لو كانت حكومة طهران هي من اغتالت قائدًا عسكريًا كبيرًا في الجيش الأمريكي قرب مطار في بغداد، لكان الأمر اعتُبر بالتأكيد فعلاً إرهابيًا؛ لكانت الإدانات توالت من العديد من العواصم؛ لكان معظم محللي ومعلقي الشبكات الإعلامية الطاغية قد توغلوا في النعوت لهكذا فعل خطير واستفزازي ومهدد للسلم الاقليمي والعالمي؛ ولكان مجلس الأمن قد سارع للانعقاد وأصدر قرارات من شأنها أن تهز أركان طهران.
الآن، ما الفرق بالضبط بين السيناريو الخيالي أعلاه وبين الصورة العكسية الواقعية التي قامت فيها حكومة الولايات المتحدة باغتيال القائد العسكري الايراني قاسم سليماني في بغداد؟ أليس هذا إرهابا وتهديدا مباشرا للسلم؟ لماذا لا نسمع كل هذه الأوصاف حين يكون الفاعل واشنطن؟ يزعمون أن ايران تقوم بسياسة توسع وهيمنة والدليل وجودها في العراق. أليس هذا هو ما يصح وبمئات الأضعاف على الولايات المتحدة الأمريكية؟ ألا تركّز قوات عسكرية لها في العراق؟ نفس العراق الذي اجتاحته واحتلته ودمرته تحت طبقة كثيفة من الأكاذيب التي اعترفت السلطات الرسمية نفسها لاحقًا بأنها مجرد اختلاقات وفبركات لا أساس من الصحة؟
كذلك، هل تقيم إيران نحو 25 نقطة وقاعدة ومركز وتواجد عسكري حول الولايات المتحدة. وهو ما تفعله الأخيرة عبر تواجدها في سوريا والعراق والسعودية والبحرين وقطر والأردن وأفغانستان وتركمانستان، ناهيك عن تواجدها النّشط في مياه الخليج بسفنها ومدمراتها وحاملات طائراتها، في صورة جغرافية ترسم حصارا أمريكيا عسكريا مطبقا حول أراضي ايران. لكن هذه الصورة الواقعية القاطعة الساطعة "تعجز" عن رؤيتها أعين المنافقين والمنتفعين والخانعين!
هذا هو لب المشكلة. إنه النفاق وازدواجية المعايير النابعان من الاستعلاء أو الاستكبار كما يرد في خطاب ايران الرسمي. وذلك التعاطي المفهوم ضمنا والمقرف وكأنّ ما يحق لواشنطن وحليفاتها لا يحق لآخرين. هذا ينطبق على ايران وعلى كوريا الشمالية وعلى فنزويلا وعلى كل من لا ينصاع لواشنطن. إنه نهج كامل متكامل يشكل العلّة الأساسية الأولى لتهديد الاستقرار المتواصل في كل العالم. هذه التقسيمة العنصرية والاستعلائية والمتخلفة واللاإنسانية التي تفترض وجود سادة من حقهم التوسع والبطش والنهب بينما يجب على الآخرين الصمت والانصياع، هي تقسيمة يجب تفكيكها وتقويضها ورميها في مزبلة التاريخ.





