أعلن الصحافي اليميني المتطرف إيريك زمور، اليوم الثلاثاء ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية المزمع إجراؤها في شهر نيسان/أبريل 2022. وفي تسجيل مصوّر نشر على يوتيوب أرفق زمور المثير للجدل خبر ترشحه بتحذيرات كثيرة من المهاجرين وتعهدات بإعادة الهيبة إلى فرنسا على الساحة الدولية، وتوجهات عنصرية يمينية.
وقال زمور: "لم يعد الوقت مناسبًا الآن لإصلاح فرنسا، بل لإنقاذها"، وقال إن الكثير من الناخبين "لم يعودوا قادرين على التعرّف على بلادهم"، في اشارة عنصرية إلى المهاجرين والمواطنين من إثنيات وثقافات مختلفة في فرنسا.
ووفق قناة "فرانس 24" فقد حقق زمور تقدّمًا في استطلاعات الرأي في الأشهر الأخيرة، رغم مؤشرات على تراجع هذا الزخم.
ويشير إعلان زمور، الذي يطلَق عليه "ترامب فرنسا"، إلى اعتقاده بأن لديه الدعم والتمويل الكافي للإطاحة بالرئيس إيمانويل ماكرون والتفوق على زعيمة اليمين المتشدد المخضرمة مارين لوبان في انتخابات نيسان/أبريل المقبل.
وعرف زمور دائمًا إثارة الجدل، وكذلك مواقفه من الجاليات المسلمة والمهاجرين بشكل عام معروفة للجمهور. لكن احتمال ترشحه وفوزه برئاسة فرنسا، أثار مخاوف كثير من العرب والمسلمين مما قد يستتبعه من تضييق للعيش على المهاجرين، وأبنائهم وعلى المجتمع الفرنسي بشكل أوسع، وها هو اليوم يعلن رسميًا ترشحه للرئاسة.
يريد منع تسمية المواليد بـ "محمد"
عُرف عن زمور منذ سنوات رفضه وانزعاجه، الذي لا يخفيه، من المظاهر الثقافية التي يتمسك بها أبناء الجاليات المسلمة في فرنسا، بدءًا بالطقوس الدينية وصولاً لأسمائهم ولغتهم.
وكانت مقابلة تلفزيونية له قبل شهرين، قد أثارت جدلاً كبيرًا في الشارع الفرنسي، والجزء الذي لقي التفاعل الأكبر من تصريحات زمور كان ذلك الذي قال فيه إنه إذا أصبح رئيسًا لفرنسا فـ "سأمنع تسمية المواليد محمد".
وتصريحه هذا كان ردًا على المحاورة التي سألته: "كيف سيطبق أفكاره إذا أصبح رئيسا لفرنسا؟"، كما سألته عما إذا كان سيطلب من المسلمين إنكار دينهم حتى يقبلهم ضمن الجمهورية الفرنسية، حيث أجاب زمور إنه "سيفعل ما فعله نابوليون بونابارت مع اليهود أثناء الثورة الفرنسية". وكان بونابارت قد أطلق حينها القانون 1803 الذي يمنع منح المولودين في فرنسا أسماء غير فرنسية؛ وظل القانون ساريًا حتى سنة 1993. ومن هنا سئل عما إذا كان سيغيّر أسماء المسلمين في فرنسا ويمنع الفرنسيين من تسمية أبنائهم "محمد" كمثال. قال زمور إنه سيفعل ذلك، وإنه يمكن للفرنسي أن يمنح ابنه اسم "محمد" كاسم ثان، لكن اسمه الأول "قطعًا يجب أن يكون فرنسيًا".
وقال زمور في رد على محاور آخر إنه "كان الأجدر بلاعب كرة القدم زين الدين زيدان أن يسمى ’جان زيدان’ بدلاً من زين الدين" إذ ولد قبل أن يسقط قانون منع الأسماء غير الفرنسية، وبالتالي فإن والديه "خرقا القانون الفرنسي كما يفعل كثيرون".
"يزاود" على مارين لوبان بالتطرف ضد المسلمين
ولطالما كان اسم مارين لوبان يقترن بالتطرف والتمييز ضد المسلمين في فرنسا، لكن زمور يعيب على لوبان قولها إنها تفرق بين الإسلام والإسلام السياسي، وأن مشكلتها ليست مع الإسلام، بل مع الإسلام السياسي، وقولها إن الإسلام كدين متوافق مع مبادئ الجمهورية الفرنسية، بينما هو لا يراه كذلك، ويعلن أن لديه مشكلة مع الإسلام ذاته بكل صوره. ويعتبر زمور أن الإسلام نقيض لمبادئ الجمهورية وخطر عليها، ويقول هذا منذ سنوات كثيرة.
وفي عام 2020، في مواجهة إعلامية بينه وبين وزير الثقافة السابق "جاك لانغ" صاحب كتاب " اللغة العربية، كنز فرنسا" ورئيس معهد العالم العربي في باريس، قال زمور إن نشر اللغة العربية في فرنسا وسيلة الإخوان المسلمين في أسلمة فرنسا، واتهم الوزير السابق والمعهد الذي يرأسه بأنه وسيلة لذلك.
وكانت الهيئة العليا للسمعي-البصري في فرنسا قررت تقليص مدة المشاركات الإعلامية لإيريك زمور، الذي ما زال يعمل كإعلامي، باعتبار أنه يمثل توجهًا سياسيًا. بينما قالت وزيرة الثقافة الفرنسية إن الهيئة رأت أن الأفكار التي يروج لها زمور يجب أن تتقلص مدة بثها في الإعلام، مع الحفاظ على حقه في التعبير عن توجهه.
يُمجّد الاحتلال الفرنسي للجزائر
أسرة زمور هاجرت من موطنها الأصلي الجزائر إلى فرنسا أواخر القرن التاسع عشر، وبعد أن مُنحوا الجنسية الفرنسية، "اندمجت الأسرة بسرعة وقبلت التخلي الجزئي عن مرجعيتها الدينية مقابل الالتزام الكامل بالقوانين العلمانية للجمهورية الفرنسية" وفق تعابير زمور.
بالنسبة لزمور، فإن الاحتلال الفرنسي للجزائر "كان نعمة من السماء على الجزائريين قبل أي شيء"، ووفق تعابيره فقد "جندت فرنسا كل ترسانتها الثقافية والتنويرية والحضارية والعسكرية لإخراج الجزائريين من حياة الفقر والتخلُّف والمرض، قبل أن تُقرِّر الانسحاب سنة 1962".
واتساقًا مع هذا الاحتفاء بالاحتلال الفرنسي للجزائر، فإن زمور يرفض جميع التهم التي تُوجَّه إلى فرنسا، مثل ارتكابها جرائم إنسانية بحق الشعب الجزائري، خاصةً، بل يَعتَبِر أن "فرنسا اتخذت قرارًا إنسانيًا خالصًا بعد رفضها إبادة الشعب الجزائري عن بكرة أبيه كما فعل مستكشفو أميركا الذين أبادوا شعبًا وحضارة بأكملها حتى يتسنى لهم إقامة حضارتهم". ويكرر في ندواته، "نحن لم نقم بأي شيء سيء في الجزائر"، نافيًا الفظائع والجرائم الموثقة التي ارتكبتها فرنسا خلال استعمارها للجزائر.
كما أن زمور يتبنى المواقف الصهيونية، ولا يعترف بوجود شعب فلسطيني، إذ قال في مقابلة تلفزيونية: "الفلسطينيون لا وجود لهم، لا كشعب، ولا كوطن" وأضاف: "هم أردنيون أو مصريون، هم مسلمون وعرب، لا جنسية لهم..لا توجد جنسية فلسطينية" وأضاف على ذلك أن الشعب الفلسطيني "هو اختراع للكي جي بي، والعملاء اليساريين الفرنسيين".
يعتقد أن الإسلام أبشع من النازية
وكان زمور قد أثار ضجة كبيرة في عام 2020، خلال "مؤتمر اليمين"، حيث ألقى كلمة أمام الحضور حذّر فيها من "الاكتساح الإسلامي لفرنسا عن طريق المهاجرين والجهاديين وتجار المخدرات الناشطين في ضواحي المدن الكبرى". وقال زمور خلال كلمته إن "الإسلام لم يكن، ولن يكون، يومًا قادرًا على التعايش مع الجمهورية الفرنسية، ببساطة لأنه نظام شمولي، لا يتمايز فيه الجانب الروحي العقائدي عن الجانب السياسي والاقتصادي، ولذلك، وعبر التاريخ لم يستطع الإسلام العيش تحت ظل أي نظام سياسي آخر، بل كان يقف كقوة متحدية في كل صدام أيديولوجي وسياسي مع الدول أو الحضارات التي تبادله العداء".
لكنّ أكثر ما أثار الغضب في خطاب زمور بخصوص الإسلام والمسلمين كان اعتباره الدين الإسلامي "أكثر لعنة على البشرية من النازية وأحد أبشع النظم السياسية التي عرفها التاريخ الحديث"، حيث قال: "في الكثير من الأحيان يغضب مني البعض لأنني أقارن الإسلام بالنازية، يعتبرون ذلك غير معقول، وأنا أتفق معهم في هذا الأمر أحيانا، نعم، من غير المعقول مقارنة النازية -رغم جرائمها الفظيعة- بالإسلام، ذلك الدين الدموي، هذا ظلم كبير للنازية والنازيين دون شك.
وعلى إثر هذا التصريح، رفعت ضد زمور عدة دعاوى قضائية من الناشطين المناهضين للعنصرية وخطاب الكراهية. وإلى جانب ذلك أعلن إيريك نولو، زميل زمور، توقُّفه عن تقديم برنامجهما المشترك بسبب عدم قبوله، وعدم موافقته، على التصريحات التي قارن فيها الإسلام بالنازية، والمسلمين بالنازيين.
ترشح زمور يلخبط حسابات الانتخابات الرئاسية الفرنسية
وقد تحول إيريك زمور إلى ظاهرة إعلامية حقيقية في فرنسا، بعد أن وجد فيه تيار واسع من اليمين الفرنسي والقطاعات المعادية للمهاجرين والعنصريين ومروجي الإسلاموفبيا، صوتًا ناطقًا باسمهم، ومعبرًا عن مشاعرهم، وحاز على التأييد والإشادة من قبل فئات واسعة من هذا الجمهور. هذا ما جعل من الصحفي المتطرف أحد أكثر الصحفيين المطلوبين في القنوات، وأحد أغنى الصحفيين والإعلاميين الفرنسيين رغم حملات المقاطعة التي شنّها عدد من الجمعيات المناهضة للعنصرية والمنظمات الإسلامية على المعلنين لمنع زمور من الظهور مجددًا، دون جدوى تُذكر. وها هو الشخص الذي كانت تعتبر الحركات المناهضة للعنصرية أن تواصل ظهوره على الاعلام يُعتبر مصيبة، يرشح نفسه اليوم ليكون رئيسًا للبلاد.
نشرت مجلة "ذي إيكونوميست"، قبل شهر، تقريرًا عن صعود إريك زمور في استطلاعات الرأي وتفوقه على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، بشكل يضعه في مركز قوي للمنافسة في انتخابات العام المقبل، وهذا حتى قبل أن يعلن ترشحه رسميًا؛ وقالت المجلة إن الكثير من الفرنسيين يتفقون، على ما يبدو، معه حول آرائه من الإسلام وألا مكان له في فرنسا، مشيرة إلى أن زمور سيكون بمثابة ترامب الفرنسي؛ وهو الذي يطلق على نفسه "ترامب الفرنسي".
وعلقت المجلة بأن هذه المزاعم كانت تبدو قبل عدة أسابيع مجرد وهم ومحاولة لترويج نفسه، لكن صعود مقدم البرامج التلفزيونية المتطرف فاجأ الأحزاب الفرنسية. وكل ما يريده زمور هو قلب الأحزاب القومية الفرنسية رأسًا على عقب والتفوق على مارين لوبان. ووضع استطلاعان للرأي زمور في المرتبة الثانية متقدمًا على لوبان وبعد الرئيس إيمانويل ماكرون. وتقترح الاستطلاعات أن ماكرون قد يفوز في الجولة الأولى وسيفوز في الثانية إلا أن زمور الذي قدم ترشيحه اليوم قد يلخبط الطموحات الرئاسية على اليمين واليسار.
في انتخابات عام 2017، حصلت لوبان على نسبة 37% أمام ماكرون، ولكنها فشلت في الفوز في منطقة واحدة خلال انتخابات هذا العام المحلية وبدأ نجمها بالأفول. ووفقًا لـ "ذي إيكونوميست"، فإن اليمينية المتطرفة لوبان، تتنافس هي وزمور على نفس القطاعات التي تشعر بالخيبة والناخبين من اليمين المتطرف، وقد يحصل المحرض الذي قدم نفسه كصورة ترامب فرنسي، على أصوات القوميين في أطراف اليمين ومن معسكر لوبان، بشكل يهدد وضعها في الجولة الثانية.




.jpg)


