كتب عاموس هرئيل المحلل العسكري لصحيفة هآرتس، في تحليل لافادة رئيس الشاباك رونين بار التي قدمها للمحكمة العليا، بوصفها "وثيقة غير مسبوقة ومثيرة للقلق"، يتهم فيها بار، عمليًا، رئيسَ الحكومة نتنياهو بمحاولة تفكيك الضوابط المؤسسية للديمقراطية الإسرائيلية وتحويل أجهزة الأمن إلى أدوات خاضعة بالكامل لإرادته السياسية. ووفق هرئيل، يكشف بار، في إفادته، عن سلسلة من الضغوط التي مارسها نتنياهو عليه – من طلبات بملاحقة خصوم سياسيين وممولي الاحتجاجات، إلى مطالبته بتجاهل أوامر المحكمة في حال وقوع أزمة دستورية والانصياع لتوجيهات نتنياهو نفسه، بل وحتى تبرير تغيّبه عن محاكمته الجنائية.ووفق هرئيل، تمثّل الإفادة وثيقة نادرة تُعرّي سعي نتنياهو لتحويل الشاباك إلى ذراع سياسية شخصية، وتُسلّط الضوء على معركة خفية تدور في صلب الدولة العميقة الإسرائيلية، بين الولاء للمؤسسة وبين الولاء لشخص الحاكم.
وكتب هرئيل: "قدّم رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، رونين بار، إفادة خطية غير مسبوقة إلى المحكمة العليا، كشف فيها أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يسعى لتحويل أجهزة الاستخبارات في إسرائيل إلى جهاز يشبه شرطة سرية، على غرار "شتازي" الألماني الشرقي أو "سيكوريتات" الروماني. ويأمل نتنياهو، بحسب ما ورد في الإفادة، أن يصبح هذا الجهاز خاضعًا له بشكل كامل، يخدم مصالحه السياسية، يلاحق قادة الحراك الاحتجاجي ضده، ويأتمر بأوامره في حال وقوع أزمة دستورية أو صدام مباشر مع المحكمة العليا".
وتابع: "هذه الخلاصة المثيرة تنبع من الإفادة التي قدّمها بار اليوم (الإثنين)، والتي نُشر الجزء العلني منها، في حين بقي الجزء السري – الذي يبلغ حجمه نحو أربعة أضعاف – طي الكتمان، ويشمل تفاصيل موسعة عن حالات ومطالب إضافية. تعود جذور السلوك الموصوف إلى ما قبل سنوات. ففي عام 2016، وخلال مقابلات نتنياهو لاختيار رئيس جديد لجهاز الموساد، سأل أحد المرشحين، المعروف باسم "ن"، عمّا إذا كان مستعدًا لأن يكون مخلصًا له شخصيًا، بحسب تقارير إعلامية. ردّ المرشح بأنه سيكون مخلصًا للدولة – وعلى ما يبدو، خسر بذلك فرصته في نيل المنصب، الذي ذهب في نهاية المطاف إلى يوسي كوهين. أما الصورة التي تبرز عن نتنياهو في إفادة بار لعامي 2024–2025 فهي أكثر حدة وتخويفًا، وتُظهره كشخصية لا تقيم وزنًا لضوابط أو توازنات مؤسسية".
وكتب: "يشير بار إلى اجتماعات مع رئيس الحكومة طلب فيها نتنياهو من السكرتير العسكري وكاتبة المحضر مغادرة الغرفة، ثم حاول إملاء أوامر مباشرة عليه، بينها تعقب قادة وممولي الاحتجاجات بناءً على شكوكه الخاصة. كما طلب من بار توقيع وثيقة أعدتها مكتبه تتيح له التغيّب عن جلسات محاكمته الجنائية خلال فترة الحرب لأسباب أمنية. الأخطر من ذلك، أن نتنياهو – وفقًا لبار – طالبه صراحةً بأنه في حال اندلاع أزمة دستورية، عليه الامتثال لأوامره هو فقط، لا لأوامر المحكمة العليا".
وأضاف: "هذه الاتهامات خطيرة إلى أبعد حد. ومن الطبيعي التساؤل: هل تلقّى قادة الأجهزة الأمنية الأخرى – رئيس الأركان، رئيس الموساد، والقائد العام للشرطة – مطالب مماثلة من نتنياهو؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف كانت ردودهم؟ كما يجدر التحقيق في ما إذا كانت الشرطة، التي فقدت منذ وقت طويل عمودها الفقري المؤسسي، قد وافقت على تنفيذ مهام رفض الشاباك القيام بها".
وتابع: "قراءة الإفادة التي قدّمها بار ليست بالأمر السهل، بل قد تكون صادمة حتى في ظل أكثر من عام ونصف من الحرب، وتسعة أشهر سبقتها من محاولة انقلاب قضائي. تتمثل أهمية الوثيقة في أنها تقدم ردودًا مفصلة على الكثير من الادعاءات التي يروّج لها معسكر نتنياهو منذ مجزرة 7 أكتوبر، في محاولة لإبعاد المسؤولية الكارثية عن رئيس الحكومة وإلقائها على غيره".
وكتب: "يعترف بار بأخطاء وقعت في معالجة الإنذارات المسبقة بشأن هجوم حماس، ويعلن نيته الاتفاق قريبًا على موعد لمغادرة منصبه. لكنه يرفض بشكل قاطع محاولة نتنياهو ترويج رواية تزعم بأن معلومات حول الهجوم تم إخفاؤها عنه عمدًا. وتُظهر الوثيقة أن الشاباك كان نشطًا في تحليل الإنذارات قبل وقوع الهجوم، لكنه – كحال الجيش – أخطأ في تقدير نوايا العدو. ويؤكد بار أنه أوعز قبل نحو ساعة وربع من المجزرة بإبلاغ السكرتارية العسكرية في مكتب رئيس الحكومة بالتحذيرات. إلا أن المعلومة لم تصل إلى نتنياهو إلا بعد بدء الهجوم الساعة 6:29 صباحًا – وحتى لو كانت قد وصلت، من المشكوك فيه أنه كان سيتخذ إجراءً فعّالًا".
ويضيف: "ويؤكد بار أن نتنياهو لم يتحرك لإقالته إلا في نوفمبر الماضي، بعد خلافات بينهما حول رفض بار منحه تبريرًا للتهرب من الشهادة في المحكمة، وكذلك بسبب تحقيقات أجراها الشاباك بحق موظفين في مكتب نتنياهو، لا سيما في ما يُعرف بـ"قضية قطر". في هذا السياق، يشير بار إلى وجود شبهات خطيرة تمس الأمن القومي والعلاقات مع مصر، ويُلمّح إلى أن مستشاري نتنياهو الإعلاميين سعوا لتضخيم أزمة أمنية مع القاهرة بدفع من قطر".





.jpeg)


