كشفت صحيفة هآرتس، في تقرير، اليوم الأحد، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تقوم باستدعاء واسع النطاق لجنود احتياط مصابين نفسيًا، بعضهم معترف بهم رسميًا كمصابين باضطرابات ما بعد الصدمة، دون فحص أو متابعة، ما أدى إلى ارتفاع حاد في حالات الانتحار.
ويسرد التقرير حالة جندي احتياط شاب، كان قد أُصيب نفسيًا أثناء خدمته السابقة، وأدخل نفسه طوعًا للعلاج في مركز دعم نفسي بديل للاستشفاء. وبعد أن تم الاعتراف به من قبل وزارة الحرب كمصاب حرب، استُدعي مجددًا في آذار/ مارس الماضي للمشاركة في العمليات العسكرية بمحيط غزة.
ورغم تحذيره لقائده من تدهور حالته وطلبه التسريح، لم تُتخذ أية خطوات لحمايته أو حتى تقييمه نفسيًا. بعد ساعات فقط، انتحر الجندي في منزله باستخدام سلاحه العسكري، في مشهد يُجسد غياب الحد الأدنى من الرعاية والإنسانية داخل المؤسسة العسكرية.
بحسب التقرير، فإن الخلل لا يقتصر على إهمال فردي، بل يعود إلى فشل منهجي بين مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش ووزارة الحرب. إذ يعاني الجيش من غياب معلومات طبية محدثة حول آلاف الجنود المصابين نفسيًا والمسجلين لدى قسم التأهيل التابع للوزارة، ما يعني أن الوحدات الميدانية تستقبل جنودًا دون معرفة بحالتهم.
هذا الغياب في التنسيق يعود، حسب مصادر عسكرية، إلى "الخشية من المساس بخصوصية الجنود"، لكن في الواقع، هو نتاج نظام إداري يُغلّب الاعتبارات القتالية على حياة الأفراد.
تشير البيانات إلى 35 أن جنديًا انتحروا أثناء الخدمة منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، و10 جنود آخرين انتحروا بعد تسريحهم، جميعهم كانوا يعانون من اضطرابات نفسية، بمعنى أن الحرب الأخيرة خلّفت حتى الآن ما لا يقل عن 45 حالة انتحار مؤكدة بين الجنود، عدد كبير منهم كان يعاني من صدمات نفسية لم تُعالج أو أُهملت عمدًا.
عدة جنود احتياط ممن شملهم التقرير، تحدثوا عن رفضهم الإفصاح عن حالتهم النفسية خشية الإقصاء أو فقدان مكانة "المحارب". "أردت أن أخدم بلدي، لكن لم أعد أتحمّل. لم يسألني أحد، ولم أجرؤ على الكلام"، قال أحد الجنود الذين تم تجنيدهم رغم كونه مصنّف كمصاب ما بعد الصدمة بنسبة عجز تفوق 50%.
قادة ميدانيون أقرّوا للصحيفة بأنهم يعلمون بخطورة تجنيد المصابين نفسيًا، لكنهم "لا يملكون خيارًا آخر" في ظل نقص حاد بالقوى البشرية. وهو منطق يُلخّص فلسفة المؤسسة: التغاضي عن الألم الفردي لصالح الماكينة العسكرية.
خبراء الصحة النفسية الإسرائيليون، ومنهم البروفيسور إيئيل فروختر والبروفيسور يوسي ليفي-بلز، حذروا من أن إعادة الجنود المصابين إلى ساحة القتال قد تساهم في تعميق الإصابات وتحولها إلى اضطرابات مزمنة. كما أشاروا إلى أن توفر الأسلحة وسهولة التعرض لأحداث صادمة جديدة، في ظل غياب الدعم النفسي، يشكل "بيئة خصبة للانتحار الجماعي".
وزعمت وزارة الحرب أنها توفر الدعم النفسي لـ9 آلاف مصاب، فيما أكد الجيش أن "كل حالة تُعالج بشكل فردي"، وأن "الجنود ملزمون قانونيًا بالإبلاغ عن أي تغيّر صحي". إلا أن الواقع، كما وصفه التقرير، يكشف عن نظام يغرق في البيروقراطية، ويتهرّب من المسؤولية المؤسسية.





