التعاطي الاسرائيلي مع المعلومات الأخيرة بشأن التجسس الأمريكي على كبار مسؤولي ومكاتب الحكم في اسرائيل، يكشف مدى تبعيّة هذا المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة لسيّدتها واشنطن. فقد لوحظت تلك المحاولة الرسمية، من رئيس ووزراء الحكومة أولا، للتقليل من خطورة الأمر بدعوى "تفهّم التجسس بين الدول"، مع العلم أن هذه المؤسسة تفاخر كل اثنين وخميس بـ"صداقتها الخاصة" مع واشنطن من جهة، باستقلالها المطلق من جهة ثانية.
إن الدول ذات السيادة لا ترضى عمومًا بأن يتجسس عليها أحد، واذا تبيّن هذا فمن المتوقع دائمًا أن تردّ بحدّة بل بقوّة. وكم من الأموال والميزانيات العامة تبذَل وتُصرف بذريعة "منع المس بالأمن" ومنه التجسس بالطبع. هناك دول تعيد سفراءها وتطرد سفراء من يتجسّس عليها، أو من ينكشف على الملأ، في الحد الأدنى، قيامه بالتجسس عليها. أما حكومة بنيامين نتنياهو فتصرفت وكأن الأمر عادي. ليس لأنه فعلا هكذا، بل لحقيقة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
هذه الحادثة تعود لتضع بعض الأمور الهامة في سياقها، فحكّام هذه الدولة يعون جيدًا أن وظيفتهم أمام السيد الأمريكي هي بالأساس تأدية الخدمات التي تصب في مصالحه. هؤلاء الذين يكثرون من الكلام المُشبع بـ "الفخر القومي" الفارغ، يصمتون كجراء وديعة حين ينكشف أمام العالم أن الولايات المتحدة تقوم بالتجسس عليهم في أعلى قمة الهرم. ويرتبط هذا مع كون المؤسسة الحاكمة هنا لا تضع في أولويتها خدمة مصالح مواطنيها في المجالات الحياتية الحيوية، بل خدمة مشاريع هيمنة تخدم مصالح قوى مهيمنة ورأسمالية واستعمارية، تلعب واشنطن فيها دور "الرأس"! قد يكون الأمر حربًا هنا وعدوانًا هناك هلمجرا!
إن كشف قضية التجسس الأمريكي على اسرائيل، والرد المتلعثم من مسؤولي هذه الدولة، يجب أن يدفع المجتمع الاسرائيل للتفكير في حقيقة تلك "الصداقة" المزعومة بين الطرفين.. فلا صداقة ولا ما يحزنون، وكل ما في الأمر أن قباطنة هذه الدولة ينفخون الكثير من بالونات "الفخر القومي" سريعة الطيران، لكنهم في الحقيقة يخدمون المشاريع التي تعزّز مصالح قوى الهيمنة العظمى، وهو ما يتم بالضرورة على حساب مصالح المواطنين الحقيقية وحقهم في عيش كريم.