اتفق نهاية الأسبوع عدد من المحللين الإسرائيليين في 3 صحف مختلفة التوجهات على حصول تباعد مستمر بين نتنياهو وترامب ينعكس على مكانة إسرائيل ليس على مسار العلاقة المتبادلة، بل في الخارطة المتشكلة للشرق الأوسط.
وكتب المحلل العسكري ألون بن دافيد في "معاريف": "يتلقى رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي يشحب وجهه من يوم إلى يوم مثل هوامش الطريق إلى القدس، الأسبوع الماضي، ضربة إثر ضربة من واشنطن" واصفًا إياه كـ "معزول أكثر من أي وقت مضى". ويرى أن "نتنياهو اعتُبر خاسراً من قبل الرئيس الأميركي المحب للناجحين. حيث يتخذ دونالد ترامب سياسة أميركية مستقلة في الشرق الأوسط، وليس فقط لا يوجد لإسرائيل مكان على طاولة أصحاب القرار، بل إنها لا تطّلع على ما يحدث. يعرف نتنياهو بالسياسة الأميركية من التلفاز. لقد هجرنا ترامب أمام الحوثيين، ويدير مفاوضات مستقلة مع إيران في الطريق إلى اتفاق نووي ليس لنا أي فكرة ماذا يتضمن وإذا كان جيداً لنا، وقريباً سيعلن صفقة سلاح مع السعودية، تفاصيلها أيضاً لا نعرفها".
وتابع: "في موضوع غزة أيضاً، هو الذي سيقرر إذا كنا نسير إلى صفقة أم إلى مواصلة الحرب. لكن إذا كان ثمة أحد يمكنه أن ينقذنا من الغرق في حرب لا نهاية لها وعديمة الجدوى في غزة، فهذا بالضبط هو الرئيس الأميركي. صحيح أنه ضحل، ولا يملك رؤية استراتيجية، لكن الخطوط الأساس لسياسته في الأشهر الأربعة في المنصب يمكن أن نجملها بكلمات: "أنا أقول شيئاً ما ولنرَ ما سيحصل". لكن في هذه الأثناء لم يحصل معه أي شيء جيد. كل الوعود، المقدمات، والتهديدات تبين أنها كلمات فارغة: لا "بوابات الجحيم" في غزة ولا الريفييرا أيضاً. لا اتفاق بين أوكرانيا وروسيا. لا هجوم في إيران بسبب النار من اليمن. وحتى درة التاج لديه – سياسة الجمارك – اضطر ليدخلها إلى الثلاجة. يأتي، الأسبوع القادم، إلى الشرق الأوسط عطشاً لإنجاز مدوٍّ. حتى رجل تسويق كفؤ مثله يعرف انه سيكون من الصعب جداً عرض صفقة سلاح في الخليج كإنجاز أسطوري لسياسته الخارجية. هو يريد أكثر، وهذه الحماسة لتحقيق إنجاز بكل ثمن وأساسا عندما تكون متداخلة مع انعدام الاهتمام بالتفاصيل، تنطوي على خطر على إسرائيل".
وفقًا للمحلل: "لقد استعد الإيرانيون لرئيس متصلب لكنهم اليوم يشخصون بأن ترامب يهتم اكثر بالإعلان واقل بالجوهر. يدير مبعوثه، ويتكوف، المفاوضات أمام وزير الخارجية الإيراني، ويحتمل أن تكون هذه تهتم بعموم الأمور وليس بتفصيلها. غير أن طبيعة الاتفاق ستكون مغروسة بالتفاصيل في كل غرام من المادة المشعة، وفي كل جهاز طرد مركزي، وبالسرعة التي يدور فيها. ويترك الأميركيون التفاصيل لرئيس الوكالة الدولة للطاقة الذرية، الجسم الذي سبق أن اثبت عجزه في إنفاذ اتفاقات الرقابة. نتنياهو، الذي لا يتكبد حتى الأميركيون عناء اطلاعه على تفاصيل المفاوضات، يمكنه فقط أن يصلي لتنهار المفاوضات، ويتمكن من تنفيذ أمنية حياته، ويأمر بهجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية. تحوم هذه الإمكانية في الهواء، بكل معنى الكلمة، وكلنا نسمع كل يوم وتيرة التدريبات المتسارعة لسلاح الجو. غير أن هجوماً عسكرياً، لا يكون مسنوداً بغلاف سياسي يضمن بعده نظام رقابة، لن يسلب إيران المعرفة النووية التي جمعتها حتى الآن، وبالتأكيد لن يخصي التطلعات الإيرانية لقدرات نووية. بالمقابل، يعرف نتنياهو أنه قد يجد نفسه أمام حقيقة ناجزة لاتفاق نووي سيئ مثل سابقه أو حتى أسوأ منه. في مثل هذه الحالة سيكون صعباً جداً عليه أن يخرج علناً ضد ترامب، الرئيس الذي ليس له أي كوابح، بل يتمتع بإهانة زعماء لا يروقون له. سيكون مطلوباً من نتنياهو كل كفاءات التباكي التي لا تزال متبقية له كي يشرح لماذا هذه المرة لن يقاتل ضد الاتفاق".
خارطة جديدة إسرائيل فيها على مدرّج المتفرّجين
أما المحلل السياسي الذي يكتب في قضايا الشرق الأوسط تسفي برئيل فقد رأى أن هناك "ملامح خارطة ترامب الجيوسياسية في الشرق الأوسط: إسرائيل في مدرّج المتفرّجين"، مفسرًا "في آذار الماضي، بعد فترة قصيرة على بدء ترامب هجومه الكثيف على قواعد الحوثيين في اليمن، أعلن الرئيس الأميركي أن "الحوثيين يتشوقون جداً لصنع السلام، وأنه تم ضربهم بشدة وهم يريدون وقف الهجمات". وتابع أته "حسب أحد التقديرات فإن السعودية هي التي ضغطت على ترامب لتمهيد الأجواء قبل زيارته المملكة، الأسبوع القادم. تقول تحليلات أخرى إن إيران "أوصت" الحوثيين بالموافقة على وقف إطلاق النار كبادرة حسن نية للدفع قدماً بالمفاوضات حول القضية النووية".
وقال برئيل: "من خلال هذه الأحداث كان يجب أن تعلم إسرائيل الدرس المطلوب لفهم الطريقة التي يدير فيها ترامب السياسة الخارجية، ويمكنه أن يوفر عليها المفاجأة والإحراج الذي لحق بها من اتفاق وقف إطلاق النار مع الحوثيين، والذي وقع من وراء ظهرها. يقول أحد أسس هذه السياسة إن ترامب لا ينوي أن يخوض حروب الآخرين، سواء أكانت السعودية، حليفة الولايات المتحدة منذ سبعة عقود تقريبا، أم أوكرانيا، التي تحارب على حياتها أمام العدو التاريخي للولايات المتحدة، وكما يبدو إسرائيل أيضاً. الأساس الثاني أصبح معروفاً جيداً، وهو يقول إن ترامب يفضل الصفقات على المواجهات العنيفة".
وفي حيت يقرأ أن "الاتفاق مع الحوثيين والتقارب العلني من النظام السوري وتعزز التحالف مع تركيا، وهي الخطوات التي تم دفع إسرائيل فيها إلى مدرج المتفرجين، تشير إلى ملامح الخارطة الجيوسياسية التي يطمح ترامب إلى رسمها"، رأى أن "ثمة مصير مشابه ينتظر قطاع غزة، وهو منطقة حرب تمتلكها اسرائيل بشكل كامل، لعبت فيها الولايات المتحدة حتى الآن فقط دور الركيزة العسكرية والسياسية، وكوسيط رئيس في صفقة المخطوفين، والآن يمكن أن تنتقل إلى إدارة أميركية. فبالصورة التي تدير فيها إسرائيل الحرب، تجويع سكان القطاع في الطريق إلى الاحتلال الكامل له، فقد حولت إسرائيل غزة إلى تهديد إقليمي، تداعياته بالنسبة للولايات المتحدة أوسع بكثير من بؤر الاشتعال المحلية، مثل الاشتباك مع الحوثيين وصراع السيطرة في سورية وتدمير "حماس" و"حزب الله". عندما تحذر جهة أميركية رفيعة من أنه إذا لم تستيقظ إسرائيل فإن الولايات المتحدة من شأنها أن تدفع قدماً بصفقة مع السعودية دونها، وهذا استمرار مباشر لسياسة سبق أن بدأ تطبيقها، بحسبها لن يسمح ترامب لإسرائيل بتخريب "صفقة القرن" الاقتصادية الخاصة به مع المملكة، التي تشمل، ضمن أمور أخرى، شراء عسكرياً بمبلغ 100 مليار دولار واستثمارات سعودية بمبلغ تريليون دولار تقريبا في الولايات المتحدة".
واختتم: "ترامب، الذي استوعب بالفعل استحالة مشروع ريفييرا غزة ونقل مليون غزي، عاد إلى لوحة الرسم، ويبدو أنه لن يكتفي بعملية أميركية فقط بتعاون عربي لتوزيع المساعدات الإنسانية في غزة. ورغم غضب ائتلاف نتنياهو إلا أن من شأنه أيضا أن يرسم هيكلية اليوم التالي، التي ستعتمد على اقتراح مصر. هكذا، مثلما فعل مع الحوثيين وإيران وسورية، فإن ترامب قد يحول غزة إلى حربه الخاصة، التي فيها سيملي شروطه ويتوقع الطاعة. ولا يستطيع أن يترك شق طريقه إلى جائزة نوبل لمقاول، حتى لو كان اسمه إسرائيل".
امتعاض ترامب يدفع إسرائيل نحو الهامش
من جهته، تساءل أبراهام بن-تسفي في "يسرائيل هيوم" اليمينية: "هل بدأت العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تفقد خصوصيتها؟" وقل: "من الغريب أن الرئيس الأميركي، الذي اعتاد تمرير الرسائل بشكل مباشر وحاد، ومن دون أيّ كوابح، اختار استعمال الطريقة الأكثر ذكاءً لتمرير الرسائل غير المباشرة للحليف الإسرائيلي، ومن ضمن ذلك أدوات غير مكتوبة، وفضّل اتخاذ الخطوات (أو الامتناع من اتخاذها)، بدلاً من التصريحات الواضحة والمباشرة. على سبيل المثال، هذا ما حدث عندما تفاجأ نتنياهو، بسماع خبر إطلاق الحوار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران كحقيقة، ومن دون أن يعرف شيئاً عن هذا المسار الذي جرى من خلف ظهره، والذي يشكل أولوية قصوى بالنسبة إلى إسرائيل (...) وعلى النهج نفسه، أغلق البيت الأبيض أيضاً قناة التواصل المباشرة ما بين المسؤولين الإسرائيليين الكبار وستيف ويتكوف، مدير الأزمات الأساسي في الإدارة الأميركية، بشأن القضايا التي تخص الشروط المسبقة بالاتفاق الأميركي - الإيراني في الموضوع النووي. وبذلك، استمرت الحالة الضبابية تلفّ جولات المفاوضات التي لا تزال جارية بين ممثلين للإدارة والمسؤولين الكبار في نظام آيات الله في إيران".
وتابع الكاتب "انعكس نمط التعامل هذا، أيضاً، في الخطوة الأحادية الجانب وغير المنسّقة التي انعكست في تصريحات الرئيس الـ47 بشأن الوضع الإنساني الصعب في قطاع غزة"، موضحًا "أن العامل المشترك الذي يربط بين هذه الخطوات كلها هو الشعور بخيبة الأمل العميقة جرّاء سلوك إسرائيل في سياق الحرب في غزة. فمن المعروف أن الرئيس [دونالد ترامب] كان ولا يزال يدعم فكرة الحرب القصيرة التي تهدف إلى الحسم السريع أمام العدو. وفي نظره، يجب أن تكون ساحة الحرب منصّة لإطلاق مسار دبلوماسي، وليست هدفاً بحد ذاتها. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار القتال في غزة من دون حسم سريع وواضح (إلى جانب امتناع إسرائيل عن صوغ مسار سياسي لليوم التالي) يُحبط ترامب الذي كان يأمل بالوصول إلى حسم سريع وقاتل أمام "حماس"، وإلى اتفاق وقف إطلاق نار".
ورأى المحلل أن "التعبير الأفضل عن هذا الامتعاض هو دفع إسرائيل نحو الهامش، والجهود الأميركية إلى التقدّم في مسارات التفافية على القدس، والطموح إلى تحسين مكانة الولايات المتحدة في الإقليم، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على مسافة معينة من إسرائيل، حتى لو كان الثمن تأجيل توسيع اتفاقيات أبراهام في نموذجها الأصلي. إن زيارة ترامب القريبة للمنطقة والقمة التي سيعقدها مع قيادات الدول الخليجية ستساعدان على فهم الصورة، وما إذا هناك شرق أوسط جديد في قيد البلورة أمامنا، ولن تكون إسرائيل شريكاً رسمياً فيه".





