لم تفاجئ المحكمة العليا أحدا، بقرارها السماح لمتهم بجرائم الرشوة والخداع والغش بنيامين نتنياهو، بتشكيل حكومته الخامسة، فهذا ما توقعه الجميع تقريباً. وهذا ما توقعناه هنا قبل أيام، حينما قلنا في كلمة "الاتحاد"، إن ما قبل المحكمة هو ما سيكون بعد المحكمة. ولربما أن العامل المفاجئ الوحيد، هو إجماع القضاة الـ 11 في هيئة القضاة التي نظرت في الالتماسات المقدمة للمحكمة العليا ضد تكليف نتنياهو، وضد بنود عديدة في اتفاقية الائتلاف، لكونها تضرب العمل البرلماني وحقوق المعارضة البرلمانية.
لقد تمسكت المحكمة العليا بما فرضه عليها نتنياهو وحزبه الليكود، وكتلة كحول لفان، بزعامة بيني غانتس، والمستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت، بأنه لا صلاحية للمحكمة بمنع نتنياهو من تشكيل الحكومة، لأنه لا يوجد قانون يمنعه. رغم أنه فيما مضى كان للمحكمة قرارات سدت فيها الفراغ القانوني، وشكلت سابقة، وعلى أساسها سُنت قوانين، مثل لزوم استقالة وزير ونائب وزير من منصبهم في حال قدمت ضدهم لوائح اتهام، وهو قانون يستثني رئيس الحكومة.
ونؤكد من جديد على ذكرناه من قبل، وهو أن المحكمة العليا هي جزء من المؤسسة الحاكمة، ولم يكن في تاريخها ما نقَضَ جوهر السياسات الإسرائيلية، بمعنى سياسات الاحتلال والاستيطان والتمييز العنصري، بل كانت بضع قرارات هامشية، لا تمس بالجوهر.
ورغم ذلك، كانت للمحكمة العليا قرارات هامة وجوهرية تتعلق بهيكلية الحكم، وبقوانين وإجراءات تتعلق بالشأن الإسرائيلي الداخلي. ولهذا باتت المحكمة ملاذا لأحزاب وجهات معارضة ضد إجراءات حكومية، وقرارات صادرة عن الحكومة والكنيست.
إلا أن المحكمة العليا بقرارها مساء الأربعاء، تكون قد أعلنت عن نفسها، قطيع نعاج جديد في اسطبلات بنيامين نتنياهو، الذي جعل من كل ما يحيط به، قطعان نعاج، وأكبرها قطيع الليكود، الذي لم يعد فيه سوى نعاج، سنسمع ثغاءها في الأيام المقبلة، حينما يبدأ نتنياهو في نثر الحقائب الوزارية الهامشية، ومناصب برلمانية، كما ينعف صاحب الحظيرة العلف على قطيعه.
ولا ننسى قطيع النعاج الجديد في اسطبلات آل نتنياهو، المسمى كحول لفان، بقيادة "رأس القطيع" بيني غانتس، الذي يرضخ لاملاءات نتنياهو، بكل ما يمثله من عقلية حربية دموية استيطانية، مرتكزة على أسس الحركة الصهيونية الاستعمارية الاقتلاعية.
نحن مقبلون على مرحلة تسجل ذروة جديدة في خطورتها على شعبنا الفلسطيني، الذي لن يجد من ينقذه إذا لم ينقذ نفسه من حالة البؤس السياسي التي يعيشه: وضع حد لحالة الانقسام، من حيث بدأت؛ وضع حد لكل خطابات ونهج التراخي في وجه حكومة الاحتلال وأذرعها؛ ووضع حد لاستثمار حالة الانقسام، من اجل تطبيق أجندات غيبية ظلامية، لا شأن لها بالشعب الفلسطيني وقضيته.
هذا الوقت لحراك الجماهير العربية مع القوى التقدمية الحقيقية، بحراك ميداني وفق رؤية واضحة وعميقة، يكون في مقدمتها دون منافس، المعركة من أجل انهاء الاحتلال والعقلية التي تقوده، لأنه من دون انهاء هذه العقلية، لا يمكن تحقيق إنجازات جذرية على مستوى السياسات العنصرية، والديمقراطية.







