تلقى صانع المحتوى الشهير، نصير ياسين، الذي يدير مدونة فيديو "ناس ديلي"، ردود فعل عنيفة وحملة مقاطعة عالمية، بسبب محاولته استغلال تقليد ثقافي في شمال الفلبين، وتحقيق أرباح عبر إهانة الموروث المحلي والسكان الأصليين.
وخلال أيام قليلة، خسرت صفحة "ناس ديلي" على فيسبوك أكثر من نصف مليون متابع والأرقام من حسابه تتناقص مع كل دقيقة، بعد حملة عالمية تفضح نفاقه وكذبه وتلفيقه للحقائق في سبيل الأرباح والشهرة.
وبدأت الإشكالية حينما قامت أكاديميته بعرض دورة تدريبية على الإنترنت عن رسم الوشم الفليبيني التقليدي واستخدمت صورًا لامرأة مُسنّة شهيرة هناك تمارس فن الوشم التقليدي لعقود طويلة، دون إذنها بعد أن وقّعت على ورقة لا تفهم محتواها. فاعترض أهل المنطقة ومن تلك اللحظة تفجّرت وسائل التواصل الاجتماعي تعرض نفاقه وكذبه وتلفيقه للحقائق في سبيل المال.
وبعد أن قامت حفيدة فنانة الوشم الشهيرة، "وانغ أود" بكتابة منشور على فيسبوك بأن جدتها لم توافق نهائيًا على تقديم دورة تدريبية عبر الإنترنت وأنها لم توقع على أي عقد مع أكاديمية "ناس ديلي" لافتتاح دورة تدريبية لتعليم الوشم الفليبيني التقليدي كما أعلن هو، انطلقت حملة ضده.
لكن الموضوع لم ينته هناك، فهذه الحملة، حفزت شابة ناشطة أخرى من الفليبين، لتكتب عن تجربتها المسيئة مع نصير ياسين في عام 2019. وهي ناشطة في المجتمع المدني لديها مشروع لمساعدة المزارعين في قريتها، عبر توفير حبوب الكاكاو لتحقيق الربح على المدى البعيد والقريب للمزارعين المحليين. وحينما جاء "نصير ياسين" لتوثيق تجربتها وتجربة المزارعين عبر فيديوهاته القصيرة التي ينشرها على صفحته، صُدمت بتعامل ياسين الاستغلالي والمسيء والمهين والعنصري، وقيامه بالسخرية من لهجتها وطعامها وبذات الوقت حقق ربح ومشاهدات ومتابعين باستغلال ثقافتها. وكتبت عن ذلك في منشور على فيسبوك باللغة الإنجليزية، وحاز على انتشار واسع حول العالم وعزز حملة مقاطعة صفحة "ناس ديلي".
وكتبت الناشطة الفليبينية على صفحتها في فيسبوك، تروي تجربتها هذه مع نصير ياسين: "لقد التزمت الصمت لمدة عامين ولكن في ضوء الأخبار الأخيرة، فقد حان الوقت لكسر هذا الصمت. في عام 2019 ، جاء ناس ديلي إلى بلدتي لتغطية قصتي مع مشروع الكاكاو، في ذلك الوقت، كنت معجبة كبيرة، وكنت أشاهد مقاطعه مع والدي يوميًا. في ذلك الوقت، كنت أكسب من بعض المقابلات مع الصحافة وأبني على الفرص بفضل اعتراف برنامج الأمم المتحدة للبيئة بالعمل الذي أقوم به في مسقط رأسي من أجل المزارعين في قريتي. لقد رحّبت به عائلتي وببعض صناع المحتوى الآخرين كضيوف أعزاء، وبما يليق بهم من كرم الضيافة المعروف عنا. ومع ذلك، وبعد وقت وقت قصير جدًا، شعرت بخيبة أمل عندما علمت أن الرجل الذي كنت أتطلع إليه بشغف لسنوات، لم يكن حامل الأخبار الطيبة واعتاد على تضليل متابعيه بصفته المزعومة تلك".
وأضافت: "لقد شاهدته وهو يقلّد اللهجة واللغة المحلية ويسخر منهما، وينطق بعبارات من لغة التاغالو (اللغة الأولى في الفليبين) ويقول أنها تبدو لغة غبية حين تُنطق. وقد راح يكرر كثيرًا أن سكان مدينتي ’فقراء’. ’المزارعون فقراء جدًا!’. ’لماذا الفليبينيون فقراء جدًا؟’".
وتابعت: "قال إنه لا أحد يريد أن يسمع عن المُزارعين أو المزارِع، فهو محتوى لا يجلب الانتباه. لم يكن مهتمًا بصنع أي تغيير في قريتي أو تسليط الضوء على قضايا حقيقية- كان يريد فقط محتوى، قصة جيدة وسهلة ليرويها بحيث تجعله يحصل على المزيد من المشاهدات في الفليبين. حتى أنه قال مازحًا في بداية اليوم أن كل ما يحتاجه هو وضع ’الفليبين’ في العنوان، ليحصل على ملايين المشاهدات ثم تنهال التعليقات البلهاء بكلمات مثل ’فلبيني وأفتخر’".
وكتبت: "عندما استقبلناه في منزلنا، لم تتلق عائلتي منه أي عبارات مجاملة أو تحية أو شكر، بل راح يكرر أننا أضعنا وقته. إضافة إلى ذلك، رفض تناول طعامنا الذي قضت أمي الوقت منذ الصباح في إعداده له باعتبار أنه سيكون متعبًا وجائعًا. لقد عملت مع صحفيين، وصانعي أفلام وثائقية، وأساتذة جامعات، ممن شاهدوا عملي، وأجروا مقابلات معي، وحتى أنهم كرّمونا، ولم يكن لدي أي تجارب سلبية يمكن أن تقترب مما رأيته في ذلك اليوم: تمييز عنصري صارخ ضد الناس في مدينتي، بلا أي احترام للعادات أو الثقافة المحلية. لقد بنى قصة في ذهنه من غير أن يفهم بجدية سياق ما كان سيغطيه. ونتيجة لذلك، شعر بخيبة أمل لأن عملي لم يكن القصة ’المعلّبة بإتقان’ التي حدّدها وتخيلها مسبقًا - أعني ’ما الفرقعة الإعلامية التي يمكنك صناعتها من مزرعة’؟"
وتابعت: "في نهاية ذلك اليوم، كنت مرهقة جدًا، ولم يعد لدي صبر، وبدأت أفقد آخر ذرة من تسامحي. لقد رفض نصير إعطاء أي أحد قسطَا من الراحة أو وقتًا ليأكل. وقد ألقى باللوم في عدم وجود ’محتوى مناسب قابل للنقر أو جاذب للمشاهدة’ عليّ أنا، وزعم أن كل شيء هنا غير جاذب للمشاهدة. لقد كنت شفافة تمامًا معه في مكالمتنا الهاتفية لجهة أن عملي في المزرعة لن يكون من النوع الذي يمكن أن يعرضه مرئيًا، وأن هناك الكثير من العوامل في العمل الذي أؤديه لا يمكن تغطيتها في فيديو مدته أقل من دقيقة— وأن هذا العمل ربما سيحوز إعجابه بعد خمس سنوات وليس الآن. لقد افترض، في قصته، أنني سأحل جوز الهند محل الكاكاو، فيما الحقيقة، أن هذا كان غريبًا وغير واقعي، وليس هو غاية مشروعي، التي هي تنويع مصادر الدخل للمزارعين. لقد وصلنا في النهاية إلى اتفاق مشترك مفاده أنه من الأفضل له أن يغادر."
وتضيف الناشطة: "كان عليّ أن أفهم على نحو أفضل، أن هذا الرجل استغلالي ويغذّي سردية استعمارية جديدة، مستغلاً حاجتنا للاعتراف الأجنبي والتعريف بنا في الخارج. لقد ظللت صامتة لأنني عرفت أنني سأواجه رد فعل عنيف لتنديدي بهذا الرجل. ذلك أنه، في النهاية، كلام نصير سيكون مصدقًا أكثر من كلامي. لقد كنت مسكونة بفكرة أنه يستطيع التلاعب بسنوات من عملي بفيديو واحد يحتوي على معلومات مضللة وبلا مبالاة. ولذا اخترت أن أبقى صامتة حول ذلك. فضلت ألا أخاطر بمدينتي وبالمزارعين هنا، الذين يستفيدون من المشروع، وقررت أن أبتلع الإهانة. لقد قلت لنفسي أنه إذا كان كذلك حقًا، فسوف تظهر حقيقته في النهاية".
وتطرقت الناشطة إلى استغلاله لفنانة الرسم بالوشم التقليدي الفليبيني، الموضوع الذي أطلق الحلمة في البداية: "وحقيقة أنه رفض إزالة الدورة التدريبية التي أطلقها بعد أن خدع فيها فنانة الرسم بالوشم الفلبينية، وانغ أود، هي إشارة واضحة على الإسكات المنهجي، والأمل في مواصلة جني الأموال من ثقافتنا. والآن، رده على هذه المسألة هي فيديو يظهر فيه الفنانة المسنة وهي توقّع عقدًا مشكوكًا في صحته، أي بالضبط الاستراتيجية نفسها التي استعملها المستعمرون لتضليل السكان الأصليين لبيع أراضيهم، تحصل الآن أمامنا في القرن الحادي والعشرين، ولكن مع فرق واحد هو أن البيانات والمحتوى والتقاليد هي التي تباع، وليس الأرض".
وكتبت: "يجب على الفليبينيين أن يتوحدوا معًا في هذا الشأن، نحن لسنا محتوىً للاستغلال. نحن لسنا ثقافة للرسملة. نحن لسنا أناسًا للرسملة. نحن أكثر مما يظن العالم عنا. أناس مثل ناس ديلي هم الموجة الجديدة من الكولونيالية في عالم اليوم. لقد التزمت الصمت منذ 2019، ولكن لن أستطيع الاستمرار في حياتي صامتة أكثر من ذلك".
ويذكر أن "ناس ديلي" قد تعرض سابقًا لحملة مقاطعة عربية واسعة، بعد أن دعت حركة مقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الاحتلال الإسرائيلي الـ"BDS" إلى مقاطعة المدوّن الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، وقالت إنه غطاء للتطبيع مع إسرائيل.
ويعتبر نصير ياسين، المعروف باسم "ناس"، من أشهر الشخصيات العربية على يوتيوب، حيث يتابعه أكثر من ثمانية ملايين مستخدم على فيسبوك و1.6 مليون على إنستغرام، وقد حصد شهرة واسعة بسبب مقاطع الفيديو ذات الجودة العالية التي ينشرها منذ عام 2016.
وعرض موقع ناس فرصة مدفوعة الأجر لحوالي 80 من ناشري المحتوى باللغة العربية في برنامح تدريبي مدته ستة أشهر تديره أكاديمية ناس في العام، ويقدم البرنامج، دروسًا في الفصول ودورات تدريبية تعليمية عبر الإنترنت مثل تصوير الفيديو والتحرير والسرد القصصي.
ودعا بيان لحركة المقاطعة صناع المحتوى وأصحاب النفوذ في المنطقة العربية إلى مقاطعة برنامج "ناس ديلي" المرتقب، والذي يهدف إلى توريطهم في التطبيع، وقالت الحركة إن التطبيع يساعد إسرائيل على إخفاء جرائمها.
ولفتت حركة مقاطعة إسرائيل إلى أن رئيس التدريب في هذا الأكاديمية يدعى يوناتان بيليك، الذي خدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وكان يهدف برنامج "ناس ديلي القادم" إلى تدريب ثمانين صانع محتوى عربيًا من خلال "أكاديمية ناس" التي تضمّ إسرائيليين ضمن طاقم الإشراف والتدريب الذي يرأسه الإسرائيلي جوناثان بيليك، وبتمويلٍ من أكاديمية "نيو ميديا" الإماراتية التي أنشأها حاكم إمارة دبي محمد بن راشد.
وقد اتُهم "ناس" مرارًا بأنه يساعد على تبييض صورة الاحتلال الإسرائيلي عبر فيديوهاته وتشويهه للسردية الفلسطينية.







