تقرير: جدعون ليفي وأليكس ليبك (صحيفة "هآرتس")
جثة نعجة ملقاة على فراش التبن في الحظيرة. تستلقي على جانبها، ورأسها البني مائل على الأرض ومصاب، فيما ضرعها ممتلئ بالحليب. هذه النعجة الميتة هي كل ما تبقى هذا الأسبوع من قطيع الإخوة جهاد وشريف المخو، الذي كان يضم، بحسبهما، 230 نعجة، فيما قال محقق منظمة "بتسيلم"، محمد رمانة، الذي تابع القضية، إن شهود عيان من القرية أشاروا إلى أن عدد النعاج المسروقة كان أقل، نحو 120 رأسًا.
في كل الأحوال، يوم الاثنين من هذا الأسبوع، في اليوم التالي من سرقة القطيع، بدت الحظيرة الواسعة خاوية، تسودها سكينة الموت. البوابة الحديدية الكبيرة محطمة ومرمية على الأرض. يروي الأخوان أن المستوطنين قتلوا النعجة بضربة قضيب حديدي على رأسها، بعدما رفضت الخروج من الحظيرة. وأشارا إلى أنّ النعجة، كانت قد وضعت مولودها حديثًا، ورفضت أن تترك حملها، فكان ذلك سبب هلاكها. أما باقي القطيع، فقد تمكن المعتدون من إخراجه من الحظيرة وسرقته.
دير جرير هي قرية يبلغ عدد سكانها نحو ستة آلاف نسمة، تقع في محافظة رام الله على سفوح الجبال عند أطراف غور الأردن. الطريق المؤدية إلى القرية تمر عبر بلدة الطيبة الميسورة، التي تبدو أكثر عناية وتنظيمًا بكثير من شقيقتها في منطقة المثلث الحاملة للاسم نفسه.
جهاد المخو، مزارع في الرابعة والأربعين من عمره، وأخوه شريف، ضابط في الشرطة الفلسطينية يبلغ من العمر ثمانية وأربعين عامًا، يمتلكان 52 دونمًا من أشجار الزيتون وأراضي رعي، لم يعودا قادرين على الوصول إليها. يروي الأخوان معاناة قريتهما من اعتداءات المستوطنين التي ازدادت سوءًا بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، واشتدت أكثر في الأشهر الأخيرة، بعدما أُزيلت آخر القيود عن المستوطنين.
منذ شهر أيار/ مايو، أقيمت ما لا يقل عن ثماني بؤر استيطانية على التلال المطلة على دير جرير، تخنقها من كل الجهات وتزرع الخوف في نفوس أهاليها.
الوصف هو ذاته الذي يُسمع الآن في أنحاء الضفة الغربية كافة: إقامة بؤرة استيطانية صغيرة، كوخ أو اثنين، والسيطرة على آلاف الدونمات المحيطة التي لم يعد أصحابها قادرين على الوصول إليها، بما في ذلك كروم الزيتون والحقول ومراعي الأغنام. يرافق ذلك اعتداءات عنيفة، إحراق ممتلكات وسرقة قطعان، وأحيانًا تنتهي هذه الاعتداءات بالقتل.
في دير جرير وحدها، قُتل منذ اندلاع الحرب ثلاثة من السكان، رجلان وامرأة، في هجمات نفذها الجيش والمستوطنون معًا في العادة. يبدأ المستوطنون بالاقتحام والاعتداء، ثم يصل الجيش ليحمي المعتدين بالعنف وإطلاق النار، وأحيانًا يكون المستوطنون هم من يطلقون النار ويقتلون.
آخر الضحايا في القرية قُتل في 13 أيلول/سبتمبر، حين حاول ثلاثة شبان وضع حجارة على طريق غير قانوني شقه المستوطنون فوق أراضي القرية. الشاب محمد عيسى علوي، البالغ من العمر عشرين عامًا، أُصيب برصاصة قاتلة. ولا يزال غير معلوم ما إذا كان مطلق النار جنديًا أم مستوطنًا، أم مستوطنًا يرتدي الزي العسكري.
صباح الأحد الماضي، حوالي الساعة التاسعة صباحًا، ظهر خمسة مستوطنين عند الأطراف الشرقية للقرية، المطلة على وادٍ من أشجار الزيتون والصحراء المؤدية إلى غور الأردن، ومعهم بعض الأغنام. في البداية هاجموا الجار صادق فراحنة، الراعي البالغ من العمر 81 عامًا، وكذلك حفيده، وسرقوا قطيعهم، بعد ذلك توجهوا إلى مدخل حظيرة الإخوة المخو.
حين رأى أفراد العائلة المهاجمين، حاولوا صدّهم برشق الحجارة، لكن المستوطنين الذين كانوا على وشك سرقة القطيع بأكمله استدعوا تعزيزات. وقال الأخوان، إنّ وصولها لم يتأخر: نحو 30–40 مستوطنًا، بعضهم ملثمون، قرابة 20 منهم مسلحون ببنادق M-16، يرافقهم جيبان عسكريان.
وأوضح الأخوان أنّ المقتحمين كسروا بوابة الحديد للحظيرة الواقعة قرب منازل العائلة، ودخلوا. تحت حماية الجيش الذي راقب المشهد من مسافة تقارب 100 متر دون أن يتدخل، أخرج المستوطنون أغنام الأخوين من الحظيرة، باستثناء نعجة واحدة رفضت الخروج، فسارعوا إلى وسم الأغنام وخلطها مع قطيعهم.
وقال محقق "بتسيلم" رمانة إن هذه طريقة معروفة لدى المستوطنين لسرقة قطعان الأغنام: يبدأون بالوسم ثم يخلطون القطعان. وأحيانًا يزعمون أن الفلسطينيين هم من سرقوا قطيعهم بعد أن وسموا الأغنام كأنها لهم. وكما سيتبين لاحقًا، الشرطة تسارع إلى تبني رواية المستوطنين دون أن تحقق في شيء. فقد حضرت دورية شرطة إلى المكان، لكن وفق شهادة السكان، اكتفت بالمراقبة من بعيد ولم تحرك ساكنًا.
في تلك الأثناء، حاول أحد الأخوين، جهاد، إبعاد أطفاله عن المنزل، وقال إن المستوطنين بدأوا يطلقون النار باتجاهه. لم يصيبوه، وربما أطلقوا النار في الهواء فقط. وبعد نحو 45 دقيقة غادر رتل المستوطنين ومعه الغنيمة.
من الصعب القول إن هذه السرقة جاءت مفاجئة تمامًا؛ فقبل الحادثة بأربعة أيام، يروي أهل القرية، حضر بعض المستوطنين إلى المكان وهم يستقلون دراجتين رباعيتي الدفع (تراكتورونات)، ويُرجح أنهم جاءوا لجمع معلومات. داروا في المكان قليلًا ثم غادروا.
في يوم الاثنين من هذا الأسبوع، غداة سرقة القطيع، بدا بيت الأخوين كبيت عزاء. جلس الاثنان بوجوه متجهمة في الساحة أمام المنزل، فيما جاء عشرات من أبناء القرية لدعم معنوياتهم. وقد طلبا ألا يتم تصويرهما.
لم يكلف الأخوان نفسيهما عناء تقديم شكوى للشرطة، إذ يؤكدان أنه لا جدوى من ذلك. وقال شريف موضحًا: "إذا حاولتُ سرقة ساعتك، وشخص شاهد الحادثة ادعى أنك أنت من سرقت ساعتي، فلن تكون لي أي فرصة لاستعادة الساعة. وإذا ذهبت إلى الشرطة، فسيقولون إنني أنا السارق، لأن المستوطنين هم الأقوياء هنا."
وهكذا كانت بالفعل هذا الأسبوع ردود المتحدث باسم الشرطة على توجه صحيفة "هآرتس" بشأن الادعاء بأن عناصر الشرطة لم يحركوا ساكنًا: "الادعاءات الواردة في توجهك تمثل تحريفًا خطيرًا ومتعمدًا للواقع. في الحقيقة، راعٍ إسرائيلي تعرّض لاعتداء عنيف على أيدي فلسطينيين ملثمين سرقوا منه 70 رأسًا من الأغنام. قوات الشرطة والجيش تصرفت على الفور، دخلت القرية، عثرت على القطيع وأعادته إلى صاحبه. كل محاولة لتصوير الحادثة وكأن الشرطة "رافقت عملية سرقة قام بها المستوطنون" هي قلب كامل للوقائع، وإضرار خطير بالمصداقية الصحفية، وخداع متعمد للجمهور."
ردّ الشرطة مثير للدهشة، فمن أين لها أن تعرف أن الفلسطينيين هم من سرقوا، إذا لم تكلف نفسها عناء إجراء أي تحقيق، ولم تسأل الفلسطينيين شيئًا؟ وإذا كان الأخوان المخو قد سرقا القطيع من المستوطنين، فلماذا لم تعتقلهما الشرطة فورًا؟ يتضح أن تعاون الشرطة مع المستوطنين العنيفين يشمل أيضًا نشر الأكاذيب والتستر على الجرائم.
توجّهت صحيفة "هآرتس" هذا الأسبوع إلى الناطق باسم الجيش، لكنه لم يقدّم رده حتى موعد إغلاق العدد.
فجر يوم الاثنين، عند الساعة الثالثة، ظهرت مجددًا ثلاث دراجات رباعية الدفع (تراكتورونات) وبعد جولة صاخبة غادرت المكان. لا يعرف الأخوان سبب قدومهم، لكن شريف يقول إن المستوطنين لا يفعلون شيئًا عبثًا: "كل شيء مخطط له بالتنسيق مع الجيش. أنا لست في عقولهم ولا أعرف ماذا يدبرون الآن، لكن هدفهم واضح: منعنا من الوصول إلى أراضينا، ولذلك يعتدون على الرعاة والمزارعين. وهم يجيدون ذلك تمامًا."
قبل نحو شهر، وجد الأخوان في أرضهما كاميرا مخبأة بين الصخور، وهما مقتنعان بأن المستوطنين وضعوها ليتمكنوا من استدعائهم إلى الموقع كلما حاول هؤلاء المزارعون الوصول إلى أراضيهم. وأشارا إلى أنه هذا العام، أصبحا يعرفان أنهما لن يتمكنا من جني محصول زيتونهما؛ كان من المفترض أن يبدآ في الأيام القليلة المقبلة. في العام الماضي، لم يتمكنا إلا من الوصول إلى نحو ثلث أشجار الزيتون التي يملكانها.
وقال شريف: "لم يتبقَّ لنا سوى الموت، لا جدوى من الحياة. إذا سُرق قطيعك، وسُدّ طريقك، وهُدم بيتك، واعتُقل أبناؤك – فلا سبب للحياة."
في منزله الواسع، بعيدًا عن مكان الحادثة، في وسط القرية، يستلقي صادق فراحنة على الأريكة في غرفة الضيوف، ويرجو ألا نصافحه من شدة الألم. كلتا يديه مضمدتان، وكذلك رأس حفيده الذي يحمل اسمه ويبلغ من العمر 23 عامًا، في رأس الحفيد عشر غرز، أما ذراع صادق فقد كُسرت، ويبدو أن هناك حاجة لإجراء عملية جراحية لها.
في تلك الحادثة، تعرّض صادق للضرب على أيدي مستوطنين بهراوات حتى سقط أرضًا. رجل مسن في الحادية والثمانين من عمره، أب لتسعة أبناء، تقع حظيرته بجوار حظيرة الأخوين المخو. وكان يملك مع ابنه خيري، البالغ 41 عامًا، نحو مئة رأس من الأغنام. خمسة وثلاثون منها لم تخرج إلى المرعى ذلك اليوم وبقيت في الحظيرة، فسرقها المستوطنون. وبحسب ما يروي الابن، فإن المستوطنين، قبل أن يسرقوا الأغنام، أطعموها من العلف الذي كان مخزنًا في الحظيرة.
وقال خيري إن المستوطنين اعتدوا على والده بالهراوات من دون أي سبب، وبعد أن سقط على الأرض تركوه جانبًا، ليتفرغوا لضرب حفيده صادق الذي كان قد وصل إلى المكان في تلك الأثناء.
إلى جانب سرير صادق وُضعت غليونه وفنجان من الشاي الداكن، وهو على يقين أنه لولا وجود ابنه وحفيده هناك، لكان الآن في عداد الأموات.

.jpeg)



.jpeg)
.jpg)
