الخلاف في الرأي يفسد للود قضية. 

وتكريمًا لهذه الشخصية الفذة وتخليدًا لذكراها، قرر المجلس المحلي بكامل هيئته أن يطلق اسمَ المرحومِ أبي هشام محمد نفاع على المكتبةِ العامةِ في المركز الجماهيري، لكي تبقى ذكراه العطرة ومسيرته المشرفة خالدة في الأذهان لا يمحوها الزمان.

 

//بروفيسور  إبراهيم طه:

//السمعُ والشوفُ والمعايشة: محمّد نفّاع ومصادر الالتزام

 

كان لقاءً حميميًّا ومربكًا في بيت جنّ. اجتمع فيه فرحٌ وحزن. فرحٌ مبسوسٌ بنتفة حزن. فرحتُ برؤية الأمّ الفاضلة أمّ هشام والأسرة الكريمة وحزنت. فرحتُ لأنّ بيت جنّ شَرُفت بمحمّد نفّاع وتكرّمت بعطائه فردّت بعض جميله وسمّت مكتبتها العامّة باسمه. وحزنتُ لأنّها كانت المرّة الأولى التي أتحدّث فيها عن محمّد نفّاع في جمعٍ لم يكن الرجل فيه جالسًا معنا على المنصّة!  أربكني قليلا هذا الفرح الحزين. أربكني وكاد يُدمعني. وحتى أداري ارتباكي وحزني تركت ما كنت قد دوّنته من ملاحظات لاهثة على الورق وتحدّثت بعفويّة فلّاحيّة تليق بفلّاح أصيل مثل محمّد نفّاع وأدبه. حاولت أن أجعل كلامي احتفاليًا عفويًّا ترابيًّا يخفّف من ارتباكي أنا أولًا ويعتق الجمهور من سماجة النقد الأدبيّ الصارم... في بيت جنّ أربكني الفرح المغموس بحزن.

أن تتسمّى مكتبة عامّة باسم محمّد نفّاع، أو شارع مركزيّ أو مدرسة أو أيّ مؤسّسة أخرى، هو تعبير جميل عن صنيع جميل، يستحقّ عليه المجلس المحلّي من الشكر الجزيل. وهل هذا كثير؟! والحديث عن محمّد نفّاع الذي ثبّت اسم بيت جنّ على خريطة العالم. حاولت في هذه المناسبة أن أذكّر بما قدّمه أبو هشام لبيت جنّ قبل أن تجعل هي اسمه على مكتبتها العامّة. حاولت أن أقول في ذاك اللقاء أمرين اثنين: (1) إنّ محمّد نفّاع أديب عالميّ لأنّه محلّيّ. (2) وإنّ محلّيّته تتأدّى بكلّ مصادر الكتابة الأدبيّة الثلاثة المتاحة.

عالميّة محمّد نفّاع بفضل محلّيّته البيت جنّيّة هي حقيقة أدبيّة. وهي من إفرازات إصراره على المرابطة فوق الجرمق. الشهرة الشعبيّة أو الجماهيريّة ليست من الشروط القبليّة للعالميّة وإن كانت أحيانًا من أشراطها. الأديب التشيكيّ الهنغاريّ الألمانيّ فرانتس كافكا مثال واحد. والأمثلة كثيرة. وكنت قد تحدّثت عن ذلك في ندوة سابقة عن محمّد نفّاع في حيفا... وما هي المحلّيّة؟ ماذا أعني بأنّه أديب محلّيّ؟ أعني أنّه موصول بمحلّ موسومٌ به. أعني أنّه مربوط بحبل السرّة بمحلّ بعينه، يعيشه بطوله وعرضه وعمقه. وما هو هذا المحلّ إن لم يكن بيت جنّ؟ وبيت جنّ عالم صغير، منه يدلف محمّد نفّاع إلى عالم أكبر. وقد سبقه إلى ذلك أدباء كثر، منهم جيمس جويس الذي نال عالميّته في أدبه بفضل كتابته عن مدينته دبلن، ومنهم نجيب محفوظ الذي حظي بعالميّته بفضل كتابته عن القاهرة التي لم يغادرها لا في الواقع ولا في الأدب إلا فيما ندر. والأمثلة لا تنتهي... إنّ المرابطة فوق تراب بيت جنّ ما كانت لتتحصّل، بطولها وعرضها وعمقها، إلا باجتماع كلّ مصادر الكتابة الأدبيّة الثلاثة:

(1) السمع. وهو ما كان محمّد نفّاع ينصت إليه من حكي الناس وهمسهم وصخبهم في أمور مضحكاتهم وهرجهم في أمور مبكياتهم في الحلّ والترحال. لم ينتبذ محمّد نفّاع ولم يغادر أهله وناسه ولم يقاطعهم أو يجافهم. عرف كيف يصغي إلى نبض الناس، كلّ الناس، كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم. كان محمّد نفّاع يملك مجسّات عالية الصنعة والحساسيّة. يلتقط كلّ تفاصيل الكلام. ينتبه إلى كلّ ما يُقال فوق السطور وما يُهمس به بين السطور وما لا يُقال تحت السطور. أتقن فنّ الإنصات إلى الكلام المقول واللغة المدوّنة. هكذا كان يقرأ بنهم. والقراءة إنصات. لم تنحصر قراءته في مجال دون مجال. قرأ سعيد حورانيّة ويوسف إدريس ونجيب محفوظ والطيّب صالح الطاهر وطّار ومارون عبّود وسلام الراسي وغوغل وتشيخوف وتولستوي ودوستيفسكي وغوركي وهمنغواي وفيكتور هيجو... هذه هي الأسماء التي تحضرني الآن.

أذكر أنّني سألت الأديب العبريّ أبراهام ب. يهوشواع عن روايته "العودة من الهند": أكنتَ في الهند؟ فقال: لا. وكيف كتبتَ روايتك؟ سألته. قال: كنت ألتقي بكثير من الشباب الذين سافروا إلى هناك وقضوا فيها وقتًا طويلًا، أستمعُ إلى أقوالهم، أسجّلها كلّها حتى تكاملت أمامي صورة دقيقة.

(2) الشوف. تحتاج صنعة الأدب إلى مراقبة متأنّية علاوة على إصاخة السمع. وليس الحكي كالشوف. المشاهدة والمعاينة من ضرورات الكتابة الأدبيّة. كتب الأديب المصريّ علاء الأسواني، وهو طبيب أسنان، في مقدّمة "نيران صديقة": "في أوائل التسعينيّات كنت أبحث عن عيادة أكبر في وسط البلد. ولجأت كما يفعل الناس إلى سمسار. بدأت ألقاه كلّ يوم... ثمّ نبدأ جولة في وسط البلد. ومنذ اليوم الأول أحسست فعلا أنني عثرت على كنز. قد رأيت الفناء الخلفيّ لوسط البلد... أذكر أنّني من فرط انفعالي باكتشاف وسط البلد ظللت مواظبًا على الطواف مع السمسار لأتفرّج على البيوت والناس حتى كدت أنسى موضوع العيادة تمامًا... كنت، كلّ يوم، بعد أن أنتهي من عملي الطبّيّ، أندفع إلى اكتشاف الحياة في أشكالها الأكثر أصالة وإثارة. أجوب كلّ الأماكن الغريبة وأتعرّف إلى شخصيّات غير تقليديّة، يدفعني إلى ذلك فضولٌ قاهر واحتياج حقيقيّ لفهم الناس والتعلّم منهم... صاحبت فقراء وأثرياء وسياسيّين متقاعدين وأمراء سابقين ومفلسين، مدمني خمر وخرّيجي سجون ونساء ضائعات ومتطرّفين دينيًّا ونصّابين وبلطجيّة وفتوّات... كلّ ذلك وأنا أحافظ بدقّة وصرامة على المسافة بين عالمي الليل والنهار".

كان الأسواني يفصل بين عمله في طبّ الأسنان نهارًا وفي الليل شاهدًا متفرّجًا على الواقع. لم يعش محمّد نفّاع حياة مزدوجة ثنائيّة انفصاميّة مثلما عاش الأسواني.

(3) المعايشة. وهي تعني أن تكتب عن واقع تعايشه، تعيشه، تعيش فيه، تعيش به، تعيش معه، يعيشك هو، يعيش فيك وبك ومعك... وهذا المصدر هو الأكبر والأصدق والأشمل والأعمق وهو يتلقّف كلّ المصادر الأخرى بيسر.

لا أذكر أن قرأت نصًّا لمحمّد نفّاع عن واقع لم يعشه نفسه ولم يخبره بتفاصيله. ولذلك لم يكتب عن المدينة وبحرها مثلما فعل إميل حبيبي مثلًا. يتمظهر محمّد نفّاع في أدبه بكامل هويّته الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأخلاقيّة. ببساطة متناهية، كان الرجل ابن واقعه. التزم به بالضرورة الفطريّة والمشيئة المحسوبة. خبر الزرع والقلع والحصيد ورعي المواشي. سرح في المعزى والسخول، ودرس على البيادر، تأثّر بالغيم والبرق والرعد والثلج والوديان الجارية وعيون الماء والوعر الغزير فانعكس ذلك كلّه في كتابته. قال محمّد نفّاع غير مرّة: هذه القرية النائية لها لهجتها العامّيّة الخاصّة ولها أقوال وأمثال ونمط حياة وعلاقات اجتماعيّة خاصّة بها. تعرّفت أثناء عملي في الزراعة ورعي الماشية على عشرات المواقع وعلى عشرات أنواع الشجر السنديان والبطم والملّ والقاتل والسوّيد، وعلى الكثير من أسماء الأعشاب والبقول والنفلة وخبز القاق وشواهين الغزال ودم الغزال والشومر والتنتول والحمّيض...

مرّة أخرى مع أ. ب. يهوشواع. قبل سنوات طويلة طلب منّي أن أترجم بعض الجمل من العبريّة الجاهزة إلى العربيّة لشخصيّات عربيّة من الجشّ في إحدى رواياته. قلت له: إنّي لا أتقن تفاصيل لهجة أهل الجشّ. فقال: اكتبها بالفصحى. فقلت: أهل الجشّ على حدّ علمي لا يتحدّثون في حياتهم اليوميّة بالفصحى... لماذا لا تبحث عن متخصّص غيري؟! أذكر هذه القصيصة مع أستاذي أ.ب. يهوشواع لأنّها تُحيلني مباشرة إلى الجدل القديم والحادّ بين طه حسين ويوسف إدريس عن هذه المسألة بالضبط. نصح طه حسين، عميد الأدب العربيّ وعماد اللغة العربيّة الفصيحة، يوسف إدريس أن يلتزم العربيّة الفصيحة في أدبه حتى في الحوارات بين الشخصيّات. فقال له إدريس مرّة: وكيف كنتَ تترجم "إطلع من دول"؟ هل نقول "اخرج من هؤلاء" يا أستاذ طه؟! ارتبك الأستاذ طه حسين..  وكيف لا ينحاز محمّد نفّاع في هذه الجزئيّة إلى رأي إدريس وهو ابن البلد وابن الطبقة وابن اللهجة؟!

إذا استطاع علاء الأسواني، رغم برجوازيّته، أن يكتب أدبًا جيّدًا من مصدرين اثنين، السمع والشوف، فكيف لا يكتب محمّد نفّاع أدبًا صادقًا عن أهل بيت جنّ وهو يملك كلّ مجسّات الكتابة المتاحة؟ وإذا استطاع أ.ب. يهوشواع أن يكتب أدبًا جيّدًا، وهو الذي لم يلتق ولم يسمع ولم يعش شخصيّاته العربيّة من الجشّ، فكيف لا يكتب محمّد نفّاع أدبًا صادقًا عن أهل بيت جنّ وهو يملك كلّ مجسّات الكتابة المتاحة من سمع وشوف وعيش؟

 

//هشام نفاع

//أهل هذا البلد الطيب، لكم امتناننا واحترامنا ومحبتنا

 

علاقة وطيدة عريقة وشخصية ربطت الأديب محمد نفاع بالكتاب. كنا نُعجب ونتعجّب من أن إحدى الوظائف المدرسية التي ألقيت عليهم، على جيلهم الطليعي في التعليم، كان تشكيل كتاب الأوذيسة الاغريقي، تلك الملحمة التي من ركائز الأدب الإنساني.

نذكره في البيت متأبطًا كتابه بعد ساعات عمله الطويلة لينزل الى الحاكورة، الى غربيّ الدار قرب جرن العصافير الذي كان يهتم بأن يملأه كل فجر بالماء صيفًا، ليستلقي على سرير حديدي مدهون بالأخضر ولم تنجُ أطرافه من الصدأ. هناك يقرأ بتركيز طويل ووقت عريض ويسجل ملاحظة هنا، ويطوي صفحة هناك، ويدسّ قصاصة ورق بملاحظة بين صفحتين. وهي شذرات ستعود وتبرعم وتطلّ حين يذكرها في إحدى القصص القادمة.

هناك في موقع قراءته كان يبدأ نهارات الربيع والصيف وما تيسّر من خريف مع رفيقته الوالدة الحبيبة نايفة، مع غلاية القهوة الزرقاء التي كان يعدّها لهما بنفسه. كنت تراهما جالسين تحت سنديانة اعتنى بها كشجرة جُوّيّة مثمرة، يضحكان أحيانا او يتجادلان او يصمتان في إطلالة على الجرمق أو على الوادي قبل أن تسخن خيوط الشمس، حين كان الغمام الخفيف لا زال عاليًا يحيط خاصرة الأول، او خفيضًا يكلّل تعرّجات الثاني. علاقتهما قامت على مساواة تعلمناها من مصدر أوّل، ورأيناها في علاقته بشقيقته عمتنا الغالية نايفة، وكانت التجسيد الحقيقي الملتزم لنظرته المحترِمة للنساء ودورهن وحقوقهن، سواء نظرة الأديب أو السياسي.

يذكر كثيرون أبا هشام مع كتابه في الباص من البلد لعكا وبالعكس. وياما رأينا له صورًا وهو يسترقُ دقائق خلال اجتماع طويل فاتحًا كتابًا، كأنه يخرج منه في استراحة للهواء الطلق، هواء المعرفة والأدب المنعش للعقل والنفس.

تلك أشبه بصور خاطفة للرجل مع كتابه تتكرر كلمعان حبات الندى أوّل طلوع الشمس التي كان يطيل النظر اليها وأكثرَ من وصفها، إنه رسمٌ يقدّم شيئا من ملامح إنسان.

لهذا فليس أبلغ تطابقًا وانسجامًا وتكاملا من أن يختار أهل هذي القرية معْلمًا للكتاب ليحمل اسم الراحل. هو التطابق والانسجام والتكامل بين الراحل وبين ما أحبه وتعلق به؛ وهو أيضًا التطابق والانسجام والتكامل بين الراحل وبين من أحبهم وتعلق بهم وأخلص لما رآه الأنفعَ لهم، أهل بلده أهل الخير والطيبة في هذي القرية المتواضعة الشامخة معًا، التي يزداد المرء سعادة وفخرًا يومًا يومًا ودومًا وهو يسمع إشادة سائر أبناء مجتمعنا وشعبنا بخصالهم.

هو حبٌّ ووفاء ظلّ يؤشّر عليه ذاك الرابط الأقرب للصوفيّ الروحاني لدى الكاتب محمد نفاع مع المشترك الأكثر مادية والأكثر مثالية في الوقت ذاته، مع الأرض، هذه الأرض الواقعية الملموسة المفلوحة المزروعة المأهولة العامرة والمعمّرة المثمرة والمعطاءة. ويعرف كثيرون كيف كان يحفظها خلّة خلّة وبقعة وتلّة وأحيانًا ترماية وتلزيقة، وها هي ممتدة فسيحة يانعة حيّة أبدًا في ألوف الصفحات التي كتبها عنها ومنها ولها وفيها.

حفل مهيب لإطلاق اسم الأديب والقائد الراحل محمد نفاع على المكتبة العامة بدعوة وتنظيم مجلس بيت جن

هي الأرض التي رأى فيها فعلا جنّة، جنّة هذا البلد، والجنة لأنها تحت أقدام الأمهات، أمه، جدتنا الراحلة الغالية ندى، التي عرفنا بعد حين أن الوالد احتفظ بمشّايتها، بحذائها، الذي كانت تقطع به الدروب من وإلى أرض الخيط قبل أن تصبح أرضنا المنهوبة. هذه المشاية المصنوعة من مشقّة وشرف، سنظلّ نحتفظ بها كأمانة نصونها وعبرة نحفظها. إن صورة الوفاء هذه لفضل الوالدة يكملها الوفاء لوالده جدنا الحبيب الراحل حسين، إذ دأب أبو هشام على ذكر فضله وسعة مداركه وانفتاحه على العالم، فدفع ابنه نحو التعليم وسبل المعرفة.

وهي أيضًا الأرض بقيمتها الوجودية والوطنية وبمعناها الإنساني لدى كل من يرى في ذاته ويعي ان لا بقاء ولا غد ولا مستقبل بلا مستقرّ، بلا متكأ، بلا وطن، بلا تربة ينزرع فيها أهلها كالشجر العالي وبلا حجارة هي لُبنات العامود الفقري لكل من يعي أنه ذو امتداد وتاريخ وحضارة وأصل وفصل. ولعلّ محمد نفاع سعى حتى آخر حياته للمساهمة في تعميق هذا الوعي وتعميق جذور أهله في أرضهم ووطنهم.

باسم العائلة الصغيرة والموسعة، نتقدم بالشكر والامتنان على كل من ساهم في هذا المشروع

الى رئيس المجلس المحلي المحامي راضي نجم وجميع أعضاء مجلسنا المحترمين

إلى عزيزنا بروفيسور إبراهيم طه الذي كنّ له الوالد احتراما ومعزّة خاصّين

إلى إدارة وطاقم المكتبة العامة المحترمين

واللجنة المتفانية المحترمة التي نسّقت وعملت واخرجت الفكرة الى النور

وإلى جميع اهل هذا البلد الطيب من كل جهة وحارة وعائلة

لكم امتناننا واحترامنا ومحبتنا

 

**

وفي الختام شكرت مديرة المكتبة دالية عطيلة الحضور، وقدم الفنان هدية للمكتبة منيب قبلان لوحة تحمل صورة الراحل. وخصّت مديرة المكتبة بالشكر كل من: رئيس المجلس المحلي المحامي راضي نجم، الشيخ أبو آدم سلمان قبلان مساعد رئيس المجلس، الشيخ أبو اسعيد غازي عطيلة مدير قسم الثقافة، الشيخ الكاتب والمربي أبو خالد جمال قبلان، الأخ مروان خلد مدير قسم الرياضة، موظفي وعمال المركز الجماهيري، الأخت عبير محمود مديرة قسم التطوير الاقتصادي والموارد البشرية، عائلة الأديب أبو هشام محمد نفاع، الأخت فدوى دبور سكرتيرة المجلس المحلي، الأخ علاء سلطان قبلان، الأخ نايف نواف قبلان، الأخت أريج اسعد، أسرة المكتبة العامة، قسم الهندسة بادارة هيسم عطيلة، موقع الأصل بادارة حسام حرب، والصحفي لطفي مرعي. (الصور مع هذا التقرير: عن موقع "الأصل)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

واشنطن ردًا على خامنئي: "كل الخيارات على الطاولة، لا تلعبوا مع ترامب"

featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

مظاهرات في الدنمارك وغرينلاند احتجاجًا على مخطط ترامب

featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

إصابة مواطن جراء اعتداء عصابات المستوطنين في مسافر يطا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

تقرير: "مجلس السلام" الذي أطلقه ترامب خطوة نحو إطار دولي منافس للأمم المتحدة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

قاضية أمريكية تحد من صلاحيات شرطة الهجرة في مينيسوتا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

خامنئي: الشعب الإيراني أنهى الفتنة بوحدته والولايات المتحدة دعمتها

featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

برنامج الأغذية العالمي: نقص التمويل يهدد ملايين السودانيين بالجوع

featured
الاتحادا
الاتحاد
·17 كانون ثاني/يناير

"الإدارة الذاتية": مرسوم الاعتراف بحقوق الكرد خطوة أولى غير كافية