تفتح الحروب أحيانا، بما فيها العدوانية ورغم مآسيها، آفاقًا سياسية لحل عادل منشود. بهذا المعنى قد تستحيل لعنة الحرب الى بركة، ويصبح عدوان "الجرف الصامد" على فلسطين فرصة مواتية لإحقاق الحل الدائم الذي ينهي الحرب. ولن يكون حلًا دائمًا الا اذا كان عادلًا. ولن يكون عادلًا الا اذا قام على اساس ان الحركة الوطنية الفلسطينية هي حركة تحرر وطني، وان التحرير يعني ضمان حق تقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، كما اقرتها الشرعية الدولية.
صحيح أن اسرائيل انتصرت عسكريًا، تدميرًا وقتلًا، في حربها الأخيرة، لكنها انهزمت سياسيًا وأخلاقيًا وازدادت عزلتها الدولية والإدانة العالمية لها على جرائمها. وتعمق حتى الشرخ الداخلي في المجتمع الاسرائيلي بخصوص امكانية حل الصراع بقوة فائض قوتها العسكرية. اما فلسطين، وإن لم تنتصر عسكريًا، لكنها لم تنهزم سياسيًا وصمدت ولم تستسلم وحققت بعض الانجازات، بما فيها حتى العسكرية.
لكن الأمل بتحقيق الحل العادل الدائم لن يتحقق اوتوماتيكيًا كتحصيل حاصل لما اسفر عنه العدوان. وانما يتحقق باستثمار نتائج العدوان لصالح تحريك وطرح مبادرة عملية سياسية جديدة وجامعة فلسطينيًا وعربيًا، وبتجنيد التأييد الدولي لها وبطرحها في الأطر والمؤسسات الدولية.
فلسطين ستكون عاجزة عن حمل هذه المسؤولية لوحدها. لكنها تبقى المسؤول الاول عن وضع خارطة طريق الحل المنشود. واقصد بفلسطين كل فلسطين بكل مؤسساتها وأطرها السياسية، بما فيها اولًا م.ت.ف. والسلطة وشتى فصائل المقاومة والمجتمع المدني بكافة هيئاته الوطنية. دون اعفاء سائر العرب، دولًا وشعوبًا، من وجوب احتضان هذه المبادرة.
لقد آن الآوان، بعد مرور شهرين ونيّف على اندلاع عدوان "الجرف الصامد" الذي قصد بين ما قصده جرف القضية الفلسطينية وتعميق الشرخ الداخلي الفلسطيني، لأن يكف المسؤولون ووسائل الاعلام والمحللون والخطباء، عن تصريحات ومقالات وتحليلات وخطابات البكائيات والعنتريات عمّا فعلته اسرائيل من جرائم بغزة واهلها وعن "انتصارنا الاسطوري" عليها، وان تسعى شتى الفصائل والأطر الفلسطينية لبلورة برنامج وطني وحدوي جامع واعتماد مبادرة سياسية ونهج عمل يحقق الانتصار المنشود.
*القاهُ في اليمِّ مكتوفًا...*
لم تكن المائة عام الماضية عقود فشل وهزائم فقط. بل كان فيها بعض مكاسب وانتصارات أيضًا. لقد اثبت شعبنا الفلسطيني انه الاكثر شبها بطائر الفينيق الاسطوري الذي كلما احترق جناحاه واستحالا إلى رماد، كلما أعاد تكوينهما وحلّق.
المطلوب اليوم من القيادات الفلسطينية عدم تعليق إخفاقاتها فقط على مشاجب الصهيونية والامبريالية وتساوق الرجعية العربية معهما. ولا أدعو بهذا الضحية لجلد ذاتها، وانما لوعي وتذويت التجربة بنظرة نقدية لا تتورع عن محاسبة الذات وبشجاعة. هذا دون أدنى إغفال من أن نقد ولوْم الضحية لذاتها لا يعني أبدًا تبرئة الجاني من كونه هو المجرم.
لم تخطئ م.ت.ف. بقيادة ياسر عرفات بقبولها اتفاق اوسلو عام 1993. النقاد النقادون الذين ما زالوا يرون ان اساس الداء هو اوسلو، يتناسون ان قبل ذاك الاتفاق كانت مصر العربية قد وقعت معاهدة "كامب ديفيد" عام 1978 وتبعتها دول عربية باحثة عن اتفاقات وعلاقات وحلول ثنائية مع اسرائيل. وانهار ما كان يُسمّى بالمعسكر الاشتراكي في اواخر ثمانينات واوائل تسعينات القرن الماضي. اي فقدت الحركة الوطنية الفلسطينية الحاضنة العربية والدولية الداعمة لها.
وحتى سوريا المقاومة والممانعة دخلت في مفاوضات ثنائية مع اسرائيل لحل الصراع فيما بينهما. وفيما بعد توصلت كل الدول العربية الى تبني "المبادرة العربية" لإبرام سلام مع اسرائيل على قاعدة ازالة الاحتلال.
بناءً عليه يحق لفلسطين ان تشبّه نفسها يومها بما قاله الشاعر... "القاه في اليمِّ مكتوفًا وقال له إياك من الغرق". اما اليوم فتوجد انظمة وقوى تريد لفلسطين ان تغطس لقاع البحر الهائج، عن عجز أو خيانة أو مزاودة أو عمالة لأجنبي، دون أن توفّر لها أدوات الغطس واكسجين التنفس.
كانت م.ت.ف. قد اضطرت لترك دولة المواجهة – لبنان – والانتقال الى تونس. ثم جاء اتفاق اوسلو كتحصيل حاصل للانتفاضة الفلسطينية الاولى (من كانون اول 1987 الى 1991) والتي أخذ فيها الفلسطينيون زمام المبادرة بأيديهم معتمدين على انفسهم غير منتظرين "الفارس الاسمر القادم على جواده الابيض" لتحريرهم. كانت الانتفاضة ابداعًا عالميًا في "علم وفن" المقاومة الجماهيرية المدنية وغير المسلحة، وبهدف استقلال فلسطين على اراضي الضفة والقطاع.
نصّ اتفاق اوسلو، رغم بعض السلبيات في نصوصه، على حل المساومة التاريخية للقضية الفلسطينية عن طريق مفاوضات كان يجب ان تنتهي وتقوم الدولة الفلسطينية بمرور خمس سنوات على بدئها. وبفضل الاتفاق جرى الاعتراف الاسرائيلي والدولي بمنظمة التحرير والحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وبضرورة التفاوض لحل المختلف عليه. وهكذا عادت القيادة الفلسطينية الى وطنها وقامت السلطة الوطنية.
*البندقية وغصن الزيتون...*
لم يكن الخطأ في اوسلو، ولا في فهم القيادة الفلسطينية لمحدودية وعجز نضالها المسلح لوحده على حسم المعركة، ولا بقبول المساومة التاريخية باقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع على حدود الرابع من حزيران 1967، ولا في انتهاج طريق التفاوض.
الخطأ والخطيئة كانا في استمرار طريق التفاوض 21 عامًا حتى الآن. وفي تحوّل عملية التفاوض مع المحتل الاسرائيلي الى ما هو اشبه بلعبة "احكيلك قصة إبريق الزيت؟". اصبحت المفاوضات أداة لادارة الصراع وإطالته الى ما لا نهاية بدلًا من حلّه. مفاوضات للتوصل الى اتفاقات اولية، ومن ثم مفاوضات بشأن اتفاقات لتنفيذ الاتفاقات. وتتوقف المفاوضات، فنتفاوض من اجل العودة الى المفاوضات. وهكذا نعود الى نقطة البدء، وكأننا "يا بدور لا رحنا ولا جينا". مع انه راح وجاء 21 عامًا وتبدلت اربع حكومات اسرائيلية مفاوضة رفضت دفع مستحقات السلام العادل. واثبتت انه لا يوجد شريك اسرائيلي لمفاوضات "السلام"، ما دام لا يوجد مفاوض فلسطيني مستعد للاستسلام.
ولم يكن الخطأ الفلسطيني في اتباع العمل السياسي والديبلوماسي للتوصل للحل، وانما في عدم جعل ذاك العمل وسيلة لفضح ومحاصرة سياسة اسرائيل دوليًا. وكذلك في وضع كل "البيض" في تلك "السلة" وفي الإرتهان بامريكا وبالرباعية كمنقذ وضامن. هذا بدلًا من ان تكون نقطة الارتكاز في العمل السياسي – الديبلوماسي كونه احد ادوات حركة التحرر الوطني لتحقيق استقلال وطنها، وان يكون هذا العمل مدعومًا ومسنودًا بكفاح جماهيري ميداني وباجماع عربي ديبلوماسي ضاغط وراع.
الخطأ ليس في تبني خطاب الاعتدال المتجانس مع الشرعية الدولية، وانما في خلق تناقض غير قائم بين الاعتدال والممانعة. لقد انزلقت بعض القيادات الفلسطينية الى حد فهم الاعتدال بأن تقوم هي بتعديل مواقفها الوطنية الثابتة وفقًا لمطالب امريكا واملاءات اسرائيل. بينما المطلوب من القيادة المسؤولة ان تكون مقاومة في اعتدالها ومعتدلة في مواقفها المقاومة.
ولم يكن الخطأ في اقامة السلطة الوطنية وفي اخذها على عاتقها ادارة وتنمية المناطق التي تحت سلطتها وبناء مؤسساتها. الخطيئة كانت في عدم النظر للسلطة كأداة لخدمة حركة التحرر الوطني، وفي تهميش م.ت.ف. والحاقها بها، وفي تفويت فرصة التنمية الاقتصادية وبناء المؤسسات كرافعة لتعزيز الصمود والتنمية البشرية والقاعدة المادية الحاضنة للممانعة وللمقاومة.
وبدلًا من ان تكون التنمية الاقتصادية وبناء المؤسسات وجهازها الوظائفي قاعدة لبناء الدولة المستقبلية المستقلة، إستحالت الى نمو اصحاب رؤوس أموال وموظفي أجهزة أمنية وأخرى بيروقراطية وتكنوقراطية أصبح من مصلحتها الحفاظ على مصالحها ومراكزها في ظل إبقاء الوضع القائم على حاله. لقد سرق واستغل بعضهم القليل الدولة قبل اقامتها. (أقيموها اولًا... ثم اسرقوها ان شئتم واستطعتم).
والأنكى من هذا ان السلطة صدّقت نفسها حقًا بأنها سلطة حاكمة ومستقلة، بينما الاحتلال الاسرائيلي ما زال يحكم ويتحكم في أرض وسماء وهواء واقتصاد المناطق، بما فيها حركة دخول وخروج البضائع والمنتوجات والاشخاص بمن فيهم الوزراء. ووصل الأمر الى حد الصراع العنيف داخل الفصائل وتوجيه سلاح فصيل ضد الآخر للاستئثار بسلطة وهمية حاكمة تحت الاحتلال وبفتات محلياتها - (اقيموا اولًا سلطة الدولة المستقلة حقًا ثم تقاتلوا على حكمها). هذا بدلًا من بناء استراتيجية موحدة جامعة وملزمة للجميع لجعل السلطة المنقوصة مقدمة لبناء سلطة الدولة الكاملة، وتوجيه شتى أشكال وأدوات المقاومة، بما فيها العنيفة والمسلحة، اذا ما اقتضت الضرورة ضد المحتل المتسلط المتحكم.
الخطأ ليس في تنسيق أمني بين طرفي التفاوض، السلطة واسرائيل، بخصوص قضايا إجرائية وخدماتية وتنفيذية، وانما في انجراف هذا التنسيق باتجاه الحفاظ على أمن اسرائيل. اصبح المحروم من الأمن مسؤولًا عن حفظ أمن حارمه. بينما هذا الحارم – الحرامي يسرح ويمرح في المناطق المحتلة، وعلى قرب النظر بالعين المجردة من مكاتب وزراء السلطة واجهزة أمنها. إذ يقوم المحتل باقتحام مناطق السلطة وبالاعتقال والخطف والقتل والهدم لكل من يعرّض أمن دوام احتلاله للخطر، وعلى السلطة ان تحميه.
رحم الله ورحمت فلسطين القائد أبو عمار. دخل الأمم المتحدة وفي جيبه مسدس وفي يده غصن زيتون. أنهى خطابه قائلًا محذرًا مكررًا: "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي". وفي هذا إشارة وحكمة ووصيّة. المقاومة هي التي أوصلته وشعبه الى الامم المتحدة، فأتاها بمبادرة سلام. ومن يسقط مبادرة السلام حريٌ بأن يعرف أن البندقية موجودة ومحفوظة.
*الأنفاق والصواريخ الأخطر*
كتبتُ قبل عقد تقريبا مقالًا ناشدت فيه الرئيس عباس قائلًا "بين السلطة والمقاومة وازن يا ابو مازن". ورفضت وما زلت تلك الرعونة بتوجيه الاتهامات الباطلة له والتي وصلت احيانًا الى حد التخوين. نختلف مع السلطة الفلسطينية بخصوص هذا الموقف أو الاجراء او ذاك. لكن ابا مازن لم يتنازل ولن يتنازل عن اي حق من الحقوق الشرعية لشعبنا وفق البرنامج السياسي الذي أقرته م.ت.ف. وتتفاوض السلطة بشأنه. ويبقى اساس الاختلاف والمشكلة جعل "الحياة مفاوضات"، كما صرّح أحد قادة السلطة.
ابو مازن هو الذي أوقف المفاوضات مع اسرائيل قبل سنة تقريبًا. وهو الذي قاتل وما زال لاعادة اللحمة الوطنية لشعبنا وتحقيق المصالحة والوفاق مع حماس التي قامت بانقلاب عسكري على سلطته وهما تحت الاحتلال! وهو الذي واجه امريكا واسرائيل قائلًا لن نسمح لأحد بأن يقرر لنا حقنا وواجبنا باجراء المصالحة. وهو الذي اوصل فلسطين الى موقع دولة مراقب في الامم المتحدة والى عضوية عشرات المنظمات والاطر الدولية التابعة لها ولغيرها. وهو الذي اقام حكومة الوفاق الوطني. وهو الذي بادر حاتًا مصر لطرح مبادرة وقف النار لوقف نزيف الدمار والقتل لغزة، واصرّ ان يكون الوفد الفلسطيني المفاوض جامعًا لكل الفصائل واولها حماس.
تتبعتُ ظهوره الاعلامي وتصريحاته ومواقفه منذ شهور، ومبادرته السياسية الجديدة القائمة عمليًا على قاعدة "المبادرة العربية" التي أقرها مؤتمر القمة في بيروت بتاريخ 28.3.2002. كذلك لفت الانتباه تكراره بأنه فقد الثقة بنية اسرائيل للتجاوب مع مستحقات الحل العادل، وبالارتهان لامريكا لفرض الحل عليها. وان وجهته هي المجتمع الدولي والامم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية وطلب الحماية الدولية واصدار قرار واضح ومحدد بخصوص الحل المنشود بناء على مقررات الشرعية الدولية مع تحديد جدول زمني قريب لتنفيذه... الخ، الخ.
هذا، اعلاه، يعني التحليق خارج ما آل اليه قفص اوسلو من مراوغات وتوحيل وغرق في التفاصيل الثانوية هربا من حل القضية الاساسية. صحيح ان هذه القناعة جاءت متأخرة. لكن ان تأتي متأخرة افضل من ان لا تأتي ابدًا. وهي عودة للاساس: في البدء كانت فلسطين. في البدء كان الاحتلال. وفي البدء كانت المقاومة بشتى اشكالها بما فيها السياسية والديبلوماسية، لاسترجاع فلسطين.
برأيي ان هذه المبادرة والاصرار عليها واسنادها بالاستعداد للمقاومة... هي الرد المقاوم الأرقى على جريمة "الجرف الصامد"، وهي الاستغلال الممانع الأفضل لما خلقه ذاك "الجرف" من ظروف فلسطينية وعربية وشرق اوسطية وعالمية دولية لتحقيق الانتصار المنشود.
حكومة اسرائيل مرعوبة من هذه المبادرة. هي لا تريد حلًا، ولا مصالحة فلسطينية ولا دولة فلسطينية مستقلة. تريد تطبيعًا مع العرب دون حل، وفي ظل استمرار الاستيطان. وتريد مفاوضات "سلام" تقود الى الاستسلام. وتريد الاستمرار بفصل غزة عن الضفة مع الابقاء على سلطة ضعيفة في رام الله واخرى محاصرة في القطاع. هذه هي الترجمة العملية لجوهر "موافقة" نتنياهو على حل "الدولتين لشعبين"، كانتونيْن منفصلين لشعب واحد تحدهما وتتحكم بهما اسرائيل من الجهات الاربع.
وللذي ملأنا انشاء وضجيجًا اعلاميًا عن انفاق وصواريخ "حماس" التي زعزعت اسرائيل وقادت إلى ان تحرير فلسطين، كل فلسطين، اصبح وشيكًا... نحيله الى ما تنشره الصحف العبرية من تعليقات ودراسات لإخصائيين سياسيين وعسكريين عن مبادرة رئيس السلطة الفلسطينية. يكتبون عنه انه "الارهابي السياسي الاخطر" و"المخرب والديبلوماسي" وان " الانفاق التي يحفرها والصواريخ التي يطلقها – (المقصود مبادرته الاخيرة) – هي اخطر على اسرائيل بما لا يُقاس من انفاق وصواريخ حماس".
ما هو موقف حماس من هذه التطورات، وهل عليها هي الاخرى ان تعيد النظر بمواقفها وبنهج عملها وممارساتها؟ هذا هو موضوع المقال القادم في هذه السلسلة.
