مسؤولون أمنيون يهاجمون "وثيقة نتنياهو": استغلال "عدواني، كاذب ومخالف للقانون" لسيطرته على مواد استخبارية

A+
A-
أرشيف: نتنياهو في الكنيست، تصوير: داني شيم طوف، إعلام الكنيست
أرشيف: نتنياهو في الكنيست، تصوير: داني شيم طوف، إعلام الكنيست

وجهت عدة تقارير إسرائيلية نقدًا لاذعًا، واشتمل بعضها على تكذيب لطبيعة المنشور الذي قدّمه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تحت عنوان "إجابات رئيس الحكومة لمراقب الدولة".

​ففي جلسة للجنة الخارجية والأمن، شارك فيها نتنياهو "وكشف للجنة عن مواد كان قد قدمها لمراقب الدولة. تضمنت هذه المواد محاضر اجتماعات المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، ومناقشات أمنية، وتقارير استخباراتية من السنوات الاثنتي عشرة الماضية، بدءًا من عملية الجرف الصامد عام 2014 وحتى الأيام التي سبقت 7 أكتوبر، بما في ذلك الاجتماعات الأولى التي عُقدت بعد بدء الهجوم الإرهابي"، كما جاء في بيان للجنة. وقد نفى أنه أصدر تعليمات للجيش باعتماد سياسة الاحتواء والحفاظ على الهدوء في غزة، وهو ما تناقضه تقارير صحفية عدة.

وقال تقرير في "واينت" إن المنطق الذي يقوم عليه هذا النوع من الوثائق كالتي قدمها نتنياهو، هو الافتراض بأن القارئ غير مطّلع على التفاصيل، وبالتالي يمكن إعادة ترتيب الوقائع التاريخية على النحو الذي يخدم الرواية المراد تسويقها، والافتراض الأخطر بأن لا أحد قادر أو مستعد للرد، لأن المعلومات الحقيقية محظورة أو مصنّفة سرّية.
ونقل الصحفيان رونين بيرغمان ويوفال روبوفيتش في التقرير عن مصدر أمني رفيع، أنن من صاغ الوثيقة راهن على سيطرة نتنياهو المطلقة على المواد الاستخبارية، وعلى خوف الآخرين من كشف الحقيقة، ما يسمح بإغراق الرأي العام بسيل من التفاصيل الكثيفة التي تُربك القارئ وتُخفي التناقضات بدل أن توضّحها. غير أن هذا الرهان، وفق التقرير، تجاهل عدة عوامل حاسمة: أولها الغضب العارم داخل أوساط حالية وسابقة في أجهزة الأمن والجيش والحكم، واستعداد عدد متزايد منهم لكشف ما يعتبرونه أكاذيب وتضليلاً متعمّدًا. ثانيها ضعف المهنية والمعرفة لدى من كتبوا رواية نتنياهو، ما أوقعهم في تناقضات داخلية وأخرى مع الوقائع المعروفة. وثالثها ما يمكن العثور عليه أحيانًا في "سلة المهملات" عقب اجتماعات رسمية حساسة، من وثائق وملاحظات تُسقط الادعاءات اللاحقة.

ويأتي التقرير بمثال من جلسة لجنة الخارجية والأمن في 13 حزيران/يونيو 2023، وهي جلسة مركزية لإحدى أهم ادعاءات نتنياهو: من الذي قال إن حماس "مردوعة"؟ ففي وثيقة المراقب، يُسأل نتنياهو إن كانت فرضية ردع حماس ورغبتها في الهدوء قد أثّرت على التعامل مع حماية الحدود. نتنياهو يردّ نافيًا بشدة أن تكون تلك "توجيهًا" منه، مدّعيًا أنها كانت تقديرًا استخباريًا موحّدًا تبنّته جميع أجهزة الاستخبارات. بمعنى آخر، يلقي بالمسؤولية على المؤسسة الأمنية، ويصوّر نفسه كمن سار أعمى خلف توصياتها.

ويقول الصحفيان إن هذا النفي لا يصمد أمام الوثائق. فنتنياهو، الساعي إلى نسب الفضل لنفسه في كل إنجاز، كان في الواقع أحد صُنّاع "مفهوم الردع" نفسه. والدليل الأبرز على ذلك ورقة بخط يده، عُثر عليها في سلة المهملات بعد جلسة اللجنة المذكورة. تحت عنوان واضح: "التوجيه"، كتب نتنياهو عبارة لا تحتمل التأويل: "غزة – استقرار من خلال القوة". كما شدد على كلمة "الردع"، مبررًا ذلك بأن حماس لم تطلق صاروخًا واحدًا منذ أيار/مايو 2021، ولم تحدث تظاهرات على السياج. هكذا تحوّل توصيف سياسي إلى مهمة عملياتية، وطُلب من المستويات المهنية الحفاظ على "هدوء إحصائي" يخدم صورة رئيس الحكومة.

كذلك، ففي اجتماع لكتلة الليكود في 15 أيار العام نفسه، قدّم نتنياهو الردع كحقيقة منتهية: حماس لم تطلق صواريخ منذ 2021 لأنها مردوعة، وقدراتها دُمّرت. هذا الخطاب، بحسب كبار مسؤولي الأمن، لم يكن توصيفًا استخباريًا بل فرضًا سياسيًا للواقع.

وينقل التقرير انتقادات حادة من مسؤولين أمنيين بارزين يتهمون نتنياهو باستغلال سيطرته على مواد استخبارية بشكل "عدواني، كاذب ومخالف للقانون"، عبر نشر مقتطفات انتقائية ومشوّهة. ويرى هؤلاء أن نشر الوثيقة غير قانوني ولا أخلاقي، إذ لا يملك رئيس الحكومة صلاحية نشر مواد مصنفة أو مقتطفات من أسئلة وأجوبة مراقب الدولة، التي يحظر القانون نشرها أصلًا. ومع ذلك، يتعامل نتنياهو – بحسب النص – وكأنه فوق القانون.

ويدحض التقرير في "واينت" ادعاء نتنياهو بأنه دفع باستمرار نحو اغتيالات وإجراءات حازمة واصطدم بمعارضة الأجهزة. ويقول إن العكس هو الصحيح: في تموز وآب 2023، رفض اقتراحات الشاباك بتنفيذ ضربات واغتيالات ضد بنى حماس، بحجة أن أي عملية قد تؤدي إلى جولة قتال.

أما المحلل العسكري في "هآرتس" عاموس هرئيل فقد رأى أن ما فعله نتنياهو مؤخرًا عبر نشر "روايته" لمراقب الدولة ليس خطوة استثنائية، بل تكرار لأسلوب قديم استخدمه سابقًا، تحديدًا عام 2016 قبيل صدور تقرير قاسٍ عن إخفاق "أنفاق حماس". آنذاك، عقد لقاءات مطوّلة مع صحفيين ضمن ما سُمّي "إحاطات خلفية"، عرض خلالها اقتباسات انتقائية من نقاشات أمنية بهدف إقناع الإعلام بأن المسؤولية تقع على المؤسسة الأمنية وحدها. غير أن مراقب الدولة حينها لم يتبنَّ الرواية، وأصدر تقريرًا حمّل نتنياهو جزءًا من المسؤولية.

ويشير التحليل إلى أن الانتخابات المقبلة "لن تدور فقط حول المستقبل، بل حول أسباب ومسؤوليات المأساة التي خلّفها هجوم 7 أكتوبر، وأن تفسيرات نتنياهو لا تقنع شريحة واسعة من الجمهور". ويتابع أنه رغم وجود مسؤولية كبيرة على عاتق قادة الجيش والاستخبارات، خصوصًا في الساعات التي سبقت الهجوم، فإن رئيس الحكومة "لا يستطيع التنصل من مسؤوليته الشاملة، إذ وقعت المجازر وعمليات الخطف والتعذيب والاعتداءات خلال ولايته، بينما تخلو وثيقته من أي اعتراف بذلك".

كما رفض حجة أن نتنياهو لم يُوقظ في الوقت المناسب ليلة الهجوم، مؤكدًا أن الإخفاق لم يبدأ في فجر ذلك اليوم بل سبقته سنوات من التقليل من خطر حماس وسياسة "الاحتواء" التي هدفت إلى تجنب مواجهة عسكرية واسعة. صحيح أن حكومات أخرى شاركت في هذه السياسة، لكن نتنياهو كان صاحب القرار الرئيسي طوال معظم الفترة منذ 2009. وتساءل: إذا كان رئيس الحكومة قد أصدر بالفعل تعليمات متكررة، فلماذا لم يتابع تنفيذها أو يتحقق من تطبيقها فعليًا؟

واختتم بأن نشر الوثيقة ليس تصرفًا عفويًا بل جزء من استراتيجية سياسية تهدف إلى عرقلة أو تأخير تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، في ظل دعم شعبي واسع لها. الوثيقة، من وجهة نظر الكاتب، لا تسعى لتوضيح الحقيقة بل لخلق انطباع بوجود نقاش عام كافٍ، ما يضعف المطالبة بتحقيق مستقل مع اقتراب الانتخابات. لكن الواقع هو أن وثيقة نتنياهو تتجنب قضايا جوهرية أخرى: دعمه نقل أموال قطر إلى حماس، علاقات مساعديه مع جهات قطرية، سياسة الفصل بين الضفة وغزة التي اعتُبرت داعمة لبقاء حماس، تجاهله تحذيرات أمنية من تصعيد وشيك، وسياساته الداخلية المثيرة للانقسام التي أثرت على الجاهزية العسكرية. كل هذه الأسئلة، وفق التحليل، لا يمكن حسمها عبر اقتباسات انتقائية أو رواية أحادية، بل تتطلب تحقيقًا رسميًا شاملًا ومستقلًا، يراجع المسؤوليات من 2009 حتى يوم الهجوم، بدل وثيقة سياسية خالية تقريبًا من أي اعتراف شخصي بالمسؤولية.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

الاحتلال يعتقل أكثر من 40 عاملًا فلسطينيًا في القدس الشرقية المحتلة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

الالاف يتظاهرون في ملبورن احتجاجًا على زيارة هرتسوغ

featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

الوكالة الوطنية للإعلام: ثلاثة شهداء بينهم طفل جراء عدوان الاحتلال على لبنان

featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

مسؤولون أمنيون يهاجمون "وثيقة نتنياهو": استغلال "عدواني، كاذب ومخالف للقانون" لسيطرته على مواد استخبارية

featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

ضحيتان وجرحى في عدة حوادث طرق منذ يوم أمس

featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

قوة إسرائيلية تتسلل وتخطف مسؤولا في الجماعة الإسلامية اللبنانية

featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

طقس الاثنين: انخفاض ملموس على درجات الحرارة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·9 شباط/فبراير

الأردن يرفض المخطط الاستيطاني: لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة