تحقيق هآرتس: أحد أهم مشغلي المسيرات في جيش الاحتلال قال إنه لم يعد قادرًا على تحمل فظائع الحرب ثم انتحر

A+
A-
صورة ارشيفية من تصوير جيش الاحتلال لمقر تشغيل مسيرات
صورة ارشيفية من تصوير جيش الاحتلال لمقر تشغيل مسيرات

مشغل آخر لطائرة مسيّرة، شارك في حرب الإبادة لأكثر من 500 يوم، يقول: "صحيح أننا لسنا في خطر مباشر على حياتنا، لكننا قادرون على إنهاء حياة أشخاص في أي لحظة، وهذا لا يقل تعقيدًا. أحيانًا نشعر كأننا نلعب دور الإله، نقرر من يعيش ومن يموت. نحن مسؤولون عن موت آلاف الأشخاص، بعضهم أبرياء. هناك من يعود إلى بيته وهو يعلم أنه قتل أطفالًا".

نشر موقع هآرتس، تقريرا حول أحد كبار مشغلي الطائرات المسيرة في جيش الاحتلال، والذي بحسب التقرير انتحر بعد أن قال إنه لم يعد يتحمل فظائع حرب الإبادة.

ويقول التقرير: "الساعة السادسة مساءً في مقبرة عسكرية وسط البلاد. عشرات من ضباط سلاح الجو يسيرون في موكب الجنازة، بينهم عدد من كبار الضباط في السلاح. وإلى جانبهم يحضر كثيرون، ربما بالمئات. تُلقى كلمات التأبين واحدة تلو الأخرى، لكن لا ميكروفون خارجي يلتقطها، ولا عدسة كاميرا توثق العناق أو الدموع. ولو لم يكن الحدث في العراء، لكان بالإمكان القول إنها كانت جنازة مغلقة الأبواب".

ويضيف التقرير: "رغم مرور عدة أشهر منذ ذلك اليوم، لا يزال اسم الرجل المدفون هناك محظورًا للنشر. لقد كان ضابطًا كبيرًا في قوات الاحتياط، من أقدم وأبرز مشغلي الطائرات المسيّرة في الجيش الإسرائيلي. لكن، مثل كثيرين من ضحايا الحرب الذين أنهوا حياتهم بأيديهم، بقي هو أيضًا مجهولًا أمام الجمهور، وكذلك الظروف التي دفعته إلى ذلك".

ويقول أحد الذين خدموا معه محاولًا فكّ الغموض الذي أحاط بموته: "كان يحب الجيش والدولة كثيرًا، لكنه لم يحتمل فظائع الحرب، والضغط، وكل ذلك الموت. رأيت كيف كان يذبل ببطء، يفقد توازنه ويتلاشى أمام عيني".

ويدعي الشخص نفسه أن الضابط المنتحر لم يكن مسؤولًا عن تنفيذ الهجمات، بل عن الإقلاع والهبوط فقط. لكنه رأى كل شيء، وكان يعلم تمامًا نتائج كل طلعة جوية، ويضيف "أدركت أن ذلك يثقل عليه، وأن مشاركته في هذه المهام كانت صعبة عليه جدًا، ربما الآخرون استطاعوا أن يكبتوا الأمر، لكنه هو لم يستطع".

صورة ارشيفية من تصوير جيش الاحتلال لمقر تشغيل مسيرات

مشغل آخر لطائرة مسيّرة، خدم أكثر من 500 يوم احتياط في الحرب، يعبّر عن مشاعر مشابهة: "يظن الناس أن عملنا يشبه اللعب على بلايستيشن، لكن هذا غير صحيح إطلاقًا.

جسديًا نحن بعيدون عن ميدان القتال، لكن نفسيًا نحن الأقرب إليه. نرى الهجمات بوضوح بصري يفوق التوقعات، نُصاب بمشاهد قاسية جدًا، نسمع كل شيء عبر أجهزة الاتصال، وندرك التبعات".

ويتابع: "صحيح أننا لسنا في خطر مباشر على حياتنا، لكننا قادرون على إنهاء حياة أشخاص في أي لحظة، وهذا لا يقل تعقيدًا. أحيانًا نشعر كأننا نلعب دور الإله، نقرر من يعيش ومن يموت. نحن مسؤولون عن موت آلاف الأشخاص، بعضهم أبرياء. هناك من يعود إلى بيته وهو يعلم أنه قتل أطفالًا، أو أصاب جنودنا بالخطأ. هذه جروح لا تندمل أبدًا، بلا شك".

ضابط آخر من مشغلي الطائرات المسيّرة تحدث إلى هآرتس عن محادثة أجراها مع الضابط الذي انتحر، قبل أسابيع من موته: "قال لي إنه يجب أن نتوقف، يجب إنهاء الحرب، لأن عواقبها ستكون أفظع مما نتصور، وقال إن المشاهد تطارده، ذكر أطفالًا موتى، وأعرب عن خوفه على مصير الأسرى، خشي أننا نعرّضهم للخطر".

وأقرّ جيش الاحتلال بأن الضابط المنتحر كان يتلقى علاجًا نفسيًا قبل انتحاره، وأن المختصين في الجيش كانوا على علم بوضعه. ومع ذلك، لم يُبعد عن مهامه واستمر في تسيير الطائرات.

وقال أحد الضباط الكبار، "كان الأفضل لدينا، لم يكن ممكنًا الاستغناء عنه خلال حرب متعددة الجبهات".

ويضيف خبير في سلاح الطب العسكري المطلع على التحقيقات: "عندما يدرك الجندي أن هناك فجوة بين قانونه الأخلاقي الداخلي وبين سلوك أو تقصير يخرق هذا القانون بشكل صارخ، تنشأ في داخله فجوة معرفية وصراع نفسي قد يكون عميقًا وممزقًا من الداخل".

شهود آخرون ممن خدموا معه يؤكدون أنه قبل انتحاره تدهورت حالته النفسية، ويعتقدون أن السبب مرتبط مباشرة بخدمته الاحتياطية. "كنا نظن أن مشاركته في الحرب ضد إيران ستمنحه شعورًا بالفخر وتحسن حالته، لكن العكس حدث"، قال أحدهم. "كان متوترًا جدًا، وإلى جانب فظائع الحرب كان يواجه أزمة شخصية غير عسكرية. يبدو أن الجمع بين الأمرين أغرقه تمامًا".

ويضيف المسؤول الطبي: "صحيح أن كثيرين من مشغلي الطائرات المسيّرة شهدوا قتل مدنيين، وتعرضوا لإخفاقات وضغوط هائلة، لكنهم لم ينتحروا. الانتحار عادةً ناتج عن مجموعة عوامل متشابكة، لا عن سبب واحد. نرى هنا مجموعتين في خطر: من جهة، الشباب الذين لم تتكوّن لديهم بعد صلابة نفسية كافية، ومن جهة أخرى، جنود الاحتياط الأكبر سنًا الذين يوازنون بين الخدمة الطويلة وحياتهم العائلية. الفشل هو أننا لم نُولِ هذا الاهتمام الكافي".

أما الخبراء الذين اطلعوا على شهادات هآرتس، وبينهم ضباط في قسم الصحة النفسية، فيرون أن الضابط قد يكون عانى مما يسمى إصابة أخلاقية. "عندما يدرك الجندي أنه تصرف أو شارك في تصرف يناقض قيمه الأخلاقية، يعيش صراعًا داخليًا قد يمزقه"، تشرح البروفيسور زهافا سولومون، الخبيرة في دراسات الصدمة والرئيسة السابقة لقسم أبحاث الصحة النفسية في الجيش. "حين يشعر الجنود أن أفعالهم لا تُغتفر، يصعب عليهم التوصل إلى سلام مع أنفسهم أو مع الآخرين".

وتضيف: أبحاث أُجريت في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين على مشغلي الطائرات المسيّرة الذين نفذوا هجمات في أفغانستان واليمن وباكستان، أظهرت أن كثيرين منهم عانوا من أعراض نفسية خطيرة.

لكن دراسة إسرائيلية نُشرت عام 2017 بمشاركة 41 مشغلًا شاركوا في العدوان على غزة عام 2014، أظهرت نتائج مختلفة: لم يُسجل فيها أي اكتئاب أو قلق بين المشغلين.

ومع ذلك، يقول الخبراء، فالحرب الحالية مختلفة كليًا: طول مدتها، حجم الدمار وعدد القتلى، كلها قد تولّد إصابات نفسية كثيرة بين مشغلي الطائرات المسيّرة الإسرائيليين. ولهذا يعمل جيش الاحتلال الآن على دراسة جديدة حول التأثيرات النفسية للحرب على هؤلاء المشغلين.

صورة ارشيفية

كنت في الجو قرب محور نتساريم، طلب قائد كتيبة قصفًا على شخصين يقتربان من الجنوب، فأطلقت النار عليهما. في النهاية تبين أنهما طفلان فقط، ربما كانا يبحثان عن طعام أو تائهين
 

وعلمت هآرتس أن ثلاثة مشغلين في الثلاثينيات من عمرهم يعانون من مشاكل نفسية بعد مئات الأيام من الخدمة الاحتياطية، اثنان منهم تقدموا بطلب اعتراف كـ"جرحى حرب" لدى وزارة الحرب.

وقال أحدهم "في البداية لم أشعر بشيء، كنت مركزًا في المهمة ومؤمنًا تمامًا بما نقوم به. لكن مع الوقت انهار هذا الإيمان. شعرت أني شخت في هذه الحرب، أنني أصبحت شخصًا آخر".

ويروي نقطة التحول: "كنت في الجو قرب محور نتساريم، طلب قائد كتيبة قصفًا على شخصين يقتربان من الجنوب، فأطلقت النار عليهما. في النهاية تبين أنهما طفلان فقط، ربما كانا يبحثان عن طعام أو تائهين. في البداية لم أفكر كثيرًا بالأمر، لكن بعد أيام بدأت أستعيد الصورة في ذهني، وشعرت بالخزي والاشمئزاز".

بعد أسابيع طلب التسريح: "قلت لقادتي إنني مرهق. كنت أعرف أن هذا ليس السبب الكامل. ظننت أن العودة للحياة المدنية ستصلحني، لكنها جعلتني أسوأ. لم أستطع التحرر من الذكريات.
ويدعي: لم أشارك يومًا في قصف بدافع الانتقام، فقط عندما شعرت أن هناك خطرًا على القوات. ومع ذلك، لا أستطيع احتمال ما فعلت. إنه يحرقني من الداخل. لم ألتحق بالجيش لأقتل الأبرياء، وصعب عليّ أن أعيش مع إحساس أني فعلت ذلك. راودتني أفكار انتحار، لكني أقاومها فقط من أجل عائلتي. لولاهم، لما كنت حيًا اليوم".

من الناحية الطبية، يوضح البروفيسور إيال فروختر أن "الإصابة الأخلاقية" تشبه اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، لكنها تختلف في جوهرها: "في PTSD، يتعرض الإنسان لتهديد مباشر لحياته أو سلامته، أما في الإصابة الأخلاقية فالأذى يقع على سلامته الأخلاقية، لا الجسدية أو النفسية أو الجنسية".

ويضيف: "العلاج في PTSD يعتمد على التعرض للحدث الصادم، أما في الإصابة الأخلاقية فيتمحور العلاج حول التقبل والمصالحة مع الفعل الذي هزّ المعتقدات الأخلاقية للشخص".

لكن بعض المشغلين لا يزالون في بداية الطريق، كما قال آخر: "تسَرّحت مؤخرًا بعد مئات أيام الاحتياط، ويمكنني القول إنني أصبحت إنسانًا مختلفًا. أثناء الخدمة كنت أتعمد ألا أفتح الأخبار أو أرى صور غزة أو أتابع قضية الأسرى، فقط أركز على المهمة. كنت أخشى أن أي تفكير آخر سيؤثر على أدائي".

لكن بعد التسريح تغيّر كل شيء: "تذكرت حادثة في شمال القطاع، تأخرت فيها في تنفيذ ضربة، فخرج مسلحون من نفق وأطلقوا RPG وقتلوا جنديين. بعد عودتي للمدنية بحثت عن أسمائهم، وعندما رأيت وجوههم انهرت. قرأت كلمات التأبين وبكيت دون توقف".

ويواصل: "ثم رأيت في تيليغرام صورًا كثيرة لجثث فلسطينيين، وفجأة أدركت أنني جزء من هذا الجحيم، وأن هناك جثثًا مرتبطة باسمي. ربما يقولون إنني فعلت ما يلزم، لكن الألم لا يوصف. أنا غاضب على نفسي، أحيانًا لا أعرف حتى لماذا".

ويضيف غاضبًا من قياداته: "القادة لم يفعلوا ما يكفي لتحضيرنا لما سيحدث بعد المعركة. شعوري أننا أنجزنا المطلوب، ثم تُركنا وحدنا. هذا مؤلم ومهين. أشعر أني خُنت، والآن بعد الحرب الألم يزداد، لأن الجميع يحتفل بالانتصار وعودة الأسرى، بينما أنا ما زلت في نفس النقطة، وحيد مع أفكاري وذنبي".

يقول البروفيسور يوسي ليفي–بيلز، رئيس مركز أبحاث الانتحار والألم النفسي بجامعة حيفا: "مشغلو الطائرات المسيّرة كانوا في طليعة الهجمات، وربما تسببوا في أكبر عدد من القتلى. هذا له تبعات نفسية هائلة. المشكلة في الإصابة الأخلاقية، خاصة لمن يشاهد نتائج أفعاله من خلف الشاشة، هي أن الصراع الأخلاقي لا يظهر فورًا، بل بعد فترة، عندما تخف مشاعر الانتقام والدفاع عن الدولة، يبدأ السؤال: ماذا فعلت حقًا؟".

ويضيف: "الضغط كان هائلًا على مشغلي الطائرات لتدمير غزة بالكامل تقريبًا. بعضه نابع من شعور مشروع بالرد على الهجوم، وبعضه نتيجة تغذية غضب وانتقام جماعي. وهنا يمكن أن تنشأ إصابة أخلاقية من نوع 'الخيانة'، عندما يتلقى الجندي أوامر لا تتماشى مع قانونه الأخلاقي، كاستهداف بيت لا ينبغي استهدافه. وهذه الإصابة قد تكون عميقة جدًا".

ويختم: "أنا متأكد أننا سنرى مزيدًا من الحالات كهذه. هناك الكثير من الأشخاص في إسرائيل سيعانون من إصابات أخلاقية. بعد أن تهدأ المعارك، يبدأ الناس في استيعاب ما فعلوه، وما بدا مبررًا في القتال سيبدو مختلفًا تمامًا لاحقًا. هذا سيغزو نفوس كثيرين بقوة".

وهنا تبرز قضية التشخيص والعلاج والدعم. قضية الضابط المنتحر تؤكد مدى أهمية ذلك. "كان من أولئك الذين كانت الخدمة بالنسبة لهم مصدر فخر وهوية، لكنها فجأة أصبحت عبئًا"، يقول ضابط آخر عرفه، "كان يبدو مرهقًا، مثقلًا، كأن أشياء كثيرة تثقل قلبه".

ويضيف نادمًا: "ظننت أن ما يمر به مؤقت، فلم أفعل شيئًا. لكنها كانت إنذارًا حقيقيًا، وأنا أشعر بالذنب لأنني لم أحذر ولم أتصرف لإنقاذه".

وقال ضابط آخر: "سمعته يقول إن الحرب تؤلمه وإنه يشك في كل ما نقوم به. حاولت أن أهدئه، قلت له إن النهاية قريبة، لكني لم أفعل أكثر من ذلك. تركت روحه تموت في المعركة".

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

تقرير: مسؤولون أمنيون إسرائيليون يحذرون الوزراء من التصريح بشأن إيران

featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

وزارة القضاء الأمريكية: إحباط هجوم محتمل لداعش في ليلة رأس السنة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

لقاء مشترك لفروع الشبيبية الشيوعية في  المثلث لتخليد ذكرى عصام مخول

featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

تقرير: الجيش الاسرائيلي يعرض خطة لتوسيع العدوان على لبنان في "عملية محدودة"

featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

شهيد برصاص الاحتلال شرق خان يونس

featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

إسرائيل تهاجم ممداني بسبب أول قراراته كعمدة مدينة نيويورك

featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

إيران ردًا على تهديد ترامب بشأن الاحتجاجات: "لن نسمح بالتدخل الخارجي"

featured
الاتحادا
الاتحاد
·2 كانون ثاني/يناير

تقرير: وزارة التعليم تنفق الملايين على مؤتمر دولي عن الذكاء الاصطناعي والعالم يقاطعه