أكد تقرير رسمي إسرائيلي، وضعه قسم "المرافعة العامة" في وزارة القضاء، أن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين تعرضوا لسياسة تجويع قاسية جدًا في مختلف السجون ومراكز الاعتقال منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
التقرير الذي يصدر اليوم الخميس واطلعت عليه "الاتحاد"، يستند إلى زيارات ميدانية واسعة لمراكز الاعتقال في إسرائيل خلال عامَي 2023–2024. وقد شملت الزيارات سجونًا مركزية، مراكز اعتقال، وأقسامًا مخصصة للأسرى الأمنيين والجنائيين، إضافة إلى محطات الشرطة التي تُستخدم لتوقيف المحتجزين لفترات قصيرة. يهدف التقرير حسب معدّيه إلى تلخيص صورة الأوضاع في هذه المنشآت، مع التركيز على قضايا الاكتظاظ، النظافة، الغذاء، نظام الحياة اليومي، الظروف الصحية، واتباع الأنظمة. ويشمل كذلك تقييماً لتطبيق أوامر “تقليص ظروف المعيشة” التي فُرضت عقب أحداث 7 أكتوبر 2023.
الاكتظاظ وحيّز المعيشة
تشير نتائج الزيارات إلى تفاقم غير مسبوق في مشكلة الاكتظاظ مقارنة بالسنوات السابقة، وذلك نتيجة الارتفاع الكبير في أعداد المعتقلين بعد الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023. فوفق مشاهدات الوفود، احتوت العديد من الغرف على عدد من المحتجزين يفوق قدرتها الاستيعابية، إذ بلغ في بعض الأقسام خمس أسرّة لستة سجناء، واضطر بعضهم إلى النوم على الأرض لفترات وصلت إلى أسابيع أو أشهر. كما سجّلت حالات كان فيها السجناء مكدّسين على مساحات ضيقة بحيث يصعب الحركة داخل الغرفة، إلى جانب حالات كان الوصول إلى الحمّام أو المرافق الأساسية يتطلب المرور فوق نزلاء آخرين بسبب ضيق المكان.
يعرض التقرير خلفية قانونية لخطورة هذه الظاهرة، مشيراً إلى قرار المحكمة العليا الصادر عام 2017، الذي ألزم الدولة بتوفير مساحة معيشية لا تقل عن 4.5 متر مربع لكل نزيل، بما يشمل الحمّام والمرافق. غير أنّ غالبية الأقسام التي زارتها المرافعة العامة خلال 2023–2024 لم تستوفِ هذا الحد الأدنى. ويؤكد التقرير أن ضيق المساحة مقروناً بطول مدة البقاء داخل الغرف — والتي تصل إلى 23 ساعة يوميًا في أقسام الأسرى الأمنيين — يؤدي إلى تفاقم حدة الصعوبات الجسدية والنفسية.
ظروف النظافة وانتشار الحشرات
أظهرت الزيارات الميدانية استمرار وجود مشكلات مرتبطة بمستوى النظافة في غرف عديدة. فقد عرض بعض المحتجزين على الوفود حشرات من نوع “البق” قاموا بجمعها من الأسرة، كما ظهرت آثار لدغات على أجساد بعض المحتجزين. وسُجِّلت هذه الملاحظات في سجون مثل “الشارون” و"ريمونيم" وفي مراكز اعتقال أخرى. كما أشير في بعض المنشآت إلى مشكلات متكررة في الصرف الصحي، أو رطوبة مزمنة، أو تهوية غير كافية، ما أدى إلى حالات من الرائحة الشديدة والتلوث. وأفاد بعض السجناء أن هذه الأوضاع ترافقهم على نحو دائم وأن محاولات المعالجة لم تؤدِّ إلى إنهاء المشكلة بالكامل.
وقد قدّم مسؤولو سلطة السجون ردودًا في عدة مواقع، ادعوا فيها أن أعمال ترميم أو معالجة جارية أو مخطط لها، وأن استبدال الأرضيات أو أنظمة التهوية أو الالتزام بإجراءات النظافة يجري بشكل تدريجي، غير أن التقرير رصد استمرار الإشكاليات خلال معظم العامين قيد البحث.
الغذاء وجودته وتوفّره
وردت شكاوى واسعة النطاق من محتجزين بشأن نوعية الطعام، كميته، ظروف تخزينه، وملاءمته للمعايير الصحية. ففي سجن "ريمونيم" رصدت الوفود وجود صراصير في مطابخ تقديم الطعام وأحيانًا داخل علب التسخين نفسها. كما أفاد معتقلون بأن وجبات أُعطيت لهم بعد أن بقيت في عربات التوزيع لمدة يومين. واشتكى آخرون من نقص الخضروات أو غياب الأغذية الطازجة، إضافة إلى تقديم منتجات ألبان لم تُحفظ في ظروف تبريد مناسبة.
شكا عدد من المعتقلين كذلك من نقص في كميات الطعام وعدم كفايتها، مما أدى إلى شعور دائم بالجوع، خاصة في الأقسام الأمنية عقب قرار “تقليص ظروف المعيشة”. وقد أشارت ردود سلطة السجون إلى اعتماد قائمة غذائية موحدة تُشرف عليها أقسام التغذية المركزية، وإلى تجريب برامج جديدة لتزويد الخضروات الطازجة في بعض السجون كمرحلة أولى تمهيدًا للتوسّع لاحقًا. كما ادعوا أن المعتقلين أصحاب الاحتياجات الصحية الخاصة يحصلون على وجبات معدّلة بناءً على توصيات طبية.
القيود على الأسرى الأمنيين
بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 أعلنت سلطة السجون “أمر ساعة” يقضي بتقليص شبه شامل للأنشطة اليومية للأسرى الأمنيين وإلغاء الفعاليات التي تُعدّ جزءًا من الروتين. وقد شمل هذا القرار:
منع زيارات العائلات والزيارات الدولية (مثل الصليب الأحمر).
تقييد الخروج إلى الساحة لساعة واحدة يوميًا كحد أقصى.
منع إدخال الكتب، الصور، أو المقتنيات الشخصية.
إلغاء متابعة التلفزيون والراديو.
تقليص كميات الطعام المقدمة.
تقليص الإضاءة داخل الغرف إلى حد كبير.
ويشير التقرير إلى أن هذه القيود طُبِّقت على جميع الأسرى الأمنيين بلا تمييز، بما يشمل البالغين والقاصرين، والسجناء من إسرائيل أو الضفة الغربية أو غزة، ومن دون أخذ المعطيات الفردية أو الوضع الصحي بعين الاعتبار.
كما ذكر التقرير وقوع حالات فقدان وزن شديد بين محتجزين، وشعور بالضعف، وتكرار حالات الإغماء نتيجة نقص الغذاء، وفق ما أبلغه السجناء للوفود. وبيّن أن ظروف الاحتجاز في الأقسام الأمنية كانت الأكثر صعوبة، خاصة أنها تقترن باكتظاظ شديد وبقضاء معظم ساعات اليوم داخل الغرف دون نشاط يُذكر.
الرعاية الطبية والخدمات الاجتماعية
لاحظت الوفود فجوات كبيرة في إتاحة الرعاية الطبية للمعتقلين، خصوصًا في محطات الشرطة التي لا تتوفر فيها خدمات طبية أساسية. وفي بعض الحالات، حسب ما نُقل للوفود، لم يحصل المعتقلون على متابعة تمريضية منتظمة، أو عانوا من تأخير في تحويلهم للعلاج خارج المنشأة. وأفاد معتقلون بأن نقل الحالات الطبية الطارئة يتم أحيانًا إلى مستشفى “أساف هروفيه” أو “كابلان”، لكن من دون وجود طاقم طبي دائم داخل مراكز الشرطة.
وبالنسبة للسجون، سجّلت الوفود وجود نقص في التفاعل بين الأخصائيين الاجتماعيين والمحتجزين بسبب ضغط الاكتظاظ وكثرة المهام، الأمر الذي جعل من الصعب تلبية الطلبات أو متابعة الشكاوى الفردية في الوقت المناسب.
شكاوى المعتقلين وإجراءات المتابعة
أشار التقرير إلى أن السجناء في عدة سجون لم يتمكّنوا من تقديم شكاوى بسهولة، وخاصة في الأقسام الأمنية حيث تُطبّق مستويات عالية من القيود. وقد ذكرت إحدى الملاحظات أن المعتقلين قالوا إنهم شعروا “بأنهم متروكون”، وعدم حصولهم على إطار تأهيلي أو دعم مهني خلال فترات الاحتجاز الطويلة.
وقد ردّت مصلحة السجون بأن هناك قنوات قائمة لتقديم الشكاوى عبر وحدة التحقيق في شؤون السجّانين، وأن الإلمام بالتعليمات يجري بشكل مستمر بهدف تقليص المخاطر الأمنية دون المساس بالحقوق القانونية للسجناء.
زيارات ميدانية وأمثلة من مواقع مختلفة
يشمل التقرير قائمة تفصيلية بالزيارات الميدانية التي جرت في عشرات المنشآت بين آب/أغسطس 2023 وكانون الأول/ديسمبر 2024، ومنها سجون: الشارون، جلبوع، ريشون لتسيون، كيشون، ريمونيم، سهرونيم، مجدو، عوفر، أيلون، الدامون، كتسيعوت، إضافة إلى مراكز توقيف مثل أوهلي عوز، أبو كبير، نيتسان، والمسكوبية في القدس.
وتكرر في العديد من هذه الزيارات ملاحظات حول:
الازدحام في الغرف.
ضيق الساحات المخصصة للتنزه أو عدم استخدامها.
وجود أسرّة متهالكة أو فرش مهترئة.
محدودية الوصول للمياه الساخنة.
تهوية غير كافية في الأشهر الحارة.
تأخر أعمال الصيانة في بعض الأقسام.
وأظهر التقرير أمثلة لتحسينات تم تنفيذها بعد بعض الزيارات، مثل:
تركيب ستائر للفصل بين المرحاض وغرفة النوم.
تغيير أنظمة التهوية أو إصلاح أنظمة التبريد.
زيادة توزيع مواد التنظيف.
تحسين تزويد المياه الصالحة للشرب.
تطبيق الفصل بين فئات المحتجزين (جنائيين/موقوفين) في بعض المرافق.
محطات الشرطة كمرافق احتجاز مؤقتة
سجّلت زيارات محطات الشرطة مستويات متدنية جدًا من المعيشة مقارنة بالسجون، نتيجة كونها غير معدّة أصلًا للاحتجاز المطوّل. وتضمّنت الملاحظات:
غرف صغيرة بدون تهوية كافية.
مراحيض غير معزولة داخل الغرفة.
عدم توفير فرش للنوم رغم بقاء معتقلين داخلها طوال الليل.
غياب كامل للطاقم الطبي والاجتماعي.
تقديم وجبات تقتصر على السندويشات في أغلب الأحيان.
وأشار التقرير إلى أن بعض هذه المحطات استخدمت خلال فترات سابقة لاحتجاز معتقلين لمدد تجاوزت ما هو مناسب لهذه البنى، وأن بعض التجهيزات الموجودة لا تتوافق مع بنية الاحتجاز الطويل.
وضع القاصرين
وثّق التقرير حالات قاصرين في أقسام أمنية مغلقة، يخضعون للقيود ذاتها المفروضة على البالغين، بما في ذلك قضاء 23 ساعة يوميًا داخل الغرف، ومنع الزيارات، وانعدام إشراف تربوي أو دعم نفسي منهجي. وأشار معدّو التقرير إلى أن مجموعة من الشكاوى الفردية بشأن سلوكيات عنيفة ضد القاصرين قد أرسلت إلى المستشارة القانونية للحكومة لمتابعتها وفق القانون.
ردود مصلحة السجون
تكررت في التقرير ردود رسمية من مسؤولي مصلحة السجون، جاء فيها أن:
الاكتظاظ ناتج عن ظروف طارئة بعد أحداث 7 أكتوبر.
أعمال الترميم وتحديث البنية التحتية تُنفّذ ضمن المتاح.
الغذاء يُقدّم وفق قوائم مصادق عليها وأن الخضروات والمواد الطازجة ستُضاف تدريجيًا.
الطواقم تُعطى تعليمات مستمرة حول عدم استخدام القوة إلا عند الضرورة القانونية.
نقل السجناء للعلاج يجري بحسب الأنظمة.
تحسينات مختلفة نُفّذت فور تلقي ملاحظات الوفود.
خلاصة التقرير
يخلص التقرير إلى أن الفترة بين 2023–2024 شهدت تدهورًا ملحوظًا في ظروف الاحتجاز، خصوصًا في أقسام السجناء الأمنيين، نتيجة الارتفاع الكبير في عدد المحتجزين والإجراءات الاستثنائية التي فرضتها مصلحة السجون بعد الحرب. ويرى معدّو التقرير أن معالجة هذه الظروف تتطلب خطوات فورية تشمل:
خفض الاكتظاظ.
تحسين الإتاحة للرعاية الطبية والنفسية.
تحسين جودة الغذاء.
ترميم البنى التحتية.
مراجعة القيود المفروضة على الأسرى الأمنيين.
تعزيز إمكانية تقديم الشكاوى ومتابعة تنفيذ الأنظمة.
كما دعا التقرير إلى متابعة تنفيذ الإصلاحات التي باشرت بها مصلحة السجون في عدد من المواقع، والتأكد من امتدادها إلى منشآت أخرى تعاني ظروفًا مشابهة.




