حديث الذاكرة (2): (إلى الرفيق أسـد)

single

إلى موسيقاه وأغنياته ، يكتب الفنان المبدع والكاتب الأديب مرسيل خليفة نثرًا جميلاً في عوالم الموسيقى والحب وأحوال القلب الأنساني- ولكن "الاتحاد" تقدم له، هنا، كتابة من نوع آخر، كنا قد عرضنا الجزء الأول منها في ملحق الاسبوع الماضي، وهي كتابة شبه روائي، يستعيد فيها مرسيل سنوات الشباب الأول، ويرسم فيها صورة صديق له، رفيق مناضل،وصانع رفاق مناضلين، من حيث ان هذا الرفيق كان يفتح عيون الشباب على الطريق الكفاحي الصعب والجميل الموصل إلى آفاق التحوّلات والتغيير وعدالة اجتماعية في "وطن حر وشعب سعيد" – لونٌ كتابي مختلف يُضاف إلى الأنواع المتعددة لفنون مرسيل خليفة



// شكراً يا "أسد" لأنك عبَّرت بحكاياك عن الحياة التي تمشي من الجهل إلى المعرفة، ومن العبودية إلى الحرية، وأذكِّرك بأواخر الستينات، ومطلع السبعينات عندما طلبت منك بطاقة "وطن حر وشعب سعيد" ، أجبتني كما أجابك "يوسف ضومط" في الثلاثينيات: بعدك صغير! لقد كبرتُ يا "أسد"، زوِّدني ببطاقة.

//

// وبدأ العهد السرِّي في الحزب. ونحن مَنْ؟ مجموعة عسكر. يعني ذلك ان مجرد إشارة إلى انتمائنا الحزبي، تكون النهاية لنا جميعاً. وكان من شروط اجتماعاتنا الأولى القاسية، أنه إذا تخلَّف رفيق خمس دقائق فقط عن موعد الاجتماع، يُلغى فورياً مكان الاجتماع، ويُنقل مباشرة إلى مكان آخر، علَّه يكون هناك مخبر، وكي لا تقع المجموعة كلها بـ "الشرك"

 [..سنة 1948، كنت أخدم في "الناقورة" على الحدود. أتانا أمر حزبي لتلْفِ بطاقاتنا الحزبية ولأسباب أمنية مستجدة. ولليوم أعرف تحت أيّة "خرّوبة" دفنت بطاقتي هناك. لقد أجريت عملية مراسم دفن البطاقة تحت "الخرّوبة" ووضعت عليها الأحجار، وقلت لها: "نامي هنا للتاريخ"!
وبدأ العهد السرِّي في الحزب، وكنت في "بيروت" مع مجموعة من الرفاق العسكريين: "إسبر بيطار"، "موسى شحادة"، "بطرس عيد"، "جوزف الجزار"، "ميلاد فريد" و"ميشال عوض".
سنة 1949 وقع والدي عن ظهر "دابّته" وأصيب إصابة بليغة في رأسه، فقد على أثرها الوعي. وظلَّ في هذه الحالة أكثر من أسبوعين، حيث وافته المنيَّة في 24 تشرين الثاني، متأثراً بجراحه.
مات "أبو يوسف" وانطفأ قنديله الذي كان يكشح بنوره ظلام القهر والعذاب. وفي اليوم التالي، أقيمت مراسم التشييع، وبعد الجنازة مباشرة، ركبت السيارة متَّجهاً إلى "بيروت" لارتباطي بموعد سابق لاجتماع حزبي في مكان ما في تلةٍ جميلةٍ "الرمل".
ونحن مَنْ؟ مجموعة عسكر. يعني ذلك ان مجرد إشارة إلى انتمائنا الحزبي، تكون النهاية لنا جميعاً. وكان من شروط اجتماعاتنا الأولى القاسية، أنه إذا تخلَّف رفيق خمس دقائق فقط عن موعد الاجتماع، يُلغى فورياً مكان الاجتماع، ويُنقل مباشرة إلى مكان آخر، علَّه يكون هناك مخبر، وكي لا تقع المجموعة كلها بـ "الشرك"، كنا نتحلَّى بيقظة ثورية.
ركبت السيارة من "عمشيت" إلى "جبيل"، ومن "جبيل" إلى "بيروت"، وصولاً إلى ساحة "البرج" ومن ثم سيراً على الأقدام حتى ساحة "المعرض"، لأجد سيارة "فورد بو دعسة"، أقلَّتني إلى مكان الاجتماع، متأخراً حوالي ربع ساعة. التقيت برفيقين، قالا بغضبٍ شديد:
- يا رفيق. في محاكمة!
انتقل الاجتماع إلى منطقة "الأوزاعي" على شط البحر. وذهبا في طريقهما وأنا سلكت طريقاً آخر، مشياً على الأقدام، من تلةٍ في "الرملة البيضاء" حتى وصلت إلى مكان الاجتماع في "الأوزاعي" منهوك القوى. صرخ الكل:
- يا رفيق! في محاكمة!
- يا رفاق! لو تعرفوا سبب تأخري لعذرتموني، وأنا المنضبط بأوقات المواعيد. وتابعت:
- البارحة، الساعة الثانية عشرة ليلاً توفي والدي، وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم، بدأت مراسم الجنازة، وانتهت في السادسة والنصف عصراً، ومن "عمشيت" إلى "بيروت" في ساعة ونصف، ركضاً بركض كي لا يفوتني الاجتماع.
عندها قدَّم لي الرفاق تعازيهم، وبدأنا اجتماعنا المقرَّر.
كنت المسؤول المالي في التنظيم. تبرعات. إشتراكات. أحافظ عليها كحفاظي على بؤبؤ عيني تماماً. إنها ماليّة الحزب، وأنا أمين هذا المال. كنت آخذ المالية الساعة العاشرة ليلاً، كل شهر مرة، وأقف بالقرب من كنيسة الوردية في شارع "الحمرا" لأسلِّمها لرجل قصير القامة يضع على رأسه "برنيطة". لهجته خاصة، يمرُّ عليَّ. كلمة سرٍّ تجمعنا:
- " أسّاد"!
- إيه نعم!
هذه في المرة الأولى، لم نكن نعرف بعضنا. شلح كلمته، سلَّمت عليه وسلَّمته المالية ومضى. كنت أنتظر كل شهر الرجل القصير القامة، والذي عرفته فيما بعد، بـ "أرتين مادويان" (من القيادات التاريخية للحزب الشيوعي اللبناني)
بعدها انتقلت إلى "طرابلس" وأصبح اتصالي مع الرفيق "أحمد المير الأيوبي". وأذكر أنه عندما يكون عندنا "مناورة" لقوى الأمن مع الجيش، لملاحقة "مُطارَدين" في جرود "عكار": "الفنيدق"، "القموعة" وغيرها، كنت أقصد قبلها بليلة مكتبة "ميشال فرح" وآخذ من عنده كل أعداد جريدة "الأخبار"، جريدة الحزب. آخذ الأعداد وأضعها في "صرَّتي" العسكرية، ومن ثم إلى داخل الملاّلة التي أستقلها. وبعد وصولنا إلى منطقة "عكار"، أحاول إقناع العسكر بشراء الجريدة، وكان سعرها خمسة عشر قرشاً. وصل الخبر إلى الشعبة الثانية، حققوا معي، ولم يثبت عليَّ شيء. وكنت أقبض سعر الجريدة من العسكر، وكم تمنيت أن أوزعها بـ "بلاش" ولكن من أين لي هذا !؟ معاشي محدود! و"عندي عيلة"! لقد قمت بهذه العملية عدة مرات و"ظمطت"!.
سنة 1953، كلّفت من قِبَل الحزب لأنقل إلى منظمة "عمشيت" منشورات ليتم توزيعها في المنطقة. وبما أنني لا أُفتَّش، خاصة وأنا أرتدي بدلتي العسكرية، وفوقها المعطف السميك في أيام الشتاء. يومها، "حشوت" المنشورات في كل زاوية من ثيابي، وزاد وزني حوالي العشرين "كيلو". وصلت إلى "عمشيت"، وكان بانتظاري "يوسف ضومط" في دكانه بالساحة. كل رجالات الفكر، عند "يوسف ضومط" الإسكافي الفقير، يتزوّدون بحديثه وخبرته في كافة شؤون الحياة، وهو أمام "سدّانته" يصنع الشواريخ لأولاد الفقراء، وحتى الوجهاء كانوا يطأطئون رؤوسهم عندما يدخلون دكانه الصغير.
كانت السماء تمطر دون انقطاع، عندما مررت من أمام هذا المحج، وكان عنده "نسيب لحود" و"وديع لحود"، نظرت إلى "يوسف" وغمزته، قام من على كرسيه، واستأذن من مجالسيه الذين لم يروني. مشيت ولحقني "يوسف ضومط"، والمطر ينهمر على رؤوسنا. كيف سأتدبَّر الأمر، وأعطي لـ"يوسف" الحمل؟ وصلت إلى "حي التينة" وبعدها إلى تخوم "حي العرْبة"، نزولاً إلى وادي "مار زخيا"، وهناك كان لـ "يوسف ضومط" مغارة سرية صغيرة، داخل صخرة كبيرة يضع فيها كل الممنوعات: من كتب ومناشير. أفرغت في داخلها حمولتي، وبسرعة كي لا يرانا أحد، عدنا وافترقنا كل في طريق، ومن يومها أصيب "يوسف ضومط" بنزلة صدرية حادة، لم ينجُ منها، ولم يكن هناك مال لاستدعاء طبيب أو للذهاب إلى المستشفى أو لشراء دواء. داوى نفسه بنفسه، ولكن... مات "يوسف ضومط" بعد شهر واحد من حصوله على تلك المناشير.
"يوسف ضومط" المشعل الذي كان ينير لنا الطريق. إنه أحد أعظم شهداء الحزب المغمورين. وبموت "يوسف ضومط" انحسرت الحركة الشيوعية في "عمشيت"، ولكنَّ الجذور بقيت، وقد تابع آخرون، ولو بحركة بطيئة: "وهيب رزق الله"، "يوسف العرم" وغيرهما.
سنة 1958، "الولايات المتحدة الأميركية" تتدخل بشؤوننا الداخلية، وتطلب مباشرةً من رئيس الجمهورية آنذاك، "كميل نمر شمعون" وعلى أثر خلافه الحاد مع قيادة الجيش، في ما يخص هذا الموضوع بالذات. كانت فرصة لي يومها، حيث وقفت على دبابةٍ أمام سباق الخيل في وزارة الدفاع وألقيت خطاباً "عرمرمياً" للجنود المحتشدين في الباحة الذي لم أعد أذكر منه سوى هذا المطلع:
- " يأ أبطال الأولية! يا أحفاد "طانيوس شاهين"! إنَّ يوم الاستشهاد، يوم البطولة، يوم العزَّة قد أتى. لن يمر هؤلاء الغزاة، هؤلاء "اليانكي" لن يمروا إلاَّ على أجسادنا، مهما كانت قدرتهم العسكرية!".
خطابي الطويل هذا، لم يعجب "المتشمعنين" في الجيش، فمهَّد لي طريق الخروج من السلك، ولم يمنع الغزاة من الدخول إلى أرضنا.
وبعد أن تنقَّلت من منطقة إلى أخرى، في خدمتي بالجيش اللبناني، عدت إلى بلدتي، حيث أخذت على عاتقي مهمة بعث الفكر وبعث التراث الشعبي العمشيتي لأنه وسام على صدر "عمشيت" وتاريخ "عمشيت"، خاصة عندما كانت الشيوعية "فزَّاعة" في منطقة "كاثوليكية"، مثل منطقة جبيل، ولا بد هنا أن نذكر بأن ينبوع الشيوعية كان في جارتنا "حصرايل" المتمثلة بالكبيرين "فرج الله الحلو" و"يوسف خطار"، والقاعدة الأساسية كانت "عمشيت". وتابعت نضالي المتمثل بحب الشعب، ولا سيما الكادحين منهم...]
.
وهكذا طلع الصبح علينا و"أسد" يروي ولا يتعب...
- إيش بدي خبرك يا مرسيل؟ في كتير أخبار ضاعت من ذاكرتي...
فنجان قهوة مرَّة بعد ليلة بيضاء، ينشِّط قليلاً، ولكنَّ قهوة "أسد" سُكَّرها زيادة، رشف قهوته بسرعة، وكانت الشمس قد حميت قليلاً، عندها ودَّعني ليصل إلى "الكفاءات" قبل "العجقة".
شكراً يا "أسد" لأنك عبَّرت بحكاياك عن الحياة التي تمشي من الجهل إلى المعرفة، ومن العبودية إلى الحرية، وأذكِّرك بأواخر الستينات، ومطلع السبعينات عندما طلبت منك بطاقة "وطن حر وشعب سعيد" ، أجبتني كما أجابك "يوسف ضومط" في الثلاثينيات:
- بعدك صغير!
- لقد كبرتُ يا "أسد"، زوِّدني ببطاقة.

 

(انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

من سهى بشارة إلى منتظر الزيدي

featured

زنقة زنقة.. دار دار

featured

وجهان لعملة واحدة

featured

قيم ثعالبيّة

featured

مستشفى سجن الرملة "مدفن للأحياء"

featured

هل بلغنا المفترق المصيري؟

featured

ليس في مصلحة المستقبل العربي والجماهير العربية غياب ثقافة النضال الطبقي عن الساحة العربية

featured

موسم المذابح المدبّرة في الضفة لم ينتهِ، ولا ضحاياها