ليس في مصلحة المستقبل العربي والجماهير العربية غياب ثقافة النضال الطبقي عن الساحة العربية

single

في مجتمعنا العربي الممتد وجوده بين الخليج العربي شرقا والمحيط الاطلسي غربا، الاكثرية الساحقة من المواطنين هم من الفئات الكادحة والفقيرة المؤلفة من العمال والفلاحين وصغار التجار والموظفين والحرفيين وما شابه من اصحاب الدخل المحدود، وهذه الفئات الاجتماعية هي القاعدة الشعبية للاحزاب والتنظيمات السياسية الاشتراكية والشيوعية التي تشكلت في بلادنا العربية منذ سنوات النصف الاول من القرن الماضي من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين. والمجموعة الثانية تضم الطبقات الواسعة الثراء وصاحبة الطبيعة الاستغلالية والمحبة لاحتكار ثروات بلادها، وتحرص بكل امكانياتها على ابقاء باب الصراع السياسي الطبقي مغلقا اذا امكنها ذلك، للحفاظ على مكتسباتها المادية والمعنوية الموروثة على الغالب، والناتجة عن استغلالها لاتعاب الجماهير الكادحة، وهي في بلادنا العربية وفي كل الشعوب تشكل الاقلية العددية.
وفي مجتمعاتنا العربية لا تزال الاكثرية العددية من المواطنين متخلفة علميا وثقافيا للاسف الشديد، ولم تتخلص بعد من الذهنية الموروثة عن المراحل السابقة: الطائفية، والعائلية، والمذهبية.الخ، وللاسف الشديد لا يزال الحكام في العديد من الاقطار العربية هم الملوك والامراء والمشايخ، ويتوارثون السلطة منذ اجيال مضت. والانظمة العربية الجمهورية ليست متساوية في تطورها السياسي، والفرز السياسي الطبقي فيها لم يتبلور بعد كي يصل الى مرحلة النضوج المنشود. ولذلك عدة اسباب: فالبرجوازية العربية لم تحدث في الاقطار العربية تطورا صناعيا واسع المدى ينتج عنه طبقة عمالية واسعة في كل قطر عربي، تضم عشرات الالاف من العمال الصناعيين المأطرين في النقابات والاحزاب التقدمية الثورية. وقبل ذلك ساهم ايضا جهل وعقم الطبقات الاقطاعية والبرجوازية في تأخرنا الحضاري، زد على ذلك وقوع بلادنا العربية تحت الاحتلال والاستعمار الاجنبي الذي تحررنا منه منذ زمن قصير.
والانقلابات  العسكرية التي جرت في عدد من الاقطار العربية. فشلت الى حد كبير في المهمات التي قامت من اجلها، فلم تجتث السياسات والمنطلقات الرجعية من جذورها مما يمنع نموها وازدهارها من جديد، وتغلبت المصالح السلطوية والخاصة على المصالح العامة، وعدم اعطاء النضال الاجتماعي محتوى تقدميا علمانيا له فعالية جذرية وتنموية متواصلة. لذلك استمر ميزان القوى على الساحات العربية لصالح الرجعية الحاكمة والمتسيدة في الارياف العربية عامة وهذا اطال في عمر الانظمة الرجعية الحاكمة التي اكثريتها الآن متواطئة مع الدول الامبريالية وبشكل خاص مع الولايات المتحدة المحتضنة على الدوام للكيان الاسرائيلي المجهض لمطلب السلام العادل بسبب اطماعه التوسيعة.
نعم لقد اصبح واضحا لكل مواطن عربي مسلح بالوعي ومهتم بالمصلحة العربية العامة. فقدان الحياء من وجوه اكثرية الحكام العرب في وقتنا الحالي، فقد اصبحوا اتباعا وذيولا للدول الامبريالية بدون ان يخدم ذلك المصالح العربية والقضية الفلسطينية خاصة.  فلا يكفي ان هذه الانظمة العربية الرجعية الحاكمة مقصرة كثيرا في خدمة شعبها، فهي اصبحت تقف خافضة الرأس ومنحنية القامة امام المعتدين، وبنفس الوقت مستمرة في تغليب مصالحها الذاتية والطبقية على مصالح وكرامة شعبها وامتها بدون ان تستحيي وتحسب لعاقبة ذلك اي حساب. ومما يشجعها على التفريط بمصلحة وكرامة شعبها وامتها، عدم وجود معارضة سياسية قوية تسلح الجماهير والاجيال الشابة  بثقافة النضال الطبقي العلمية. فإن ادارة النضال السياسي بموجب عقيدة الصراع الطبقي عين الصواب، وهو الكفيل بقلب موازين القوة لمصلحة الاكثرية الساحقة من الشعب، فهذه الثقافة تلهم الجماهير سواء السبيل، وتنير العقول وتشد ازر المناضلين لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الحقة. فهي تحشد الطبقات الكادحة والفئات غير الميسورة والمحرومة لفتح حصون الانظمة الرجعية واخذ السلطة منها. ولذلك فالانظمة الرجعية في بلادنا العربية تشن على ثقافة النضال الطبقي حملات دعائية معادية وتنعتها "بالتفكير الغريب المستورد" الذي حسب زعمهم يتنافى مع جوهر الاديان والمصالح الوطنية والقومية، فمصلحة الامة حسب زعمهم تتطلب اجتثاث ثقافة الصراع الطبقي من الوجود، فهم بذلك يدافعون عن مصالحهم وليس عن مصالح شعبهم وامتهم.
فلماذا لا تبادر  الجماهير العربية لوضع النقاط على الحروف، اعني بذلك جعل هؤلاء الحكام يحسبون ألف حساب للجماهير بأن تنتفض عليهم وتحاسبهم. فإذا كانت جماهير البلاد الاجنبية متضررة من انظمتها الرأسمالية والرجعية عشرين مرة. فنحن الجماهير العربية متضررون ألف مرة من سياسة الانظمة الرجعية المتذيلة لحكام امريكا والدول الامبريالية الاخرى، فقد أصبحت كرامتنا العربية في مهب الرياح نتيجة لضعف هؤلاء الحكام الاغنياء ماليا والفقراء في نفس الوقت في سياساتهم المريضة وتبعيتهم للاجانب اصحاب المآرب الخبيثة الاستعمارية سابقا ولاحقا، فان الاكثرية العددية من الحكام العرب يمثلون مصلحة الاقلية في  اقطارهم، وحكمهم عمليا وواقعيا لمصلحة الاقلية صاحبة الثروات والمراتب الاجتماعية التقليدية العالية الموروثة وغير المكتسبة بالعلم والمعرفة ومن خدمة مصالح اكثرية الشعب. فهم حكم الاقلية الاقطاعية والرأسمالية للاكثرية الساحقة من الشعب.
هذا ومقولة الصراع الطبقي ليست بدعة وفكرة خيالية، ولا هي مفهوما سياسيا غير معترف به حتى الان. بل هي مشروع نضالي علماني للقضاء على الفوارق الطبقية، وقيام انظمة حكم ينعم فيها المواطنون بالمساواة بكل معنى الكلمة، اي بمستوى المعيشة والمسكن ومتطلبات الحياة الصحية والتعليمية..الخ. والنضال الطبقي لا يتناقض مع النضال القومي الوحدوي بل يعينه ويعطيه مزيدا من الابعاد الشرعية الوافية، لانه يخدم  مصالح امتنا العربية في حاضرها ومستقبلها. فالجماهير العربية بكل فئاتها الاجتماعية والمهنية لها مصلحة عظيمة الاهمية بتحقيق الوحدة العربية، كما لها مصلحة عظيمة بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين كافة المواطنين. ومطلب الوحدة العربية ليس مطلبا عنصريا وشوفينيا وما شابه من اداعاءات معادية ومغرضة وسطحية، بل الوحدة العربية هي اعادة بناء ما تم هدمه وتجزئته بأيدي دول الاستعمار الاوروبية، لان ذلك يحقق لهم مصالحهم واهدافهم. ففي صراعنا نحن العرب مع الاعداء والطامعين بنا، نحن بأمس الحاجة الى تغيير موازين القوة لمصلحتنا، حيث اقامة الدولة العربية المتحدة والاتحادية طال الزمن ام قصر لتحقيق ذلك، هو الكفيل بجعلنا امة قوية بكل معنى الكلمة، وغير مستضعفة ومطموع بها بل قادرة على ردع الاعداء والطامعين والمحافظة على حقوق امتنا وكرامتها.
والنضال العربي الجماهيري الطبقي والوحدوي يسرع ايضا الوصول الى التحولات الديمقراطية التقدمية المنشودة التي تصب في مصلحة الجماهير، اي الاكثرية الساحقة من المواطنين في البلدان العربية، فالديمقراطية الشعبية هي ايضا حاجة اساسية ورئيسية للشعب مثل العدالة الاجتماعية والمساواة والتحرر من اية تبعية وهيمنة اجنبية، ايضا بدلا من الاقتصاد العربي المجزأ بسبب تجزئة الوطن العربي الكبير في 22 دولة عربية بين الخليج العربي والمحيط الاطلسي، يصبح بعد قيام الدولة العربية المتحدة اقتصادا موحدا وهذا ايضا يسرع مسيرة التطوير والتقدم الحضاري الذي يصب في مصلحة العرب جميعا.
في الختام نتذكر دائما بان القومية والاخاء القومي الذي نشعر به نحن العرب، لا ينكر ان وجود الانقسام الطبقي في الامة بين المستغلين (بكسر الغين) والمستغلين (بفتح الغين) وبين المضطهدين والذين يضطهدونهم طبقيا من ابناء شعبهم وامتهم. لذلك من الواجبات الاساسية والاولية ان تنشط الاحزاب السياسية العربية اليسارية والتقدمية وجميع المناضلين من اجل المستقبل الافضل لنشر ثقافة النضال السياسي. الطبقي لتقريب يوم وصول امتنا العربية الى شاطئ الآمان والسلامة بكنس الانظمة العربية الرجعية المسؤولة عن رداءة الوضع العربي الحالي، والمتذيلة للدول الامبريالية، ولحكام واشنطن بشكل خاص الداعمين للاطماع التوسعية الاسرائيلية المناقضة للشرعية الدولية والمجهضة لمطلب السلام العادل المنشود.

 


(مجدل شمس/ الجولان العربي السوري المحتل)

قد يهمّكم أيضا..
featured

التصلُّب المتعدد – أو اللويحي Ms- multiple sclerosis

featured

نهاية الأحادية العسكرية للولايات المتحدة

featured

دانييل بن سعيد... سيزيف "الثورة الدائمة"

featured

الطائفية البغيضة

featured

مَـشـاهِـد ومُـشـاهِـد

featured

وعي الذات، وعي الآخر

featured

الإدارة الذاتية التربوية: رؤية حقوقية

featured

رأي - حول سياسة امريكا ومطلب السلام العادل المنشود