في ندوة ثقافيّة كفر ياسيف تبني صرحًا لتكريم مبدعيها
حيفا – الاتحاد - جاءنا من عليّ هيبي عضو إدارة المؤسّسة والنّاطق الرّسمي للاتّحاد القطريّ: بالتّعاون مع مجلس كفر ياسيف المحلّيّ ومع المكتبة العامّة، وفي أجواء ثقافة وطنيّة وإنسانيّة، وبعودة إلى أجواء قرويّة تراثيّة، في كفر ياسيف القلعة الثّقافيّة الّتي تستعدّ للاحتفال بمرور قرن على تأسيس أوّل مجلس محلّيّ عربيّ فيها سنة 1925، مؤسّسة "محمود درويش للإبداع" والاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين والمنتدى الثّقافيّ يقيمون في هذه الأجواء الرّائعة أمسية ثقافيّة جعلت قاعة المكتبة العامّة تغصّ مساء يوم الجمعة الفائت والموافق لِ 2/5/2025، بحضور غفير، نوعيّ ولافت من المثقّفين والمهتمّين من كفر ياسيف والقرى والمدن المجاورة لها، جاءوا لحضور النّدوة الثّقافيّة للغائب الحاضر، الأديب والكاتب والنّاقد، د. حبيب بولس، ابن كفر ياسيف البارّ، ضمن رؤية شموليّة لتكريم البلد لقاماتها الوطنيّة ولرموزها الثّقافيّة ولمبدعيها عامّة. يشار إلى أنّ عائلة الرّاحل قد شاركت بالنّدوة ممثّلة بزوجة الفقيد، السّيّدة ناهدة بولس.
وقد استهلّ الكاتب عصام خوري مدير مؤسّسة محمود درويش وعضو إدارة الاتّحاد القطريّ النّدوة بكلمة شكر وترحيب، تطرّق فيها إلى سيرة المحتفى به د. بولس الحياتيّة والثّقافيّة بشكل عامّ، وتحدّث عن علاقته الشّخصيّة به، وعن بعض المواقف الّتي ما زال لها أثر على نفسه، تجعل شخصيّة بولس لا تغيب، وتبقى حاضرة روحًا ومعانيَ وإن غابت جسدًا، ومن ثمّ دعا خوري د. إياد الحاجّ لتولّي عرافة النّدوة وإدارتها. وبدوره دعا الأديب د. الحاجّ المتكلّمين: عصام شحادة رئيس المجلس المحلّيّ، الكاتب د. محمّد هيبي الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين، الكاتبة د. راوية بربارة، الأديبة د. لبنى حديد، والسّيّدة ناهدة بولس زوجة الرّاحل.
وفي كلمة رقيقة وشاعريّة قدّم فيها د. الحاجّ برنامج الأمسية وتنويع مواضيعها حول الجوانب المتعدّدة للمحتفى به، ناقدًا وأديبًا وإنسانًا ومدرّسًا وإنسانيًّا كصديق وزوج وأب. وقد تحدّث عن كفر ياسيف كصرح ثقافيّ أوْلى الثّقافة والفنون والعلوم اهتمامًا عاليًا، وبخاصّة ما قدّمته مدرسة "يني" الثّانويّة للمجتمع الجليليّ وما سدّت من فراغ للأجيال والطّلّاب الرّاغبين في تحصيل العلم في القرية نفسها وفي القرى الأخرى. وقد تحدّث عن مدى تأثير بولس على شخصيّته، فقال: "لقد عرّفني على شخصيّتي وعروبتي ووطنيّتي معرفة وتاريخًَا، وقد ساعدني وأنا أحضّر في كتابتي عن الأديب محمّد نفّاع وأمدّني بالإرشاد والمصادر".
وكانت الكلمة الأولى تحيّة البلد المضيف لرئيس المجلس المحلّي السّيّد عصام شحادة، فحيّا فيها كلّ الجهود الّتي أسهمت في نجاح هذه النّدوة الهامّة، وقال: "إنّه مشهد يثلج الصّدر، حيث ترى توجّه كفر ياسيف الأصيل العامّ والدائم للعلم والثّقافة". وشكر المؤسّسة والمنتدى والضّيوف، مثمّنًا النّدوة كندوة مميّزة لعلَم من أعلام كفر ياسيف في النّقد والأدب. ثمّ تطرّق للحديث عن علاقته الشّخصيّة كابْن لحارته، وقد عرفه خلوقًا، دمثًا، أصيلًا وابْن بلد.
وكانت المداخلة الأولى لد. هيبي، وقد استهلّها بالذّاكرة الّتي تسعدنا بلقاء من نحبّ من قاماتنا ورموزنا، فهم يستحقّون، وكان الحبيب واحدًا ممّن كنّا نتبادل معهم الهموم ونخوض في قضايا الحياة ليس للتّرويح عن النّفس فقط، وقد قال هيبي: "كان لحبيب أيادٍ بيضاء عليّ طوّقني بمجد درايته نحو اختيار مساقات التّعليم وعند تأليفي للكتب، وعرّفني على دوستويفسكي والجريمة والعقاب وعالم الرّواية، ومن هنا صرت مهتمًّا بنقدها ومن ثمّ كتابتها". قد شكر هيبي أولئك الّذين أمدّوا ثقافتنا الفلسطينيّة وأثروا مكتباتنا وعقولنا بالعلم والمعرفة وفتحوا أمامنا آفاقًا جديدة.
كانت د. بربارة صاحبة المداخلة الثّانية حول حبيب ابْن كفر ياسيف وابْن النّاصرة، إذ كان يسكن في مدينة النّاصرة وتسكنه قريته كفر ياسيف، فقالت: "عاش حبيب المكانيْن في سيل من الزّمان جغرافيًّا وعمرانيًّا، التّراث والتّطوّر، يعيش عصرًا جديدًا بكلّ ما فيه، ولكنّه لا ينسى التّراث وتفاصيله: الرّوزنا والنّمليّة والأزياء والأطعمة والأعراس والغناء وجرن الكبّة والسّدّة والقنطرة". وقد ذكرت أنّها لا تنساه كمعلّم وموجّه وناقد يؤسّس لكتابة جماليّة في النّقد تستند إلى نظريّة علم الجمال الماركسيّ، وضدّ منهج الفنّ للفنّ.
أمّا المداخلة النّقديّة الأخيرة فكانت لد. لبنى حديد، ولم تبتعد كثيرًا فيها عن الأجواء التّراثيّة القرويّة الّتي أعادنا إليها حبيب في كتابه "قرويّات"، فهذا الكتاب هو صرخة حبّ ووفاء للأرض والماضي الجميل، وقد لخّصت فضله كمعلّم في قولها: "لقد علّمني الأستاذ حبيب سنة واحدة ولكنّها تركت فيّ أثرًا لسنوات طويلة في كافّة جوانب الحياة". وذكرت: "لقد كان أوّل من أوقد شرارة الإبداع في نفوسنا، وفي ميلنا إلى الاستمرار في التّعلّم والتّعليم، ومن ثمّ إلى الكتابة".
وكانت الكلمة الأخيرة كلمة العائلة قدّمتها بكلّ تواضع ووفاء السّيّدة ناهدة زوجة الرّاحل الكبير، وقد قدّمت شكرها لكلّ المؤسّسات والأشخاص الّذين أسهموا في إنجاز هذه النّدوة الّتي تثبت أن كفر ياسيف وفيّة لأهلها، ومن ثمّ تحدّثت عن زوجها الإنسان، الزّوج المخلص المعطاء والأب المحبّ والحنون، وقالت: "التكريم هو صورة للمجتمع الرّاقي، لإنسان وفيّ لقضيّته، لشعبه، لقريته، لتراثه وأهله، سيبقى حبيب نبراسًا ومشعلًا ينير حياتنا نحو مستقبل أكثر أمانًا وإنسانيّة". ويشار إلى أنّ موقع "العين السّاهرة" ومديره حسام إدريس والفنّان التّشكيليّ جميل عمريّة قد قاما بتغطيّة الخبر إعلامًا وتصويرًا.






