كشفت وثائق داخلية نشرتها صحيفة هآرتس، أن على خلاف ما تدّعيه رسميًا، وزارة التعليم كانت على علم بضلوع جهات إجرامية في برامجها التعليمية وبتعرّض مديري مدارس في المجتمع العربي لعمليات ابتزاز منذ نوفمبر 2024 على الأقل، وذلك بحسب التماس قدّمته العام الماضي حركة حرية المعلومات.
في ردّ الوزارة على الالتماس الذي طالب بنشر معطيات عن منظومة البرامج الخارجية التابعة لها (المعروفة جيفين)، زعمت الوزارة أنها لا تستطيع تزويد الجمهور بالبيانات المطلوبة خوفًا من تصاعد التهديدات ضدّ مدراء المدارس. ومع ذلك، وعقب نشر تقرير في صحيفة هآرتس، نفت الوزارة معرفتها بوجود ظاهرة كهذه.
ووفق مصادر في أجهزة تطبيق القانون، والسلطات المحلية، والمدارس نفسها، فإن السنوات الأخيرة شهدت تسلّل عناصر إجرامية إلى منظومة “غيفن”، وهي المنصة التي يختار عبرها مديرو المدارس البرامج والأنشطة التربوية الملائمة لمجتمعهم. وهذه العناصر تعمل عبر مزوّدين فازوا بعطاءات رسمية من وزارة التعليم وحصلوا على مصادقة لبرامجهم، ثم يقومون بتهديد المداراء وإجبارهم على اختيار مزوّدين محدّدين وبرامج معينة، ويستحوذون على نِسَبٍ كبيرة من الميزانيات العامة. وفي كثير من الحالات لا تُقدَّم البرامج الموعودة إطلاقًا، أو تُنفّذ جزئيًا وبصورة شكلية لا تمتّ إلى الغرض التربوي بصلة.
في ردّها الرسمي على النشر، قالت الوزارة إنها "لا تعرف حالات من هذا النوع"، مؤكدة أن "برامج غيفن في جميع القطاعات تُفحص وتُعتمد وفق معايير مهنية صارمة، وتخضع لرقابة دائمة". وأضافت: "في كل حالة يُكتشف فيها تجاوز، تُوقف الفعالية فورًا، وتعمل الوزارة بتنسيق كامل مع الجهات المخوّلة بإنفاذ القانون".
إلا أن وثيقة رسمية من نوفمبر 2024 — وهي ردّ الوزارة على التماس قدّمته حركة حرية المعلومات بشأن الشفافية في منظومة "غيفن" — تكشف رواية مختلفة تمامًا. ففي سياق تبريرها لرفض نشر بيانات حول كيفية اختيار المدراء للبرامج التعليمية، أشارت الوزارة صراحةً إلى ظاهرة “الخاوة"، موضحة أنها تخشى أن يؤدي نشر تلك المعلومات إلى زيادة التهديدات ضدّ المداراء.
وجاء في نصّ الوثيقة:"مدير منطقة قدّم شكوى إلى مديرة القسم في وزارة التعليم حول تعرضه لتهديد من جهة خارجية طالبت بإجباره على اختيار مزوّد برامج معيّن".
ووصفت الوزارة في حينه تلك التهديدات بأنها مطالبات بدفع “أموال حماية” – أي إنه إن اختار المدير المزوّد المطلوب فستكون مدرسته “محميّة” من سرقة المعدات أو الاعتداء، أما إن رفض فسيُصاب بأذى. كما ورد في الوثيقة أن "مدراء رفضوا الخضوع لتلك الإملاءات وجدوا أنفسهم تحت هجمات شخصية قاسية"، وأن "مديرة القسم علمت بحالات قدِم فيها مزوّدو برامج إلى المدراء وحاولوا بالقوة إرغامهم على اختيار برامجهم".
وتشير الوثيقة أيضًا إلى أن الوزارة كانت تعلم بأن البرامج لا تُنفّذ وفق الأصول. وجاء فيها مثالاً: "مسؤولة في الوزارة أبلغت عن تلقيها شكاوى من مدراء مدارس في منطقتها أعربوا عن خيبة أملهم من برنامج تم شراؤه. وبحسب المدراء، لا يمكنهم إلغاء العقد مع المزوّد خوفًا من ردود فعل عنيفة من جانبه، وأحيانًا حتى من جانب السلطة المحلية نفسها".
وقالت المحامية هيدي نيغِف، المديرة العامة لحركة حرية المعلومات، في حديثها إلى صحيفة هآرتس:
"أدهشني ادّعاء الوزارة بأنها لا تعرف بوجود هذه الظاهرة، خصوصًا وأن هذا الادّعاء كان أحد الحجج المركزية التي استخدمتها لرفض الكشف عن جميع البرامج والمدفوعات لمزوّدي “غيفن”. كان على وزير التعليم أن يتوجّه إلى الشرطة وإلى وزارة الأمن القومي لمعالجة القضية بشكل شامل، لا أن يستخدم هذه التهديدات كذريعة لإخفاء منظومة “غيفن” ومنع الرقابة العامة عليها".
وفي تعليقها الأخير، قالت وزارة التعليم: "القصد في ردّ الوزارة لم يكن إنكار وجود حالات أو شكاوى محددة في الماضي، بل الإشارة إلى أنه لا توجد اليوم لدى الوزارة أدلة أو شكاوى ملموسة عن تسلّل عناصر إجرامية إلى جهاز التعليم".
وأضافت: "عند تلقي أي إشارة إلى حالة منفردة، تعمل الوزارة على وقف النشاط فورًا بالتنسيق مع أجهزة إنفاذ القانون، كما تدرس في الوقت ذاته سبل تعزيز وتدقيق آليات الرقابة على برامج “غيفن” في جميع القطاعات".




