كشف موقع "بوليتيكو" الأمريكي، اليوم الثلاثاء، استنادًا إلى وثائق داخلية مسرّبة من الإدارة الأمريكية، أن مسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب أعربوا عن قلق بالغ إزاء قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وبحسب الوثائق، التي سُرّبت من نقاش داخلي بين جهات عسكرية أمريكية، لا تمتلك الإدارة "خطة واضحة للانتقال من مرحلة وقف إطلاق النار إلى مرحلة السلام المستقر وإعادة الإعمار في غزة".
وعُرضت الوثائق المكوّنة من 67 شريحة مقسّمة إلى ستة أجزاء، الشهر الماضي خلال مؤتمر استمر يومين نظّمته القيادة المركزية للجيش الأمريكي (سنتكوم) بالتعاون مع القيادة الجديدة في ما يسمى "مركز التنسيق" الأمريكي في كريات غات، التي أُنشئت في إطار الاتفاق. وشارك في المؤتمر نحو 400 ممثل من وزارة الخارجية والبنتاغون ومنظمات غير حكومية وشركات خاصة ومراكز أبحاث.
أحد المحاور الرئيسة في النقاش كان إمكانية إنشاء قوة دولية لتثبيت الاستقرار في قطاع غزة (ISF)، وهي مبادرة أمنية متعددة الجنسيات "تهدف إلى الحفاظ على الهدوء" بعد انسحاب جيش الاحتلال في المراحل اللاحقة من تنفيذ الاتفاق. وأظهرت إحدى الشرائح سهمًا يتوسطه علامة استفهام كبيرة بين المرحلتين الأولى والثانية من خطة السلام، للدلالة على الغموض حيال كيفية الانتقال الفعلي بين المرحلتين.
المرحلة الأولى من الاتفاق تشمل انسحاب جيش الاحتلال إلى "الخط الأصفر"، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين مقابل إعادة الرهائن الإسرائيليين، وتدفق المساعدات الإنسانية الدولية. أما المرحلة الثانية، فمن المفترض أن تتضمن نزع سلاح حركة حماس، وانسحابًا إضافيًا لجيش الاحتلال إلى محيط القطاع، وتشكيل حكومة فلسطينية انتقالية بإشراف "مجلس السلام"، إلى جانب إصلاحات في السلطة الفلسطينية وتنمية اقتصادية.
لكن أحد المشاركين في المؤتمر قال إن "الجميع يتحدث عن السلام من ارتفاع 40 ألف قدم، لكن لا أحد يناقش كيف يمكن تحقيقه على الأرض"، مضيفًا أنه لا توجد خطة تنفيذية تحدد المسؤوليات أو آليات التعامل مع أي خرق محتمل للاتفاق.
وأظهرت الوثائق أن جيش الاحتلال يسيطر على نحو 53% من مساحة القطاع، في حين أن 95% من السكان يعيشون في مناطق خارج سيطرته، حيث نشرت حماس نحو 7,000 عنصر أمني. كما لا يتجاوز عدد الشاحنات الإنسانية الداخلة إلى غزة 600 يوميًا، وهو عدد أقل بكثير من المطلوب لتلبية الاحتياجات.
تشير الوثائق أيضًا إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية تجد صعوبة في أداء دور مركزي في التخطيط والإشراف، رغم الخطاب المتفائل الصادر عن الإدارة. وقال ديفيد شينكر، أحد كبار المسؤولين السابقين في الخارجية الأمريكية، إن "العمل الحقيقي سيبدأ بعد إطلاق سراح الرهائن وتحقيق وقف إطلاق النار، فهذه العملية تتطلب متابعة دائمة على أعلى المستويات".
وحذر مسؤولون آخرون من أن ترامب قد يجد نفسه في فخ مشابه لسابقيه، في محاولة للتوسط في نزاع معقد دون امتلاك الصبر أو الموارد للاستمرار في عملية طويلة المدى، مضيفين أن "من الصعب التوفيق بين شعار أمريكا أولاً وبين انخراط طويل الأمد في غزة".
كما أشارت الوثائق إلى وجود فراغ سياسي في غزة، إذ إن "مجلس السلام" الذي يفترض أن يشرف على الاتفاق لم يُشكل بعد، ولا يوجد طرف فلسطيني يمتلك الشرعية والقدرة على إدارة القطاع.
أما السلطة الفلسطينية، التي كانت تدير غزة سابقًا، فغير مقبولة لدى إسرائيل، في حين أن حماس – بحسب التقارير – تعيد بسط نفوذها في الميدان وتملأ الفراغ الأمني بالقوة.
ووفق ما نشره موقع "N12" الإسرائيلي، فإن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في توزيع مسودة قرار على مجلس الأمن تهدف إلى إقرار تشكيل قوة دولية لتثبيت الاستقرار في غزة. وقد أعربت دول مثل إندونيسيا وأذربيجان وباكستان وتركيا عن استعداد مبدئي للمشاركة، إلا أن إسرائيل تعارض مشاركة تركيا، فيما تربط الدول موافقتها بالحصول على تفويض رسمي من مجلس الأمن.
وقال أحد المشاركين: "من الصعب للغاية إيجاد دول توافق على إرسال جنود. معظمها مستعدة لتقديم أموال، لا قوات".
وفي رد رسمي، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إدي فاسكيز إن التقرير "يعكس سوء فهم تام للجهود الأمريكية من أجل غزة"، مضيفًا أن "الجميع يريد أن يكون جزءًا من مساعي الرئيس ترامب التاريخية لتحقيق السلام".
وقال فاسكيز إن الإدارة تلقت مئات المقترحات من دول ومنظمات حول العالم منذ إعلان "خطة النقاط العشرين" للرئيس ترامب، وأنها مصممة على تنفيذ الاتفاق وضمان استمرارية وقف إطلاق النار.
من جهته، قال وزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر صحافي إن طريق السلام "لن يكون سهلاً"، مضيفًا: "كل يوم سيجلب تحديات، لكنه سيحمل أيضًا فرصًا جديدة، ولو كان الأمر سهلاً، لحدث قبل ثلاثين عامًا".




