من ريفييرا غزة إلى أوتوستراد نور شمس: الهوس الإسرائيلي بالتخلص من شبح اللجوء

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كغيري الكثر، شاهدت في الأسابيع الأخيرة عشرات الفيديوهات من اعتداءات الاحتلال بجنده ومستوطنيه وبلدوزراتهم ورعاتهم وكلابهم على الأهل في الضفة الغربية وبالأخص في المناطق "ج" ومخيمات اللجوء فتمتمت وشتمت، وتحايلا على عجزي واسيت نفسي بأن هذا كله لا شيء بالنسبة للكارثة الكبرى في غزة، حتى جاءت زيارتي هذا الأسبوع إلى مخيمي طولكرم ونور شمس، ضمن وفد للجنة المتابعة.

  • أوتوستراد اللاعودة

"الاحتلال يحلم بشطب المخيمات. يريد تحويل المخيم إلى ضاحية! ويعمل على تجزئته إلى مربعات سكنية من خلال شق شوارع على طول وعرض المخيم يبلغ عرض كل منها 18 مترا، علما أن المخيم كله كان كتلة إسمنتية واحدة. شق هذه الشوارع أدى إلى هدم مئات المنازل في المخيم وهو ما يعادل نسبة 30% من منازل المخيم."
هذا ما قاله لنا ابن نور شمس، المهندس براء الغول، وأضاف: "في شباط المنصرم، أخلى الجيش المخيم بالكامل ويرفض أن يسمح لأي كان بالعودة للحصول ولو على أبسط الاحتياجات من منازلهم بل أنه يمنع الناس من إغلاق المنازل لتبقى كلها مفتوحة للنهب والتخريب والعربدة من قبل جنود الاحتلال الذين يسرحون ويمرحون ويسرقون دون أي رادع أو مساءلة أو من قبل الحيوانات الهائمة والسائبة التي أطلق سراحها الجيش في المخيم".

وأكد الغول أنه تم هدم ما لا يقل عن 40% من منازل أهالي المخيم بالكامل ولا يملكون مكانا يعودون اليه وأما من قد يتمكنون من العودة إلى منازلهم في حال السماح بذلك فلا يمكنهم العيش فيها بلا كهرباء ولا ماء ولا شبكات للصرف صحي!

يفيد الغول بأن أ سرائيل تعهدت مؤخرا لمبعوث أمريكي أمني زار المخيمات بالتوقف عن عمليات الهدم بالجملة لينتبه السكان بأن ظاهرة جديدة بدأت تنتشر في المخيم: إحراق بالكامل للمنازل، على كل ما فيها.. فهل هي صدفة؟!

كل من نتحدث إليه يبث الرسالة نفسها: اسرائيل تريد القضاء على حق العودة من خلال القضاء على مخيمات اللجوء والتخلص من سكانها، وكلهم يؤكدون أن هذا الحلم بعيد المنال فأوتوستراد اللاعودة قد يحمل معه أي شيء إلا "الجكر" الفلسطيني!

  • جحيم الحياة خارج المخيم

الناشط حسين الشيخ علي، من أبناء مخيم طولكرم وأحد القائمين على تكية فزعة الخير التي تقدم الطعام للأهل النازحين إلى قرية ذنابة أفاد بأن أهالي طولكرم والقرى المجاورة قدموا ويقدمون الكثير من المساعدات للأهل النازحين، إلا أن الاستمرار بالتبرع والتطوع على مدار نصف عام دون رؤية أفق لانتهاء المعاناة منهك ومستنزف للطاقات حتى أن التكية تعجز في بعض الأيام عن تقديم الوجبات الساخنة وتكتفي بتوفير المعلبات، علما أن كل يوم يكلف حوالي ٧٠٠٠ شيكل.

وأضاف: "والله هنالك بدون مبالغة ما لا يقل عن مئتي عائلة لا تملك أي سبيل لتحصيل لقمة العيش بدون هذه التكية القائمة بالأساس على التبرعات والمساعدات الإنسانية."
وأفاد أن للأهل في الداخل دورا كبيرا بدعمها إلا أنهم باتوا يعانون من تصعيب الاحتلال لوصولهم وايصال تبرعاتهم التي خفتت هي أيضا.

من هناك انتقلنا إلى إحدى مدارس القرية التي تحولت إلى مركز لإيواء اللاجئين وتضم عشرات العائلات: كل عائلة تعيش في غرفة صفية واحدة وتتقاسم العائلات كلها المراحيض العامة في المدرسة، ورغم الاكتظاظ وصعوبة العيش في صف مدرسي لعائلة من عشرة أنفار مثلا إلا أن الكابوس الأكبر لهذه العائلات هو أن يتم اخلاؤها دون توفير بدائل مع افتتاح العام الدراسي القادم بعد أقل من شهرين.

هذا الكابوس يعيدنا إلى الحديث مع مجموعة من النساء المتطوعات في التكية وأغلبهن تم تشريدهم مع عائلاتهن من المنازل دون أي قطعة ملابس إضافية ويعشن أزمة اقتصادية خانقة، تقول إحداهن: "منذ النزوح لم يأت زوجي بشيكل واحد للعائلة وأنا أتطوع هنا لأشعر بأنني أعود إلى المنزل مع وجبة ساخنة لأبنائي بفضل جدي وتعبي لا بمنة من أحد. أنا نازحة منذ أشهر لكن منزلي هدم بالكامل قبل أسبوع وعندما حاولت الوصول اليه لأخذ ما يمكن استصلاحه قبضوا علي وأوقفوني لعدة ساعات رأيت فيها جهنم."

وتقول ثانية: "المحظوظ هو من وجد شقة بوقت مبكر وبسعر معقول، فاليوم، الشقق هنا انتهت تقريبا والناس يسكنون عند أقاربهم أو معارفهم ومن يجد شقة سيطلب منه دفع ايجار ستة أشهر مقدما بمبلغ قد يصل ١٨٠٠ شيكل عن الشهر الواحد، ومين معه؟

  • هدم المنازل والهوية!

من الواضح إذن إن عمليات الهدم الواسعة للمنازل في المخيمات لا تهدف فقط للنيل منها كرأس حربة في المواجهة ولإعادة هندستها بشكل مكشوف أمام العين المجردة للاحتلال بهدف النيل من أي خطر امني حتى وهو في مهده، إنما للقضاء على المخيم كفكرة وقيمة وبوصلة. 

الحرب الاسرائيلية ليست على مباني المخيم فحسب إنما هي حرب على الكابوس الذي يرافقها منذ قيامها: اللجوء وحق العودة، وهي في سبيل ذلك مصرة على تفكيك كل ما يذكرها بتلك الخطيئة، من حجارة المخيم، مرورا بالمؤسسات الدولية والمحلية لرعاية اللاجئين ووصولا إلى حصانة الشعب الفلسطيني الذي يواجه الجندي الذي ينكل به وسائق البلدوزر الذي يهدم منزله من أبناء جلدته ولديه الكثير من الحنق والغضب على السلطة الفلسطينية وكافة الفصائل التي ما عادت في أحسن الأحوال قادرة على حمل همه وفي أسوأها جزءا من هذا الهم!

حواجز الاحتلال جعلت من طريق عودتنا من طولكرم إلى مدخل الطيبة تمتد أكثر من ساعة بدلا من ربع الساعة، فكيف لا نستذكر في هذا الوقت الثقيل خطبة الهندي الأحمر: ما قبل الأخيرة، أمام الرجل الأبيض:

"هُنالك مَوْتى ينامونَ في غُرفٍ سَوْفَ تَبْنونَها
 هنالك مَوْتى يَزورون ماضَيهُم في المَكان الّذي تَهْدِمونْ
 هنالك مَوتى يمرّون فَوقَ الجسورِ الّتي سوفَ تَبْنونَها
 هنالِك مَوتى يُضيئون لَيْل الفَراشات، مَوْتَى
يجيئونَ فَجْرًا لكي يَشْربُوا شايهم مَعَكُم، هادِئينْ كما تَرَكَتْهمْ بنادُقكُم، فاتركوا يا ضُيوفَ المَكانْ
مَقاعَد خاليةً للْمُضيفينَ.. كي يَقْرأُوا عليكُمْ شُروطَ السّلامِ مَعَ المَيّتين!"

بينما تفوح رائحة الموت من هاتفك وتشغلك أوجه الشبه بين الحلم الاسرائيلي الأمريكي بتحويل غزة إلى ريفييرا ونور شمس إلى ضاحية فخمة، يعيدك إلى الواقع مشهد أجمل من مشهد زهرة تشق الصخرة: أطفال من المخيم يعودون فرحين إلى "منازلهم" بعد يوم ترفيهي أنساهم ولو لبرهة من الزمن ما يعيشون. لا أعرف ما الذي كتب على قمصانهم لكنني خلتها مقولة محفورة في عمق صدورهم: 
ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا!

وفد للمتابعة بزيارة تفقدية إلى مخيمي طولكرم ونور شمسوفد للمتابعة بزيارة تفقدية إلى مخيمي طولكرم ونور شمسوفد للمتابعة بزيارة تفقدية إلى مخيمي طولكرم ونور شمسوفد للمتابعة بزيارة تفقدية إلى مخيمي طولكرم ونور شمسوفد للمتابعة بزيارة تفقدية إلى مخيمي طولكرم ونور شمس

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

د. خالد عثمان لـ"الاتحاد": أطباء سخنين ملتزمون بالإضراب فنحن جزء لا يتجزأ من مآسي ونضالات شعبنا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

رابطة المحاميات والمحامين في طمرة تعلن التزامها بالإضراب الشامل غدًا الخميس

featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

كتلة الجبهة في نقابة المعلمين تؤكّد: مع شعبنا ضد العنف والجريمة والتقاعس السلطوي

featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

كفرياسيف تعلن إضرابًا شاملًا غدًا احتجاجًا على العنف والجريمة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

"عدالة" يترافع غدًا أمام "العليا" ضد تقييدات الشرطة على مسيرة احتجاجية في سخنين ضد العنف والجريمة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

غدًا الخميس: إضراب شامل في شفاعمرو احتجاجًا على العنف والجريمة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

بلدية الطيرة تعلن التزامها بالإضراب العام غدًا احتجاجًا على تفشّي الجريمة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·21 كانون ثاني/يناير

في خطوة شجاعة: أطباء سخنين يعلنون الإضراب العام: نحن جزء لا يتجزأ من المجتمع