-الاستنتاج بأن مروان لم يكن عميلاً مزدوجًا استند إلى قناعة إسرائيلية بأن المصريين "ليسوا أذكياء بما يكفي" لتنفيذ عملية تضليل بهذا الحجم
نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في ملحقها الأسبوعي، تحقيقًا موسعًا يكشف أن أشرف مروان، صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، لم يكن جاسوسًا إسرائيليا اعتبرته إسرائيل "الجاسوس الأسطوري"، بل كان عميلاَ مزدوجًا ولاؤه لمصر وكان رأس الحربة في خطة خداع مصرية محكمة عشية حرب أكتوبر.
وقالت الصحيفة إن "مواد استخباراتية لم يُكشف عنها من قبل"، كشفت أن مروان كان اللاعب الرئيسي في الخطة المصرية التي استهدفت تضليل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر 1973 وأثناءها.
حمل مروان في إسرائيل لقب "الملاك" وتنظر إليه حتى اليوم على أنه أبرز مصادرها البشرية، إذ بدأ منذ عام 1970 تمرير كميات ضخمة من الوثائق والمعلومات السرية عن مصر. وقد ارتبط اسمه بالتحذير الشهير الذي نقله لرئيس "الموساد" تسفي زامير عشية الحرب.
وفي حين رفضت إسرائيل مراراً فرضيات سابقة بأنه كان عميلاً مزدوجاً، فإن المعطيات الجديدة التي كُشف عنها في التحقيق أعادت طرح هذه الفرضية بقوة.
ويورد التحقيق أن مروان شارك أواخر أغسطس (آب) 1973 في اجتماعات رفيعة المستوى بين الرئيسين المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد، جرى خلالها الاتفاق على خطة الحرب وتحديد موعد الهجوم في السادس من أكتوبر. لكن بدلاً من نقل هذه المعلومة الفاصلة إلى مشغليه في "الموساد"، قدّم مروان سلسلة من الإنذارات المضللة حول مواعيد مختلفة، ترافقها تقديرات بأن الحرب "لن تندلع على الأرجح".
أما التحذير الذي بعث به عشية الهجوم فكان "غامضاً ومتأخراً"، على حد وصف التحقيق.
وأضافت الصحيفة أن هذه التفاصيل، إلى جانب معطيات أخرى غير مسبوقة، دفعت الجنرال شلومو غازيت، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، إلى القول في شهادة لم يُسمح بنشرها إلا بعد وفاته: "لقد زُرع مروان في العمق داخل الاستخبارات الإسرائيلية، واستدرج رئيس الموساد زامير كالأبله، وتلاعب به كما أراد. كان الترس المركزي في خطة الخداع المصرية".
في المقابل، رفض "الموساد" ما جاء في التحقيق، واصفاً ما ورد فيه بأنه "مزاعم لا أساس لها وتشويه للواقع التاريخي".
وفي تفاصيل التقرير الذي كتبه رونين برغمان ويوفال روبوفيتش، جاء:
في 3 تشرين الأول/أكتوبر 1973، استدعى أنور السادات رئيس أركان الجيش المصري سعد الدين الشاذلي وفريقًا من مساعديه المقرّبين، بينهم مدير مكتبه النافذ، أشرف مروان. ووفقًا للكاتب البارز محمد حسنين هيكل، كان الرئيس المصري قلقًا. ليس لأنه رأى شيئًا، أو سمع شيئًا، أو وصلته معلومة استخباراتية، بل على العكس تمامًا. خشي أن تكون خطة التضليل الكبرى – التي سيصفها لاحقًا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي المعيَّن بعد حرب أكتوبر، اللواء شلومو غازيت، بأنها "أكبر عملية خداع في التاريخ" – تسير على نحو سلس أكثر مما ينبغي. خطة يقوم فيها السادات بحشد مئات آلاف الجنود على خط القناة، بينما تظل إسرائيل ساكنة نتيجة ثقتها المطلقة بما تعتبره "تفوقًا استخباراتيًا".
قال الشاذلي مطمئنًا: "إنهم ما زالوا لا يعرفون". لكن السادات لم يقتنع. تساءل: "هل ما زالوا نائمين؟ أم أنهم يختبئون بين سنابل الذرة مترقبين للعدو؟". كان يخشى أن يكون الصمت الإسرائيلي خادعًا، وأنها على علم وتعد فخًا للجيش المصري.
وللتأكد مما إذا كانت إسرائيل "نائمة" حقًا أم تمارس خداعًا مضادًا، اتصل مروان في مساء اليوم التالي بمشغله في "الموساد"، الملقب "دوبي"، وأبلغه بالشيفرة العامة للحرب. لم يكن ذلك رمزًا لإعلان حرب وشيكة، بل مجرد إشارة على أن شيئًا ما سيحدث في المستقبل، وبالتالي "لا داعي للذعر". كما طلب لقاء رئيس الموساد في لندن في اليوم التالي. الافتراض كان أنه إذا غادر رئيس الموساد إسرائيل مساء الجمعة، فذلك مؤشر شبه مؤكد على أن إسرائيل لا تتوقع اندلاع الحرب في اليوم التالي، وإلا لما كان غادر.
وصل تيسفي زامير، رئيس الموساد، وبدأ اللقاء بأسئلة لا صلة لها بالموضوع. وفي النهاية كان مروان هو من قال له إنهم اجتمعوا للحديث عن الحرب. وأضاف: "إما أنكم تعرفون كل شيء وتستعدون لتدمير الجيش المصري، أو أنكم لا تدركون مدى خطورة التهديد". لكن زامير ظل متشككًا: لماذا يغامر السادات أصلًا بالخوض في حرب؟. حينها كان في وسع مروان أن يبلغ رئيسه في القاهرة: الإسرائيليون فعلًا لا يعلمون شيئًا.
في منتصف عام 1974، وصل إلى مسؤولين كبار في الموساد تقرير استخباراتي مقلق يشكك في مصداقية مروان. اللواء غازيت، رئيس شعبة الاستخبارات الجديد، أمر بمراجعة كل مسار تجنيد مروان وتشغيله. وعندما سمع الموساد أن غازيت أنشأ لجنة تحقيق، قرر بدوره تشكيل لجنة خاصة به. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1974 خلصت اللجنة إلى أن شكوك غازيت لا أساس لها. السبب: "من غير المعقول أن تكون مبادرة ’الملاك‘ – الاسم الكودي لمروان – للتعاون مع إسرائيل جزءًا من عملية خداع مصرية مخططة، نظرًا لمحدودية قدرات المصريين في هذا المجال، وللتعقيد البالغ الذي تتطلبه عملية تضليل بهذا المستوى، وصعوبة الحفاظ عليها زمنًا طويلًا".
بكلمات أخرى، استند الاستنتاج إلى قناعة مفادها أن المصريين "ليسوا أذكياء بما يكفي" لتنفيذ عملية تضليل بهذا الحجم.
وإذا كان هذا الادعاء قد كُتب في السبعينيات، فإن المدهش أن "الموساد" نفسه أصدر في أيلول/سبتمبر 2023، في الذكرى الخمسين للحرب، كتابًا رسميًا وأقام حفلًا خاصًا ليحتفي بما يعتبره "نجاحًا كبيرًا" في حرب أكتوبر. جاء في الكتاب أن الجهاز أجرى على مر السنين مراجعات عدّة "وهذه نفت تمامًا إمكانية أن يكون ’الملاك‘ قد زُرع عمدًا أو كان ’عميلًا مزدوجًا‘ بغرض خداع إسرائيل". وعلى أي أساس؟ على النظرية ذاتها القائلة بضعف قدرات العرب في مجال الخداع.
قال رئيس الموساد دافيد برنياع في حفل تدشين الكتاب: "الملاك كان عميلًا استراتيجيًا. كل من يدّعي غير ذلك، فهو على الأرجح يسعى وراء الشهرة أو ببساطة لا يفهم الصورة الاستخباراتية ولا يعرف شيئًا عن عالم العملاء". وبعبارة أخرى: من يفكر خلافًا لرواية الجهاز، فإن الاستنتاج الوحيد أنه جاهل، أو لا يفهم في الاستخبارات، أو يفتقر إلى خبرة تشغيل العملاء، أو تحركه دوافع غريبة.
بعد أسبوعين من ذلك الحفل، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت مقالا بقلم اللواء أهارون زئيفي فركاش، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، حول "الاختلاق التاريخي وفضيحة التضليل التي جرى التستر عليها". اختتم فركاش مقاله بتحذير لافت: "فقط إذا بحثنا في إخفاقاتنا يمكننا أن نستخلص العِبر. وإلا فسوف نتفاجأ مرة أخرى ونُؤخذ على حين غرّة ونحن غير مستعدين".
ويضيف كاتبا التحقيق: في اليوم التالي ليوم نشر هذا المقال بالضبط، جاء هجوم ٧ اكتوبر ٢٠٢٣.




.jpeg)
.jpg)
